شموخ الأمة
الفصل 8 — مؤامرات الظل في القصر
بقلم أحمد الرشيد
الفصل 8 — مؤامرات الظل في القصر
بعد أيام من اللقاء مع الأمير سليمان، كانت نورة تشعر بالراحة النسبية في "الرياح الذهبية". كان الأمير قد وعد بإرسال مساعدات، وأوفى بوعده. وصلت قافلة كبيرة محملة بالمؤن، والأسلحة، والأدوات الطبية، برفقة وفد رسمي بقيادة المستشار طارق. كان هذا بمثابة دفعة معنوية هائلة لواحة "الفجر الجديد".
لكن، لم يكن كل شيء يسير بسلاسة كما بدا. داخل جدران القصر المنيف، كانت هناك أصوات أخرى تُسمع. لم يكن الأمير سليمان وحده من يتخذ القرار. كان لديه مجلس استشاري، ولكل مستشار أجندته الخاصة.
كان المستشار "فواز"، رجل ذو لحية بيضاء كثيفة، ونظرة حادة، هو أحد أبرز هؤلاء المستشارين. كان فواز يرى في سياسة الأمير سليمان المعتدلة، وخاصة تعاونه مع الآخرين، نوعًا من الضعف. كان يفضل دائمًا القوة، والسيطرة، والتوسع.
"يا صاحب السمو، إن تقديم المساعدات لهذه الواحة النائية هو خطأ استراتيجي." قال فواز في إحدى جلسات المجلس. "إنهم يخوضون حربًا لا تعنينا. نحن نملك قوتنا، وثروتنا، وعلينا أن نحافظ عليها لأنفسنا، لا أن نبددها على نزاعات الآخرين."
اعترض المستشار طارق، الذي كان قد عاد من الواحة، وكان يرى الأمور بمنظور مختلف. "يا سيدي، لقد رأيت بعيني الوضع على الأرض. الخطر حقيقي، والمساعدة التي قدمناها كانت كافية لإظهار حسن نيتنا. القائد زيد ورجاله يقاتلون من أجل أرضهم، ومن أجل استقرار المنطقة بأكملها. لو سقطوا، لكان المعتدون أقرب إلينا."
"وهل تعتقد أن القائد زيد سيمتلك القوة الكافية لصد هؤلاء المعتدين؟" سأل فواز بسخرية. "إنهم يملكون جيوشًا جرارة. ما نفعله هو إلقاء الذهب في بحر هائج."
كان الأمير سليمان يستمع بصمت، يوازن بين آراء مستشاريه. كان يعرف أن فواز لديه بعض النقاط الصحيحة، وأن سياسة الحياد كانت دائمًا ما تصب في مصلحة مملكته. لكنه كان أيضًا يرى في كلمات طارق، وذكاء نورة، ما يثير قلقه.
"لقد أرسلت وفدًا، وسيأتي تقريرهم قريبًا." قال الأمير سليمان. "لكن، لا يمكننا أن نكون بمعزل عن ما يحدث حولنا. إذا كانت هناك قوة تسعى لزعزعة الاستقرار في المنطقة، فهذا يهددنا جميعًا."
في تلك الأثناء، كانت نورة تستعد لرحلة العودة إلى واحة "الفجر الجديد". كانت قد أمضت بعض الوقت في دراسة المدينة، والتحدث مع تجارها، وفهم طريقة عملها. كانت ترى في "الرياح الذهبية" نموذجًا لما يمكن أن تصبح عليه أمتها يومًا ما: مزدهرة، وقوية، ومتنوعة.
"هل أنتِ مستعدة للرحيل يا سيدتي؟" سأل طارق. "لقد جهزنا لكِ قافلة أكبر هذه المرة، وبعض الإمدادات الإضافية."
"نعم، أنا مستعدة. أشكركم جزيل الشكر على حسن الضيافة، وعلى هذه المساعدات القيمة." قالت نورة. "أتمنى أن تستمر هذه العلاقة الطيبة بيننا."
"بالتأكيد. وسأكون في انتظار تقرير وفدنا." قال طارق، وهو يصافحها.
لكن، قبل أن تغادر نورة، استدعاها المستشار فواز. كانت هذه دعوة غير متوقعة، وشعرت نورة ببعض القلق.
