ظل على ضفاف النهر

الفصل 2 — همساتٌ في الظلامِ

بقلم سلمى الجابري

الفصل 2 — همساتٌ في الظلامِ

مرَّتْ ثلاثةُ أيامٍ على اختفاءِ أحمدَ، وكلُّ يومٍ يمرُّ يزيدُ منْ وطأةِ القلقِ والحزنِ على قريةِ "أبو حمادٍ". تلاشى الأملُ في العثورِ عليهِ سالماً معَ كلِّ شروقِ شمسٍ جديدٍ. جابتْ فرقُ البحثِ المنطقةَ برمتِها، توسعتْ دائرةُ البحثِ لتشملَ القرى المجاورةَ، لكنْ بلا جدوى. لمْ يظهرْ أيُّ خيطٍ يقودُ إلى مكانِهِ. أصبحَ اسمُ أحمدَ حديثَ كلِّ مجلسٍ، وكلُّ همسةٍ تحملُ في طياتِها سؤالاً واحداً: أينَ اختفى؟

في بيتِ الشيخِ يوسفٍ، تحوَّلَ الديوانُ الكبيرُ الذي كانَ يعجُّ بالضيوفِ والزائرينَ، إلى مكانٍ شبهِ مهجورٍ. يجلسُ الشيخُ يوسفُ غالباً في غرفتِهِ، يرتشفُ الشايَ ببطءٍ، وعيناهُ زائغتانِ، كأنهُ يحاولُ استعادةَ كلِّ لحظةٍ قضاها معَ ابنهِ، كلِّ كلمةٍ قالها، كلِّ ابتسامةٍ تبادلاها. كانَ الشيخُ يوسفُ رجلاً قوياً، صابراً، لكنَّ فقدانَ ابنهِ الوحيدِ هزَّ أركانَ كيانِهِ.

"هلْ فكرتَ في احتمالِ أنهُ قدْ ذهبَ بمحضِ إرادتِهِ يا شيخَ يوسفٍ؟" سألَ "الحاجُّ إبراهيمُ"، أحدُ أعيانِ القريةِ، محاولاً أنْ يكسرَ حاجزَ الصمتِ الذي كانَ يخيمُ على المكانِ.

نظرَ إليهِ الشيخُ يوسفُ ببطءٍ، نظرةٌ امتزجتْ فيها الحيرةُ والألمُ. "أحمدُ؟ أنْ يذهبَ دونَ إذنٍ، دونَ كلمةٍ؟ لا أظنُّ ذلكَ يا حاجَّ إبراهيمُ. أحمدٌ يعرفُ قدرَ العائلةِ، ويعرفُ كيفَ يُقدِّرُ والدهُ. لمْ يكنْ لديهِ ما يخفيهِ، ولا ما يهربُ منهُ."

"لكنْ يا شيخَ يوسفٍ، الشبابُ في هذا العمرِ..." قاطعهُ الحاجُّ إبراهيمُ بترددٍ.

"أحمدٌ ليسَ كأيِّ شابٍّ," قالَ الشيخُ يوسفُ بحزمٍ، رغمَ ضعفِ صوتِهِ. "هو ابني، وأعرفُهُ أفضلَ منْ أيِّ أحدٍ. هناكَ شيءٌ ما حدثَ. شيءٌ ليسَ طبيعياً."

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ "ليلى" تشعرُ بوطأةِ الغيابِ تزدادُ ثقلاً. كانتْ تقضي أغلبَ وقتِها عندَ النهرِ، جالسةً عندَ شجرةِ التوتِ، تتأمَّلُ ضفَّةَ النهرِ المقابلةِ، حيثُ اعتادَ أحمدُ أنْ يجلسَ أحياناً. كانتْ تتخيلُهُ هناكَ، يلوِّحُ لها، يبتسمُ. لكنَّ الحقيقةَ كانتْ قاسيةً.

ذاتَ مساءٍ، بينما كانتْ ليلى تجلسُ كعادتِها، لاحظتْ شيئاً غريباً على الضفةِ الأخرى. ظلٌّ يتحركُ بسرعةٍ بينَ الأشجارِ الكثيفةِ. ظنَّتْ في البدايةِ أنهُ حيوانٌ برِّيٌّ، لكنَّ الحركةَ كانتْ منتظمةً، كأنها لحركةِ إنسانٍ. استمرَّ الظلُّ يتحركُ لبعضِ الوقتِ ثمَّ اختفى. شعرتْ ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدِها. هلْ كانَ ذلكَ الظلُّ لهُ علاقةٌ باختفاءِ أحمدَ؟

عادتْ إلى منزلِها وقلبُها يعتصرُهُ خوفٌ جديدٌ. قرَّرتْ أنْ تخبرَ الشيخَ يوسفَ بما رأتهُ، فربما كانَ ذلكَ الظلُّ هوَ آخرُ ما رآهُ أحمدُ قبلَ اختفائِهِ.

