أشعة الشمس العربية
الفصل 7 — الصحراء تكشف أسرارها
بقلم محمد الفاروق
الفصل 7 — الصحراء تكشف أسرارها
مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، كانت مجموعةٌ من الرجال الشجعان تستعد للخروج من القرية. لم يكن عددهم كبيراً، لكن قلوبهم كانت تفيض بالشجاعة والعزيمة. في مقدمتهم كان أحمد، ابن الحاج عبد الله، الذي ارتدى درعاً خفيفاً وحمل سيفه ورمحه. بجانبه كان يقف خالد، صديق طفولته، ذو البنية القوية والقلب الطيب، ومعهما جمعٌ من الشباب الذين اختارهم أحمد بعناية، ممن يعرفون الدروب الصحراوية جيداً ولديهم خبرة في التعامل مع الصعاب.
ودّعهم الحاج عبد الله وزوجته، والحاجة فاطمة تعانق ابنها بحرارة، وتضع في يده تعويذةً صغيرة كانت قد جلبتها من الحج، هامسةً له: "استودعتك الله يا بني. كن قوياً، وكن حكيماً، وعد إلينا سالماً".
كان أحمد يطمئن والدته، لكن قلبه كان يعتصر شوقاً للانطلاق. "لا تقلقي يا أمي. سنكون بخير بإذن الله".
انطلقت المجموعة، تاركةً خلفها القرية الوادعة، متجهةً نحو المجهول. الشمس كانت ترتفع شيئاً فشيئاً، تزيد من وهجها وحرارتها. الصحراء بدت كبحرٍ من الرمال الذهبية، واسعة، صامتة، تخفي بين ثناياها الكثير من الأسرار.
كانت مهمتهم واضحة: الوصول إلى موقع الهجوم، معرفة ما حدث، مساعدة الناجين إن وجدوا، وحماية ما يمكن حمايته. كان عليهم أن يكونوا يقظين، فالخطر كان كامناً في كل مكان.
بعد ساعاتٍ من المسير، وصلوا إلى المكان الذي قيل لهم إنه موقع الهجوم. كانت الآثار واضحة. عرباتٌ مقلوبة، بضائع متناثرة، آثار معركةٍ دارت رحاها. لم يكن هناك أي أثرٍ للناجين، ولا لقطاع الطرق. فقط صمتٌ رهيبٌ يلف المكان.
"يبدو أنهم أخذوا كل شيء وغادروا"، قال خالد، وهو يتفحص أحد العربات الفارغة.
"ولكن لماذا لم يتركوا أي أثرٍ لهم؟" تساءل أحمد، وقد شعر بشيءٍ من الريبة. "منطقة كهذه، عادةً ما يترك المهاجمون فيها آثاراً واضحة".
نظر أحمد حوله، باحثاً عن أي دليل. لمح شيئاً لامعاً بين الرمال، فانحنى ليلتقطه. كانت قطعة معدنية صغيرة، عليها نقشٌ غريب.
"ما هذا؟" سأل أحد الشباب.
"لا أدري. تبدو كجزءٍ من سلاحٍ قديم، أو ربما زينةٍ ما".
احتفظ أحمد بالقطعة، وشعر بأنها قد تكون دليلاً مهماً. بدأوا في البحث الدقيق حول المكان. لم يجدوا أي جثث، وهذا كان أمراً غريباً أيضاً. هل تمكن جميع الجنود من الفرار؟ أم أن قطاع الطرق أخذوهم معهم؟
"يا أحمد"، قال خالد، مشيراً إلى اتجاهٍ معين. "انظر إلى هذه الآثار. تبدو وكأنها آثار أقدام. لكنها ليست آثار أقدام بشرية تماماً".
اقترب أحمد، وفحص الآثار. كانت بالفعل آثاراً غريبة. أعمق من آثار الأقدام العادية، وبشكلٍ مختلف. "هذه ليست آثار أقدام بشرية يا خالد. تبدو كآثار حيواناتٍ كبيرة، أو ربما…".
لم يكمل أحمد جملته، فقد خطرت بباله فكرةٌ غريبة، لكنها كانت منطقية في سياق ما يراه.
"لعلهم لم يكونوا قطاع طرق عاديين"، قال أحمد بصوتٍ خفيض. "ربما كانوا شيئاً آخر".
اشعر الشباب بالقلق. "ماذا تقصد يا أحمد؟" سأل أحدهم.
"لا أدري بالضبط. ولكن الآثار، والسرعة التي اختفوا بها، وعدم وجود أي أثرٍ للناجين… كل هذا يثير الشكوك".
قرر أحمد أن يتبع الآثار الغريبة. "علينا أن نعرف إلى أين تؤدي هذه الآثار. ربما نجد هناك بعض الإجابات".
تحركت المجموعة خلف أحمد، متعمقين في الصحراء. كانت الشمس في كبد السماء، تلهب الأجساد. الرمال كانت تتطاير مع كل نسمة ريح، وتصعب الرؤية.
بعد فترة، أدرك أحمد أن الآثار تقودهم نحو واحةٍ صغيرة، تبدو مهجورة. كانت هناك بعض أشجار النخيل الذابلة، وبئرٌ جافة.
"لا يبدو أن هناك أحداً هنا"، قال خالد.
"لا تستعجلوا"، قال أحمد. "ربما يختبئون. فلنكن حذرين".
بدأ أحمد وخالد في استكشاف الواحة بحذر. دخل أحمد إلى كهفٍ صغيرٍ قريب من البئر، فوجد شيئاً صدمه. لم يكن كهفاً عادياً. كانت جدرانه مزينة برسومٍ غريبة، تشبه تلك التي رأتها جدته في قصصها عن الأقوام القديمة. وفي وسط الكهف، وجد بقايا نارٍ ما زالت آثارها دافئة، وبجانبها…
"يا إلهي!" هتف خالد، الذي كان يتبعه.
لقد وجدوا بعض الأسلحة التي يبدو أنها تعود للجنود الذين كانوا مع القافلة. والأدهى من ذلك، وجدوا ملابس ممزقة، وبعض الأطعمة التي لم تكن مخصصة لهم.
"هؤلاء الرجال لم يفروا"، قال أحمد، وقد تأكدت شكوكه. "لقد تعرضوا لهجومٍ شرس. وأنظر إلى هذه الرسومات… إنها تصف كائناتٍ غريبة، ليست من هذا العالم".
شعر أحمد بالبرد يسري في عروقه، رغم حرارة الصحراء. كان يدرك أنهم وقعوا في شيءٍ أكبر بكثير مما كانوا يتخيلون. لم تكن مجرد مشكلة قطاع طرق، بل كانت حرباً ضد قوى مجهولة.
"علينا أن نعود إلى القرية فوراً"، قال أحمد، بصوتٍ يرتجف قليلاً. "علينا أن نخبر الجميع بما رأيناه. هذه ليست مجرد سرقة، بل تهديدٌ لحياتنا جميعاً".
"ولكن ماذا عن الناجين؟" سأل خالد.
"لا يبدو أن هناك ناجين يا خالد. لقد اختفوا جميعاً. وقطاع الطرق… أو ما كانوا عليه… قد رحلوا. ولكنهم قد يعودون".
اتخذ أحمد قراره. لم يعد الأمر يتعلق بالواجب العسكري فحسب، بل أصبح يتعلق بالبقاء. كانت الصحراء قد كشفت لهم عن جزءٍ صغيرٍ من أسرارها المظلمة، وكان عليهم الآن أن يواجهوا ما ينتظرهم.