"أيتها السيدة نورة،" بدأ فواز بنبرة رسمية، لكن عيناه كانتا تحملان شيئًا من الشك. "لقد أثرتِ إعجاب الأمير بذكائك. ولكن، هل لكِ أن تحدثيني بصراحة؟ هل تعتقدين حقًا أن واحة 'الفجر الجديد' يمكن أن تصمد أمام هذا التهديد؟ ألا ترين أن هذه المساعدات تذهب هباءً؟"
نظرت نورة إلى فواز مباشرة. "يا سيدي، أنا لا أقدم وعودًا فارغة. القائد زيد ورجاله يملكون الشجاعة والإيمان. إنهم يقاتلون من أجل كل شبر من أرضهم. وبدعمكم، ستكون فرصتهم أكبر. أما عن هباء، فلا شيء يُهدر عندما يتعلق الأمر بدفع الظلم، وحماية الحق."
"الحق؟" سأل فواز بتهكم. "إن الحق في هذا العالم هو للقوي. وهؤلاء المعتدون أقوياء جدًا. ألا ترين أننا نسير نحو تدمير أنفسنا بالدخول في هذه المعركة؟"
"القوة ليست دائمًا في عدد الجنود يا سيدي، بل في الوحدة، وفي الإيمان، وفي الحكمة. وقوتنا تكمن في قدرتنا على التعاون. ربما لو لم تكن لديكم القوة لصد المعتدين بأنفسكم، فأنتم تملكون القدرة على مساعدة من يستطيع ذلك. وهذا ليس تدميرًا، بل استثمار في مستقبل آمن للجميع."
بدا أن كلمات نورة أثرت في فواز، لكنه لم يظهر ذلك. "حسناً، سيدتي. سأترك لكِ مجالستك للأمير. لكن تذكري، أن المصالح هي التي تحكم العالم."
عندما غادرت نورة، شعرت بأن هناك شيئًا مريبًا. لم تكن متأكدة من نوايا فواز، لكنها كانت تشعر بأن هناك مؤامرات تُحاك في الظل.
في طريق عودتها إلى الواحة، وبينما كانت القافلة تسير في الصحراء، شعرت نورة بأنهم مراقبون. كانت هناك ظلال تتحرك بعيدًا، وأصوات غريبة تسمعها بين الحين والآخر. طلبت من بدر وخالد أن يكونا أكثر يقظة.
"هناك من يراقبنا، يا أخوة." قالت نورة. "علينا أن نكون مستعدين لأي شيء."
بينما كانوا يقتربون من الواحة، وبينما كانت الشمس تغرب، هجمت عليهم مجموعة من الرجال الملثمون. لم يكونوا من جيش زيد. كانوا مجهولين، وأسلحتهم حديثة. اندلعت معركة شرسة. قاتل بدر وخالد ببسالة، بينما حاولت نورة حماية القافلة والإمدادات.
في خضم المعركة، أدركت نورة أن هؤلاء المهاجمين لا يريدون نهب القافلة. كانوا يريدون إيقافهم، أو ربما منع وصول الإمدادات إلى الواحة. تمكنوا من صد الهجوم، لكنهم فقدوا أحد الجمال، وأصيب بدر بجرح طفيف.
"لم يكونوا لصوصًا عاديين." قال بدر وهو يمسك بكتفه. "كانوا منظّمين، ويعرفون ما يفعلون."
"ربما هم من أتباع المعتدين، أو ربما هناك من في 'الرياح الذهبية' لا يريد لهذه المساعدات أن تصل." قالت نورة، وشعرت ببرودة تسري في عروقها.
عندما وصلوا إلى الواحة، استقبلهم القائد زيد بالترحاب، ولكنه لاحظ القلق في عيون نورة، والجرح الذي أصاب بدر.
"ماذا حدث؟" سأل زيد.
روت نورة ما حدث. نظر زيد إلى الإمدادات، ثم إلى بدر، وقال: "يبدو أن مؤامرات الظل قد بدأت. لقد أثرنا قلق الكثيرين، ويبدو أن أعداءنا ليسوا فقط في الجبهة، بل ربما يتسللون إلى حيث لا نتوقع."
كانت هذه الكلمات كافية لزيادة قلق نورة. لقد نجحت في مهمتها، لكنها فتحت بابًا ربما كان من الأفضل تركه مغلقًا. لقد أدركت أن المعركة ليست فقط بالسيف، بل بالحكمة، وبالفطنة، وبالقدرة على كشف المؤامرات الخفية.