أشعة الشمس العربية

الفصل 12 — همسات الماضي ونداء الذاكرة

بقلم محمد الفاروق

الفصل 12 — همسات الماضي ونداء الذاكرة

مع بزوغ شمس يوم جديد، بدأت القرية تستيقظ على وقع خطوات أكثر إصراراً. لم يعد اليأس هو سيد الموقف، بل حل محله فضول متزايد وحماس ممزوج بحذر. أحمد، وقد استنفدته قلة النوم، كان يجلس في وسط ساحة القرية، محاطاً ببعض كبار السن، وهم يحملون بين أيديهم آثاراً قديمة، صوراً باهتة، وقطعاً من الفخار المكسور. كانت وفاء تجلس بجانبه، تسجل كل كلمة، كل معلومة، وكأنها تجمع خيوطاً متناثرة لتنسج منها قصة.

"كانت جدتي، ليلى،" قال رجل عجوز يدعى سالم، وهو يشير إلى صورة قديمة بالأبيض والأسود، "امرأة حكيمة. كانت تعرف كل شيء عن النباتات، وعن الأدوية. كانت تحكي لنا قصصاً عن أجدادنا، عن زمن كانت فيه الصحراء خضراء، وعن كائنات غريبة كانت تعيش فيها."

"كائنات غريبة؟" سأل أحمد، وقد ارتسمت علامات الاهتمام على وجهه.

"نعم،" قال سالم، "قالوا إنها كانت مخلوقات نورانية، تأتي من السماء، وتشاركهم أسرارهم، ثم تعود إليها. لم أفهم ذلك جيداً في صغري، لكن جدتي كانت تؤمن بذلك."

كانت هذه الروايات تتردد هنا وهناك، متداخلة مع الأساطير والخرافات. لكن تكرارها، وارتباطها بالرموز التي وجدوها في الكهوف، بدأ يشكل نمطاً لا يمكن تجاهله. كانت فاطمة، بحدسها العميق، تشعر بأن هناك شيئاً حقيقياً وراء هذه الحكايات.

"هل تذكرين يا أمي،" قالت وفاء، وهي تتجه نحو جدتها، "ما كانت تحكيه لكِ جدتك ليلى عن 'عين الصحراء'؟"

نظرت فاطمة إلى وفاء، وعيناها تعكسان ضوء الصحراء. "آه، عين الصحراء. كانت تقول إنها بئر سحرية، تمنح من يشرب منها الحكمة، ومن ينظر فيها، يرى ما لا يراه الآخرون. كانت تقول إنها موجودة في مكان سري، لا يعرفه إلا قلة."

"وهل عرفتِ أنتِ أين هذا المكان؟" سأل أحمد.

هزت فاطمة رأسها ببطء. "لم أفعل. كانت جدتي تتحدث عنها كأنها حلم، أو كأنها ذكرى بعيدة. لكنها كانت مصرة على وجودها."

بدأ أحمد يشعر بأن هذه "عين الصحراء" قد تكون المفتاح. إذا كانت تمنح الحكمة، أو تكشف الأسرار، فقد تكون هي المكان الذي ترك فيه والده دليلاً. أو ربما، كانت هي نفسها الموقع الذي يبحثون عنه.

"ولكن كيف نجدها؟" تساءلت وفاء. "هذه الصحراء واسعة جداً."

"ربما،" قال سالم، "يجب أن نبحث عن علامات. تقول الأسطورة أن 'عين الصحراء' محاطة بصخور سوداء، وأن المياه فيها تتلألأ بلون أزرق غريب، لا تشبه أي ماء آخر."

"صخور سوداء؟" تذكر أحمد شيئاً. "في الكهوف، وجدنا بعض الأحجار التي بدت غريبة، كانت داكنة اللون، وبعضها كان لامعاً."

"هذا قد يكون دليلاً!" قالت وفاء بحماس. "إذا كانت هذه الأحجار مرتبطة بعين الصحراء، فربما نجد المزيد منها بالقرب منها."

قررت المجموعة، بقيادة أحمد ووفاء، أن يبدأوا رحلة بحث جديدة. هذه المرة، لم يكونوا يبحثون عن آثار في مكان محدد، بل عن علامة، عن بصيص أمل. اصطحبوا معهم سالم، فهو الأكبر سناً والأكثر معرفة بقصص القرية.

انطلقوا عند الفجر، والبرد يلسع وجوههم. كانت الشمس لا تزال خجولة، ترسم خيوطاً ذهبية عبر الأفق. بعد ساعات من المسير، وبينما كانوا يسيرون عبر منطقة بدت صخرية أكثر من المعتاد، صاح سالم: "انظروا!"

