ظل على ضفاف النهر
الفصل 10 — رحلةٌ إلى مدينة الذكريات
بقلم سلمى الجابري
الفصل 10 — رحلةٌ إلى مدينة الذكريات
بعد أن تحدثت نورة مع خالتها، الأستاذ يوسف، واطلعت على ما اكتشفته، وافق على مساعدتها بكل سرور. كان مهتماً أيضاً بماضي سارة، وشعر بأن هذا البحث قد يكون مهماً للعائلة. جهز الأستاذ يوسف كل ما يلزم للرحلة، وأعطى نورة عنوان المنزل في المدينة، مع بعض الأرقام الهاتفية لمعارفه هناك.
كانت الرحلة إلى المدينة طويلة، ولكنها كانت مليئةً بالترقب. جلست نورة بجوار خالها، تتأمل المناظر الطبيعية المتغيرة خارج نافذة السيارة. كانت تفكر في سارة، وفي حياتها التي توقفت فجأةً. هل كانت هذه المدينة هي المكان الذي انتهت فيه رحلتها؟ أم بدأت؟
بعد ساعاتٍ من السفر، وصلوا إلى المدينة. كانت مدينةً كبيرةً، صاخبةً، مليئةً بالحياة، وبكل ما فيها من تعقيدات. طلب الأستاذ يوسف من نورة أن تنتظر في السيارة بينما هو يتوجه للقاء أحد معارفه، وهو رجلٌ كبيرٌ في السن، يعمل في دائرة السجل العقاري، وقد يكون لديه معلوماتٌ عن ملكية المنازل.
مرت ساعةٌ طويلة، بدأت نورة تشعر بالقلق. ولكن في النهاية، عاد الأستاذ يوسف بابتسامةٍ غامضة.
"لقد وجدتُ شيئاً مثيراً للاهتمام." قال وهو يجلس خلف المقود.
"ما هو؟" سألت نورة بلهفة.
"هذا العنوان الذي معكِ، هو عنوانٌ لمنزلٍ قديمٍ جداً، في حيٍّ هادئٍ ومنعزلٍ نسبياً. لكن المثير للاهتمام هو أن هذا المنزل كان مملوكاً لرجلٍ ثريٍ ومعروفٍ في المدينة، يدعى السيد "عمران". وقد اختفى هذا الرجل أيضاً، منذ سنواتٍ طويلة، بشكلٍ غامض."
"اختفى؟ مثل سارة؟" سألت نورة، وقد شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها.
"نعم. اختفى دون ترك أي أثر. والشيء الأكثر إثارةً للاهتمام هو أن هذا الرجل، السيد عمران، كان معروفاً بعلاقته ببعض الشابات اللواتي كن يأتين من القرى المجاورة. كانت هناك شائعاتٌ كثيرةٌ حوله."
"شائعات؟ عن ماذا؟"
"شائعاتٌ عن استغلال، وعن علاقاتٍ مشبوهة. لم يتم إثبات أي شيءٍ بالطبع، ولكنه كان رجلاً يثير الشكوك. وقد اختفى من حياته فجأةً، تاركاً وراءه هذا المنزل، وبعض الأعمال غير المكتملة."
"هل تعتقد أن سارة كانت على علاقةٍ به؟" سألت نورة.
"ربما. إذا كانت سارة تبحث عن مساعدة، أو عن حياةٍ جديدة، فقد يكون السيد عمران هو الشخص الذي لجأت إليه. ولكن اختفائهما معاً، بهذا الشكل، أمرٌ محيرٌ جداً."
"هل يمكننا الذهاب إلى هذا المنزل؟" سألت نورة.
"بالتأكيد. ولكني أعتقد أننا بحاجةٍ إلى توخي الحذر. قد يكون المنزل مهجوراً، أو قد يكون هناك أشخاصٌ لا نريد أن نلتقي بهم."
قاد الأستاذ يوسف السيارة نحو الحي الذي يقع فيه المنزل. كان الحي هادئاً، والمنازل قديمةً، ولكنها كانت تحتفظ ببعض الفخامة. توقف الأستاذ يوسف أمام منزلٍ كبيرٍ، مبنيٍ على الطراز القديم، تحيط به حديقةٌ مهملة. بدا المنزل وكأنه يحمل آثار الزمن، وكأنما يحكي قصصاً قديمة.
