ظل على ضفاف النهر
بالتأكيد، إليك الفصول الخمسة الأولى من رواية "ظل على ضفاف النهر" بأسلوب درامي وعاطفي، مع الالتزام بكافة الشروط المطلوبة:
بقلم سلمى الجابري
بالتأكيد، إليك الفصول الخمسة الأولى من رواية "ظل على ضفاف النهر" بأسلوب درامي وعاطفي، مع الالتزام بكافة الشروط المطلوبة:
الفصل 1 — غيابٌ يتركُ أثراً
كانت الشمسُ قد بدأتْ تميلُ نحو المغيبِ، تلقي بأشعتها الذهبيةِ الدافئةِ على وادي النيلِ الخصيبِ، وترسمُ ظلالاً طويلةً لأشجارِ النخيلِ على ضفافِ النهرِ العظيمِ. في قريةِ "أبو حمادٍ" الصغيرةِ، حيثُ تتعانقُ البيوتُ الطينيةُ مع زرقةِ السماءِ، كانَ الهدوءُ يلفُّ المكانَ، هدوءٌ لم يكنْ معتاداً في مثلِ هذا الوقتِ من اليومِ. اعتادتْ القريةُ أنْ تعجَّ بالحياةِ؛ بضحكاتِ الأطفالِ وهمْ يركضونَ بينَ الحقولِ، وبأصواتِ النساءِ وهنَّ يتبادلنَ الأحاديثَ أمامَ أبوابِ البيوتِ، وبهمهماتِ الرجالِ وهمْ يعودونَ منْ حقولِهمْ. لكنَّ اليومَ، كانَ هناكَ فراغٌ ملموسٌ، صمتٌ ثقيلٌ يخيمُ على الأجواءِ.
في بيتِ الشيخِ "يوسفٍ"، شيخِ القريةِ ورجلِها ذي الهيبةِ والوقارِ، كانَ الحزنُ يخيمُ أشدَّ ما يكونُ. اجتمعَ الأهلُ والأقاربُ في الديوانِ الكبيرِ، وجوهُهمْ شاحبةٌ، وعيونُهمْ تفيضُ بالدموعِ المكبوتةِ. كانَ "أحمدُ"، الابنُ الوحيدُ للشيخِ يوسفٍ، قد اختفى. اختفى قبلَ يومينِ، بلا أثرٍ، بلا كلمةٍ. شابٌ في ريعانِ شبابهِ، معروفٌ بأخلاقِهِ الرفيعةِ، وطيبتِهِ، وعزيمتِهِ. كانَ أملَ القريةِ، وابنَ شيخِها.
"أينَ يمكنُ أنْ يكونَ يا أبي؟" سألَ "عليٌ"، صديقُ أحمدَ المقربُ، وصوتُهُ يرتجفُ. كانَ عليٌ أصغرَ سناً منْ أحمدَ ببضعِ سنواتٍ، لكنَّ صداقتَهما كانتْ عميقةً، تمتدُّ منذُ الطفولةِ. كانا كالأخوينِ، يتشاركانِ الأحلامَ والمخاوفَ. "بحثنا في كلِّ مكانٍ، في الحقولِ، في الأراضي المحيطةِ، حتى عندَ السواقي البعيدةِ. لا شيءَ."
وضعَ الشيخُ يوسفُ يدَهُ المرتعشةَ على كتفِ عليٍ. كانتْ يدُهُ قدْ فقدتْ قوتَها المعهودةَ، وعيناهُ اللتانِ كانتا تشعانُ بالحكمةِ والقوةِ، أصبحتا غائمتينِ بالحزنِ والقلقِ. "اللهُ وحدهُ يعلمُ أينَ أنتَ يا بني. لكنْ لا تفقدْ الأملَ يا عليٌ. يجبُ أنْ نستمرَّ في البحثِ. لا يأسَ معَ رحمةِ اللهِ."
