ظل على ضفاف النهر

الفصل 12 — همساتٌ في سوقِ العطارين

بقلم سلمى الجابري

الفصل 12 — همساتٌ في سوقِ العطارين

تسلل الشعور بالفضول والرغبة في كشف المزيد من الألغاز إلى قلب ليلى، دافعاً إياها للخروج من عالمها الخاص والبحث عن إجاباتٍ في الخارج. بعد اكتشافها لصندوق جدها ولقراءتها لرسائل "نور"، شعرت بأنها مدفوعةٌ لاستكشاف ماضيه بشكلٍ أعمق.

قررت أن تعود إلى سوق العطارين القديم، المكان الذي شعرت فيه لأول مرةٍ بوجود شيءٍ غامضٍ مرتبطٍ بجدها. كانت تتذكر رائحة البخور والأعشاب، والهمسات التي سمعتها في ذلك اليوم. ربما هناك، بين الأزقة الضيقة والمحلات القديمة، ستجد خيطاً يقودها إلى "نور".

ارتدت ليلى عباءتها، وتوجهت نحو السوق. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلالٍ طويلةٍ على المباني القديمة. كان السوق لا يزال يعج بالحياة، لكنه كان يحمل هدوءاً خاصاً في هذا الوقت من اليوم.

تجولت بين المحلات، تتفحص الأواني النحاسية، والأقمشة المطرزة، والأعشاب العطرية. كانت تبحث عن شيءٍ مألوفٍ، عن وجهٍ قديمٍ، أو عن ذكرى.

وصلت إلى محل العطار العجوز، نفس المحل الذي زارته من قبل. كان يجلس خلف منصته، يقطع الأعشاب بمهارةٍ، ويبتسم ابتسامةً هادئةً.

ترددت ليلى قليلاً قبل أن تقترب منه. كان يبدو وكأنه يعرف أسراراً كثيرةً، لكنه لم يكن مستعداً للكشف عنها إلا لمن يستحق.

"السلام عليكم يا عمي"، قالت ليلى بصوتٍ خافت.

ابتسم العطار العجوز، وقال: "وعليكم السلام يا ابنتي. أرى أنكِ عدتِ. هل وجدتِ ما كنتِ تبحثين عنه؟"

شعرت ليلى بأنها على وشك كشف جزءٍ من الحقيقة. "لقد وجدتُ شيئاً، يا عمي. وجدتُ صندوقاً قديماً يحتوي على رسائل. رسائل عن امرأةٍ اسمها نور."

نظر إليها العطار بعمق، ثم قال: "نور... اسمٌ يحمل في طياته الكثير من القصص. أرى في عينيكِ حيرةً وشوقاً، وهذا طبيعيٌ لمن يبحث عن ماضٍ غامض."

"هل تعرفها يا عمي؟ هل تعرف نور؟" سألت ليلى بلهفة.

تنهد العطار، وبدأ يروي: "نور... كانت زهرةً نادرةً في هذه المدينة. كانت فنانةً موهوبةً، تحمل في روحها شغفاً وحباً للحياة. كانت تأتي إلى هنا كثيراً، تبحث عن الألوان الطبيعية لأعمالها الفنية. وكان جدكِ، رحمه الله، يأتي أيضاً. كانا يلتقيان هنا، يتحدثان عن الفن، وعن الحياة، وعن الأحلام."

"هل كانا يحبان بعضهما؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق بشدة.

ابتسم العطار ابتسامةً حزينة: "الحب يا ابنتي قصةٌ معقدةٌ. كانا يتشاركان روحاً واحدةً، وشغفاً واحداً. كان جدكِ رجلاً عميقاً، وكان يرى في نور ما لم يره الآخرون. لكن، الظروف لم تكن دائماً في صالحهما."

"ما هي الظروف؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأن القصة تقترب من نهايتها المؤلمة.

"في تلك الأيام، كانت الحياة مختلفةً. كان هناك أعرافٌ وتقاليدٌ قويةٌ. عائلة نور كانت ترفض هذه العلاقة. كانوا يرونها غير مناسبةٍ لها. ثم، حدث شيءٌ جعل نور تختفي فجأةً."

"ماذا حدث؟" سألت ليلى، تشعر بأنها على وشك سماع الحقيقة الكاملة.

"يقال إن عائلتها أجبرتها على الزواج من رجلٍ ثريٍ من مدينةٍ أخرى. اختفت نور، واختفى معها كل أثرٍ لها. جدكِ حزن كثيراً، لكنه كان رجلاً قوياً. لم يستطع أن ينسى نور، لكنه تعلم كيف يعيش. ثم، التقى بجدتكِ، وهي امرأةٌ صالحةٌ وطيبةٌ، وأحبها بصدقٍ، وبنى معها حياةً سعيدةً."

شعرت ليلى بمزيجٍ من الحزن والفهم. لقد فهمت الآن لماذا كان جدها يحتفظ بتلك الرسائل والصورة. لم يكن الأمر مجرد حبٍ عابر، بل كان قصةَ حبٍ حقيقيةً، قصةً انتهت قبل أن تبدأ.

"وهل رأى جدكِ نور مرةً أخرى؟" سألت ليلى.

"لا أعتقد ذلك. لقد مرت سنواتٌ طويلةٌ. لكن، في كل مرةٍ يأتي إلى هنا، كان ينظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه نور، وكأنها لا تزال واقفةً أمامه."

نظرت ليلى حولها، وتخيلت جدها ونور واقفين في هذا المكان، يتشاركان أحلامهما. شعرت بلحظةٍ من التواصل مع الماضي، مع حزن جدها، ومع حبها لـ "نور".

"شكراً جزيلاً لك يا عمي"، قالت ليلى بامتنان. "لقد أزحت عني الكثير من الحيرة."

"لا شكر على واجب يا ابنتي. تذكر أن لكل شخصٍ قصةً، ولكل قصةٍ ظلالٌ. مهمتنا هي أن نفهم هذه الظلال، وأن نتعلم منها."

عندما غادرت ليلى سوق العطارين، كانت تحمل في قلبها فهماً أعمق لجدها، وفهماً أعمق للحياة. لقد عرفت أن الحب ليس دائماً سعادةً أبدية، بل يمكن أن يكون أيضاً حزناً عميقاً، وذكراًى لا تموت.

كانت تتأمل في الطريقة التي يعيش بها الناس في الماضي، والطريقة التي تتشابك بها حياتهم. كل شيءٍ متصلٌ، كل شيءٍ يحمل أثراً.

عندما وصلت إلى منزلها، جلست في غرفتها، وأخرجت الصندوق مرةً أخرى. نظرت إلى الصورة، إلى وجه "نور" الشاب. لم تعد تراها كغريبة، بل كشخصيةٍ في قصةٍ مؤثرةٍ.

فتحت رسالةً أخرى، وقرأت كلمات جدها. الآن، فهمت المعنى الأعمق وراء كل كلمة. فهمت حزنه، وفهمت حبه.

لم تعد ليلى تشعر بأنها تبحث عن لغزٍ فقط، بل أصبحت تشعر بأنها تبحث عن إرثٍ. إرثٌ من المشاعر، ومن القصص، ومن الذكريات.

الآن، كانت مستعدةً للخطوة التالية. كانت تشعر بأنها فهمت جزءاً مهماً من ماضي جدها، لكن كان لا يزال هناك جزءٌ آخر، يتعلق بتلك الحقيبة القديمة، وبظلالٍ أخرى على ضفاف النهر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%