كان يشير إلى مجموعة من الصخور السوداء، متناثرة هنا وهناك. لم تكن صخوراً عادية، بل كانت ذات أشكال غريبة، بعضها كان يشبه الأعمدة، وبعضها الآخر كان كأنه منحوتات طبيعية. وبين هذه الصخور، وجدوا بعض الأحجار الداكنة التي وصفها أحمد، كانت لامعة، وعندما سقطت عليها أشعة الشمس، بدت وكأنها تشتعل.

"هذه هي!" صاح أحمد، وعيناه تتلألآن. "هذه هي الأحجار التي وجدناها في الكهوف!"

بدأت وفاء تبحث حول الصخور. كان قلبها يخفق بقوة، مزيجاً من الخوف والأمل. ثم، صرخت: "لقد وجدت شيئاً!"

كانت قد عثرت على قطعة من الفخار، ولكن هذه المرة، لم تكن مجرد قطعة مكسورة. كانت تحمل نقشاً واضحاً، صورة لعين كبيرة، محاطة بدائرة من النجوم.

"العين!" قالت فاطمة، وهي تقترب. "إنها عين الصحراء."

"ولكن أين هي؟" سأل أحمد، وهو يدور حول المكان.

"ربما،" قال سالم، "ليست هنا. ربما هذه مجرد علامة، أو مكان مبارك. ربما 'عين الصحراء' هي شيء أبعد من هذا."

شعر أحمد بخيبة أمل خفيفة، لكنه لم يستسلم. نظر إلى نقش العين، ثم إلى النجوم التي بدأت تظهر في السماء مع غروب الشمس. تذكر خريطة النجوم التي رسمها. هل كانت هناك علاقة بين مواقع النجوم ودليلهم الجديد؟

"يا وفاء،" قال أحمد، "هل يمكنكِ أن ترسمي لي هذا النقش؟"

رسمت وفاء النقش بدقة. ثم، بدأ أحمد يقارنه برسوماته القديمة. كانت الدائرة حول العين، تشبه ترتيباً معيناً للنجوم. لم يكن ترتيباً دقيقاً للنجوم المعروفة، ولكنه كان يشبه نمطاً.

"هذا النمط،" قال أحمد، "يشبه ما رأيته في الكهوف، ولكن بشكل مختلف. يبدو وكأنه يشير إلى وقت معين، أو فصل معين من السنة."

"والدي،" قالت وفاء، "أتذكر أنه كان لديه كتاب قديم، مليء بالرسومات. كان يحب رسم النجوم. ربما كان هذا الكتاب هو مفتاح كل هذا."

"الكتاب؟" سألت فاطمة. "لم أره منذ زمن طويل. أعتقد أنه تركه في مخزن الذكريات."

"مخزن الذكريات!" صاح أحمد. "هو المكان الذي تركت فيه أمي وصيتي. يجب أن نعود إلى المنزل، ونبحث عنه!"

عادوا إلى القرية، والقلوب مليئة بالأمل. كان مخزن الذكريات، غرفة صغيرة في منزل فاطمة، مليئة بالأشياء القديمة، التي تحمل عبق الزمن. وبعد بحث مضنٍ، بين الصناديق المغبرة والملابس البالية، وجد أحمد الكتاب. كان غلافه من الجلد، وتتوسطه صورة نجمة.

فتح أحمد الكتاب بحذر. كانت صفحاته مليئة بالرسومات الدقيقة، لنجوم، وكواكب، ومجموعات نجمية. وبين هذه الرسومات، وجد الكتاب الذي وصفته وفاء. كان يحمل رسومات للنجوم، مع ملاحظات مكتوبة بخط والده.

"انظروا!" قال أحمد، وهو يشير إلى صفحة معينة. "هنا، والدي قد رسم نفس النمط الذي رأيناه على قطعة الفخار. وكتب بجانبه: 'عندما تتراءى عين السماء، تظهر عين الأرض'."

"عين السماء؟" قالت وفاء، بارتياب.

"ربما يقصد بها مجموعة نجمية معينة،" قال أحمد. "و 'عين الأرض'... ربما هي 'عين الصحراء'."

"إذن،" قالت فاطمة، "عندما تظهر هذه النجوم بهذا الشكل في السماء، فإن 'عين الصحراء' تصبح مرئية، أو يمكن الوصول إليها."

نظر أحمد إلى السماء. كانت النجوم قد بدأت تتشكل في مجموعات. شعر بأنهم على وشك كشف سر عظيم، سر قد يربط ماضيهم بحاضرهم، وقد يعيد إليهم ما فقدوه. همسات الماضي كانت تتعالى، ونداء الذاكرة كان يدعوهم إلى المضي قدماً، نحو المجهول، لكن بقلوب مليئة بالإيمان.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%