نزل الأستاذ يوسف ونورة من السيارة. اقتربا من البوابة الحديدية الصدئة، وشعرا بأن الهواء حول المنزل يحمل ثقلاً خاصاً.
"هل تعتقد أن أحداً يعيش هنا؟" سألت نورة.
"لا يبدو ذلك. ولكن يجب أن نكون حذرين." أجاب الأستاذ يوسف.
بعد محاولاتٍ قليلة، تمكن الأستاذ يوسف من فتح البوابة. دخلوا إلى الحديقة المهملة، حيث كانت الأعشاب تنمو بكثافة، والأشجار متشابكة. توجهوا نحو باب المنزل الرئيسي. كان مغلقاً بإحكام.
"يبدو أننا بحاجةٍ إلى إيجاد طريقةٍ للدخول." قال الأستاذ يوسف.
وبينما كانا يتفحصان جوانب المنزل، لمحّت نورة شيئاً غريباً بالقرب من نافذةٍ خلفية. كانت قطعةٌ من القماش، تبدو أنها عالقةٌ بين إطار النافذة. وعندما اقتربت، وجدت أن النافذة غير مغلقةٍ بإحكام.
"خالي! انظر! هذه النافذة مفتوحةٌ قليلاً!"
اقترب الأستاذ يوسف، وفحص النافذة. "ربما يمكننا الدخول من هنا. ولكن كوني مستعدةً لأي شيء."
بعد بعض الجهد، تمكنوا من فتح النافذة ودخلوا إلى المنزل. كان الداخل مظلماً، ومليئاً بالغبار. الأثاث مغطىٌ بأغطيةٍ بيضاء، وكأن الزمن قد توقف هنا. رائحة الغبار والعفن كانت قوية.
"هذا المكان مهجورٌ منذ زمنٍ طويل." قال الأستاذ يوسف.
بدأت نورة تستكشف الغرف بحذر. كل غرفةٍ كانت تحمل آثار حياةٍ ماضية، ولكنها كانت الآن غارقةً في الصمت والنسيان. في إحدى الغرف، وجدت مكتباً قديماً، مليئاً بالأوراق المبعثرة. بدأت تبحث بين الأوراق، وعيناها تبحثان عن أي دليلٍ قد يربط هذا المكان بسارة.
وبينما كانت تبحث، لمحت في أحد الأدراج المغلقة شيئاً لامعاً. حاولت فتحه، ولكنه كان مغلقاً بإحكام.
"خالي، ساعدني في فتح هذا الدرج."
تمكن الأستاذ يوسف من فتح الدرج، ووجدت نورة بداخله صندوقاً صغيراً من الخشب. فتحته بحذر. كان بداخل الصندوق بعض المجوهرات القديمة، وبعض الرسائل.
التقطت نورة إحدى الرسائل. كانت مكتوبةً بخطٍ أنيق، ولكن يبدو أنها لم تكن من سارة. كانت الرسالة موجهةً إلى السيد عمران. وبدأت نورة تقرأها بصوتٍ خافت، وعيناها تتسع دهشةً. كانت الرسالة تحكي عن حبٍ ممنوع، وعن خططٍ للهروب، وعن لقاءٍ مقرر.
"يا خالي... أعتقد أنني وجدت شيئاً مهماً." قالت نورة، وصوتها يرتعش.
نظرت نورة إلى الرسالة، ثم إلى العنوان الذي أعطتها إياه جدتها. كل شيء بدأ يتضح. كانت سارة، في بحثها عن حياةٍ أفضل، قد لجأت إلى هذا الرجل، السيد عمران. وكانت تخطط للهروب معه. ولكن يبدو أن الأمور لم تسِر كما خططت. يبدو أن السيد عمران هو الآخر قد اختفى.
ما الذي حدث لهما؟ هل كانا قد هربا معاً؟ أم أن هناك قصةً أخرى خلف هذا الاختفاء المزدوج؟ شعرت نورة بأنها تقف على حافة حقيقةٍ مؤلمة، حقيقةٍ قد تكشف أسراراً لم تكن تتوقعها.