عندما قابلتْ الشيخَ يوسفَ، أخبرتْهُ بما شاهدتْهُ. كانَ الشيخُ يوسفُ يستمعُ باهتمامٍ، وعيناهُ تزدادانِ إمعاناً.

"ظلٌّ يتحركُ؟" كرَّرَ الشيخُ بصوتٍ خفيضٍ. "هلْ رأيتِ وجهَهُ؟ هلْ عرفتِهِ؟"

"لا يا عمّي," أجابتْ ليلى بصوتٍ مرتجفٍ. "كانَ بعيداً، والظلامُ بدأَ يتسللُ. لكنَّ الحركةَ كانتْ سريعةً، ومنتظمةً. لمْ تكنْ حركةَ شخصٍ عاديٍّ."

"هلْ يمكنُ أنْ يكونَ شخصٌ كانَ ينتظرُهُ؟ أوْ ربما..." تردَّدَ الشيخُ. "ربما كانَ شخصاً أرادَ أنْ يُبعدَهُ عنْ الطريقِ؟"

فكرةٌ جديدةٌ بدأتْ تتشكَّلُ في ذهنِ الشيخِ يوسفَ. لمْ يعدْ الأمرُ مجردَ اختفاءٍ. ربما كانَ اختطافاً؟ أوْ شيئاً أشدَّ سوءاً.

"عليٌ!" نادى الشيخُ يوسفُ بصوتٍ عالٍ. "عليٌ تعالَ إلى هنا."

دخلَ عليٌ الديوانَ، وجهُهُ ما زالَ شاحباً، وعيناهُ تحملانِ بقايا الحزنِ.

"يا عليٌ، هلْ لاحظتَ أيَّ غريبٍ في القريةِ في الأيامِ الأخيرةِ قبلَ اختفاءِ أحمدَ؟ أيَّ سيارةٍ لمْ ترَها منْ قبلُ؟ أيَّ وجهٍ مألوفٍ؟"

فكرَ عليٌ ملياً. "بصراحةٍ يا عمّي، كنتُ مشغولاً جداً بالبحثِ عنْ أحمدَ. لكنْ... أتذكرُ شيئاً. قبلَ يومِ اختفائِهِ ببضعةِ أيامٍ، رأيتُ سيارةً سوداءَ داكنةً، لمْ أعهدْها في القريةِ. كانتْ متوقفةً عندَ بدايةِ الطريقِ المؤدِّي إلى الحقولِ. لمْ ألتفتْ إليها كثيراً في ذلكَ الوقتِ، فقدْ ظننتُ أنها لزائرٍ ما."

"سيارةٌ سوداءُ داكنةٌ؟" كرَّرَ الشيخُ يوسفُ، وهوَ يمسحُ جبينَهُ. "وهلْ رأيتَ منْ فيها؟"

"لا يا عمّي، كانتْ النوافذُ معتمةً. لمْ أستطعْ رؤيةَ شيءٍ."

تنهَّدَ الشيخُ يوسفُ بعمقٍ. بدأتْ الصورُ تتجمَّعُ ببطءٍ، وإنْ كانتْ ضبابيةً. الظلُّ عندَ النهرِ، والسيارةُ السوداءُ. هلْ كانَ هناكَ رابطٌ بينَ الأمرينِ؟

"عليٌ، ليلى," قالَ الشيخُ يوسفُ، ونبرتُه أصبحتْ أكثرَ جديةً. "يجبُ أنْ نبدأَ البحثَ بأنفسِنا. ليسَ بحثاً عنْ أحمدَ في الحقولِ، بلْ بحثاً عنْ الحقيقةِ. هناكَ شيءٌ ما لا نعرفُهُ."

شعرَ عليٌ وليلى بإحساسٍ جديدٍ بالقوةِ يتدفَّقُ في عروقهما. لمْ يعدْ الأمرُ مجردَ حزنٍ ويأسٍ. أصبحَ هناكَ هدفٌ: كشفُ الحقيقةِ.

"سأذهبُ إلى حيثُ رأيتُ السيارةَ يا عمّي," قالَ عليٌ بحزمٍ. "ربما أجدُ شيئاً هناكَ."

"وأنا سأذهبُ إلى النهرِ، حيثُ رأيتُ الظلَّ," قالتْ ليلى. "ربما كانَ لديهِ ما يقولُهُ لي."

أومأَ الشيخُ يوسفُ برأسِهِ. "حسناً. لكنْ كونوا حذرينِ. لا تعرفونَ منْ قدْ تواجهونَ."

كانتْ تلكَ الليلةَ بدايةً لطريقٍ جديدٍ، طريقٍ مليءٍ بالمخاطرِ والغموضِ. لمْ يكنْ اختفاءُ أحمدَ مجردَ اختفاءٍ عاديٍّ. كانَ هناكَ منْ أرادَ لهُ أنْ يختفي، وهناك أسرارٌ بدأتْ تنكشفُ، همساتٌ في الظلامِ بدأتْ تظهرُ على السطحِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%