أشعة الشمس العربية
بالتأكيد، إليك الفصول من 6 إلى 10 من رواية "أشعة الشمس العربية":
بقلم محمد الفاروق
بالتأكيد، إليك الفصول من 6 إلى 10 من رواية "أشعة الشمس العربية":
الفصل 6 — نداء الواجب وعبء المسؤولية
كانت الشمس قد أوشكت على المغيب، مطليةً الأفق بمسحةٍ من الذهبي والأرجواني، حينما طرق باب بيت الحاج عبد الله طرقاتٍ متقطعة، لكنها تحمل إلحاحاً لم يعهده البيت من قبل. استلّ الحاج من مجلسه، ووجد أمامه وجهاً مألوفاً، لكنه كان يعتري وجهه حزنٌ عميق وعزمٌ لا يلين. كان الشيخ سالم، إمام المسجد الكبير وواحدًا من ذوي الرأي في القرية.
"السلام عليكم يا حاج عبد الله"، قال الشيخ سالم بصوتٍ خفيضٍ يرتجف قليلاً.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا شيخ سالم. ما الذي أتى بك في هذا الوقت المتأخر؟ هل من خبرٍ يسر؟" أجاب الحاج عبد الله، وقد شعر بقلقٍ يتسلل إلى قلبه.
"لا والله يا حاج، الخبر ليس باليسر، بل هو ثقيلٌ على النفس، ولكنه واجبٌ علينا جميعاً". جلس الشيخ سالم على مقعدٍ قريب، وتبعته الحاجة فاطمة التي خرجت لتتفقد الأمر، ونظرت إليهم بعينين زائغتين.
"ما الأمر يا شيخ؟ قل ما عندك".
"تذكرون الحملة التي أرسلها السلطان لجمع الضرائب وحماية الحدود؟ لقد وصلتنا أنباءٌ تفيد بأن بعض قطاع الطرق قد اعترضوا قافلةً متجهةً إلى العاصمة، وسلبوا منها الكثير، بل وربما آذوا بعض الجنود".
صمت الحاج عبد الله للحظة، يستوعب الخبر. لم تكن أخبار قطاع الطرق مفاجئة تماماً، فالطرقات الصحراوية كانت دائماً مسرحاً لمثل هذه الأحداث، لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفاً.
"هل وصل الخبر أكيداً؟" سأل الحاج.
"نعم، جاء في رسالةٍ عاجلة من قائد الحملة، وقد أرسل في طلب التعزيزات. لكن السلطان يبعد مسيرة أيام، والمنطقة التي وقع فيها الهجوم قريبةٌ منا، ولم يتبقَ مع الحملة سوى قلةٌ من الجنود الذين تمكنوا من الفرار".
كانت هذه هي النقطة التي أراد الشيخ سالم الوصول إليها. "ولأننا أقرب الناس، فإن قائد الحملة قد طلب المساعدة من أهل القرية. ليس لقتال قطاع الطرق، بل لحماية ما تبقى من القافلة وربما إيصال أخبارٍ عاجلة إلى أقرب مركزٍ للسلطة. لقد تحدثت مع بعض الشباب المتحمس، وهم على استعدادٍ لتلبية النداء".
نظر الحاج عبد الله إلى وجه شيخ سالم، ورأى فيه الأمل والإصرار. ثم التفت إلى زوجته الحاجة فاطمة، التي بدت وقد شحب وجهها. ثم نظر إلى باب البيت، حيث كان ولده الكبير، أحمد، يقف متسمعاً، وعيناه تلمعان بشيءٍ من الحيرة والقلق.
"هذه مسؤوليةٌ كبيرة يا شيخ سالم"، قال الحاج عبد الله بجدية. "وهي تحمل مخاطر جسيمة. لا نريد أن نعرض شبابنا للخطر بلا داعٍ".
"وأنا لا أقترح هذا عن عبث يا حاج"، أجاب الشيخ سالم بهدوء. "لكن الواجب يدفعنا. هؤلاء الرجال الذين تعرضوا للأذى هم جنودٌ للسلطان، وحملتهم تحمل خيراتٍ للبلاد. وإذا تركنا هؤلاء المجرمين يعيثون فساداً، فإنهم سيتمادون، وقد تطال أفعالهم بيوتنا يومًا ما".
كانت كلمات الشيخ سالم تحمل وزناً، وأدرك الحاج عبد الله ذلك. كانت هذه لحظةٌ فارقة، حيث يتجاوز الأمر مجرد المساعدة العابرة. كان الأمر يتعلق بالدفاع عن أرضهم، وعن استقرارهم، وعن سمعة أهل القرية.
"ماذا تقترح بالتحديد يا شيخ؟" سأل الحاج.
"أقترح أن نجمع بعض الرجال الشجعان، الذين يعرفون دروب الصحراء جيداً، وأن يتجهوا نحو موقع الهجوم. ليس للاشتباك، بل لتقييم الوضع، وإبلاغنا بالمستجدات، وتقديم أي مساعدةٍ ممكنة للناجين، وحماية ما تبقى من البضائع إن استطاعوا. وسنتولى نحن، أنا وأنت، إبلاغ السلطات فوراً بأدق التفاصيل".
تنهد الحاج عبد الله. كانت المسؤولية ثقيلة. كان يعلم أن ابنه أحمد، الشاب القوي والحكيم، سيُطلب منه بالتأكيد أن يكون في طليعة هذه المهمة. كان يحب ابنه، ويريد له الأمان، لكنه كان يعلم أيضاً أن أحمد يحمل في قلبه شغفاً بالعدل ورغبةً في خدمة مجتمعه.
"سأتحدث مع أحمد"، قال الحاج أخيراً، وبصوتٍ لم يخلو من التأثر. "وسنتشاور. ولكن كن على ثقة، يا شيخ سالم، أننا لن نتخلى عن واجبنا. سنفعل ما نستطيع لحماية بلدنا وأهلنا".
ابتسم الشيخ سالم ابتسامةً خفيفة، ابتسامة امتنانٍ وتقدير. "بارك الله فيك يا حاج عبد الله. بارك الله فيك وفي أهلك".
بعد أن انصرف الشيخ سالم، بقي الحاج عبد الله وزوجته في صمتٍ مطبق. ثم دخل أحمد إلى المجلس، وقد سمع جزءاً من الحديث.
"أبي"، قال أحمد بصوتٍ هادئ ولكن واثق. "أنا أرى أن واجبنا هو الذهاب".
نظر الحاج عبد الله إلى ابنه، فرأى فيه الشجاعة التي ورثها عن أبيه، والحكمة التي تعلمها من الحياة. "أعلم يا بني، ولكن الأمر ليس بالسهل. إنها صحراءٌ واسعة، وقطاع الطرق أشرار".
"ولكننا نعرف الصحراء يا أبي. ولدينا رجالٌ أقوياء. ولأحمد أن نكون يد العون لمن يحتاج، ولأحمد أن لا نترك الشر ينتصر".
لم يستطع الحاج عبد الله أن ينكر صدق ابنه. كان يعلم أن أحمد لم يكن متهوراً، بل كان رجلاً مسؤولاً. "حسناً يا بني. تجهز. سنجمع بعض الرجال الذين تثق بهم، وسنتوكل على الله. ولكن كن حذراً، يا بني. كن حذراً جداً".
في تلك الليلة، لم ينم الحاج عبد الله وزوجته كثيراً. كانا يدعوان لولدهما وللرجال الذين سيخرجون معه. كانت الشمس العربية التي طالما أشرقت بالنور والأمان، قد بدأت تلوح في الأفق كشعلةٍ تحاول اختراق ظلامٍ داكن.