ظل على ضفاف النهر

الفصل 13 — ذكرياتٌ مرسومةٌ على رمالِ النهر

بقلم سلمى الجابري

الفصل 13 — ذكرياتٌ مرسومةٌ على رمالِ النهر

بعد لقائها بالعطار العجوز وفهمها لجزءٍ كبيرٍ من قصة حب جدها لـ "نور"، شعرت ليلى بانتقالٍ نوعيٍ في طريقة رؤيتها للأمور. لم يعد الأمر مجرد بحثٍ عن حلٍ للغز، بل أصبح رحلةً لاكتشاف الذات، ولاكتشاف أبعادٍ جديدةٍ من حياة جدها.

قررت ليلى أن تعود إلى ضفاف النهر، المكان الذي طالما ارتبط بذكريات عائلتها، والمكان الذي أشارت إليه الرسالة الغامضة في الزجاجة، والمكان الذي شعرت فيه لأول مرةٍ بوجود "ظل" غامض.

كان النهر هادئاً في ذلك المساء، تعكس مياهه بلونٍ فضيٍ أضواء السماء المتلألئة. جلست ليلى على الرمال، تتأمل في تدفق المياه، وكأنها تتأمل في تدفق الزمن.

تذكرت الأيام التي قضتها هنا مع جدها، عندما كان يأخذها للصيد، أو عندما كان يجلس معها ليقرأ لها القصص. كانت تلك الأيام مليئةً بالبراءة والبهجة، لكنها الآن اكتسبت بعداً جديداً من الحزن الرقيق.

أخرجت ليلى الصندوق الخشبي الذي يحتوي على رسائل "نور" وصورتها. وضعته بجانبها، ثم بدأت تبحث في الحقيبة القديمة التي وجدتها في منزل جدتها. كانت الحقيبة لا تزال تحتفظ برائحةٍ خفيفةٍ من التبغ القديم، ورائحةٍ أخرى غامضةٍ لم تستطع تحديدها.

بدأت تتفحص محتويات الحقيبة مرةً أخرى. كانت تحتوي على بعض الأوراق القديمة، وقلمٍ حبرٍ، ومفاتيحٍ غريبةٍ. بالإضافة إلى ورقةٍ مطويةٍ بعنايةٍ، بدت كخريطةٍ.

فتحت الخريطة ببطء. لم تكن خريطةً للمدينة، بل كانت خريطةً لمنطقةٍ قريبةٍ من النهر، مرسومةً يدوياً. كانت هناك علاماتٌ غريبةٌ ورموزٌ لم تفهمها.

"ما هذا؟" تساءلت ليلى بصوتٍ مسموع.

نظرت إلى الصندوق الخشبي، ثم إلى الخريطة. هل كان هناك رابطٌ بينهما؟

بدأت تقارن العلامات الموجودة على الخريطة بالملاحظات التي كتبها جدها في رسائله. لم تجد أي تشابهٍ مباشرٍ.

"يجب أن يكون هناك شيءٌ ما"، همست ليلى لنفسها. "شيءٌ يربط كل هذه الأشياء."

جلست ليلى على الرمال، وبدأت ترسم في ذهنها الخطوط العريضة لقصة جدها. حبٌ بدأ، وانتهى قبل أن يبدأ. ذكرياتٌ احتفظ بها في صندوقٍ سريٍّ. وأماكنٌ غامضةٌ مرسومةٌ على خريطةٍ.

بدأت تقارن رموز الخريطة برسائل "نور". في إحدى الرسائل، ذكرت نور أنها وجدت مكاناً سرياً قرب النهر، حيث كانت ترسم لوحاتها، وتتخيل المستقبل.

"مكان سري..." كررت ليلى. "هل هو هذا المكان؟"

نظرت إلى الخريطة مرةً أخرى. كانت هناك علامةٌ على شكلِ زهرةٍ، في منطقةٍ قريبةٍ من مجرى النهر.