كانتْ "فاطمةُ"، زوجةُ الشيخِ يوسفَ، تجلسُ في ناحيةٍ أخرى منْ الديوانِ، تلفُّ نفسها بعباءتِها السوداءِ، وتهمهمُ بكلماتٍ غيرِ مفهومةٍ، كأنها تدعو لولدِها بالعودةِ سالماً. كانتْ أمَّاً حنوناً، وقلبُها يتفطَّرُ ألماً على فلذةِ كبدِها. لمْ تأكلْ منذُ اختفاءِ ابنِها، ولمْ تنمْ. عيناها حمراوانِ منْ طولِ البكاءِ.
"هلْ سمعتُمْ شيئاً يا رجالَ القريةِ؟" سألَ "محمودٌ"، عمُّ أحمدَ، وهوَ رجلٌ قويُّ البنيةِ، لكنَّ القلقَ كانَ يرسمُ خطوطاً عميقةً على وجهِهِ. "أيُّ حديثٍ دارَ بينَ أحمدَ وبينَ أحدٍ قبلَ اختفائِهِ؟ هلْ كانَ يشكو منْ شيءٍ؟"
تنهَّدَ الرجالُ. "لمْ يكنْ أحمدُ يشكو منْ شيءٍ," أجابَ أحدُ الجيرانِ. "كانَ دائماً مبتسمَ الوجهِ، طيبَ القلبِ. لمْ يكنْ لديهِ أعداءٌ. منْ لهُ مصلحةٌ في اختفائِهِ؟"
السؤالُ بقيَ معلَّقاً في الهواءِ، ثقيلاً، بلا إجابةٍ. اختفاءُ أحمدَ لمْ يكنْ مجردَ اختفاءِ شابٍّ. كانَ اختفاءَ نورٍ منْ القريةِ، اختفاءَ أملٍ، اختفاءَ ابنٍ لشيخِها. كانَ الغموضُ يلفُّ القضيةَ، ويجعلُ القلقَ يتزايدُ.
كانتْ "ليلى"، خطيبةُ أحمدَ، تشعرُ وكأنَّ الأرضَ قدْ انشقتْ وابتلعتْها. كانتْ تعيشُ في بيتٍ قريبٍ منْ بيتِ الشيخِ يوسفٍ، وتربطُها بأحمدَ قصةُ حبٍّ نقيةٌ، بدأتْ منذُ أنْ كانا طفلينِ يلعبانِ معاً في أزقةِ القريةِ. وعدا بعضهما البعضَ بالزواجِ بعدَ موسمِ الحصادِ. كانتْ تنتظرُهُ بشوقٍ، تتخيَّلُ حياتَهُما معاً، لكنَّ هذا الاختفاءَ المفاجئَ حطَّمَ أحلامَها، وتركَ في قلبِها فراغاً بارداً. كانتْ تذهبُ إلى مكانِ لقائهما المعتادِ، عندَ شجرةِ التوتِ الكبيرةِ على ضفةِ النهرِ، وتجلسُ هناكَ لساعاتٍ، تحدِّقُ في مياهِ النهرِ الجاريةِ، كأنها تبحثُ عنْ إجابةٍ في تيارِهِ.
"أحمدُ... أينَ أنتَ؟" كانتْ تهمسُ بصوتٍ خافتٍ، والدموعُ تنهمرُ على خديها. "لا تتركني وحيدةً. وعدتني."
لمْ يكنْ غيابُ أحمدَ مجردَ غيابٍ لشخصٍ. كانَ غياباً تركَ ظلالاً منْ الخوفِ والحيرةِ والقلقِ على قلوبِ كلِّ منْ عرفوهُ. كانَ اللغزُ قدْ بدأَ للتوِّ، لغزٌ سيُلقي بظلالِهِ على القريةِ الهادئةِ، ويُعيدُ تشكيلَ حياةِ الكثيرينَ.