"زهرة..." تذكرت ليلى أنها قرأت في إحدى قصائد جدها عن "نجمةٍ غابت عن سمائي". لكن، هل كانت "نور" هي نجمته؟ وهل كانت الزهرة رمزاً لها؟

فجأةً، تذكرت شيئاً. في أحد الأيام، بينما كانت تلعب قرب النهر مع جدها، رأته يحفر في الرمال بجوار شجرةٍ قديمةٍ، ثم وضع شيئاً ما هناك، وخبأه. عندما سألته، قال لها مازحاً: "هذا سرٌّ بيني وبين النهر."

"شجرة قديمة..." بدأت عينا ليلى تتفحصان المنطقة المحيطة بها. ورأت شجرةً ضخمةً، قديمةً، تقف شامخةً على ضفاف النهر، كأنها شاهدةٌ على مرور الزمن.

نهضت ليلى وتوجهت نحو الشجرة. بدأت تحفر في الرمال حول جذورها. شعرت بأصابعها تلامس شيئاً صلباً. كان صندوقاً صغيراً، معدنياً، صدئاً.

بأيدٍ مرتعشة، فتحت الصندوق. بداخله، وجدت دفتر رسوماتٍ، وبعض ريش الألوان، وقلم رصاصٍ. كانت هذه الأشياء تخص "نور".

فتحت دفتر الرسومات. كانت الصفحات مليئةً بالصور المدهشة. صورٌ للطبيعة، وللنهر، وللسماء. وصورٌ لوجه رجلٍ شابٍّ، كان يبتسم لها بحبٍ. كان هذا الوجه هو وجه جدها.

كل رسمةٍ كانت تحمل تعليقاً بخطٍ أنيقٍ. "هذا وجه الرجل الذي أحببتُه." "هذا هو النهر الذي شهد على حبنا." "هذا هو المكان الذي نحلم أن نعيش فيه."

شعرت ليلى بأنها تلمس روح "نور". فهمت شغفها، وفهمت حبها لجدها. لم يكن حبهما مجرد حلم، بل كان حباً حقيقياً، مليئاً بالأحلام المشتركة.

أدركت ليلى أن جدها لم يكن يحتفظ بتلك الرسائل والصورة لمجرد حنينٍ، بل لأنه كان يريد أن يحافظ على ذكرى "نور" حيةً. وأن هذه الخريطة، وهذا المكان السري، كانا جزأين من ذاكرتهما المشتركة.

نظرت إلى الخريطة مرةً أخرى. أدركت أن علامة الزهرة كانت تشير إلى هذا المكان بالضبط، تحت الشجرة القديمة.

جلست ليلى على الرمال، بجوار الشجرة، تحمل دفتر رسومات "نور" وصندوق جدها. شعرت بلحظةٍ من السلام الداخلي. لقد اكتشفت أسراراً، لكنها لم تشعر بالحزن فقط، بل بالرضا.

لقد أدركت أن جدها، رغم حزنه، عاش حياةً سعيدةً مع جدتها. وأن حبه لـ "نور" لم يمنعه من تقدير الحب الحاضر.

"يا جدّي، يا نور"، همست ليلى، "قصتكم حفرت في قلبي."

بدأت السماء تمطر ببطء، قطراتٌ خفيفةٌ ترطب الرمال. شعرت ليلى بأنها جزءٌ من هذه القصة. جزءٌ من هذا المكان.

نظرت إلى النهر، الذي كان يشهد على كل شيء. كانت مياهه تحمل في طياتها همسات الماضي، وحكايات الحب والفقد.

أغلقت ليلى دفتر الرسومات، ووضعت كل شيءٍ في الحقيبة القديمة. شعرت بأنها قد وجدت ما تبحث عنه، وأنها قد فهمت جزءاً مهماً من لغز جدها.

لكن، كان هناك شعورٌ بأن القصة لم تنتهِ تماماً. كان لا يزال هناك شيءٌ غامضٌ يتعلق بتلك الحقيبة، وبذلك الظل الذي أشارت إليه.

عندما غادرت ليلى ضفاف النهر، كانت تحمل في قلبها ثقلاً جديداً من الذكريات. ذكرياتٌ مرسومةٌ على رمال النهر، وحفرت في روحها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%