ظل على ضفاف النهر
بالتأكيد، إليك الفصول من 21 إلى 25 من رواية "ظل على ضفاف النهر"، مع الالتزام بجميع الشروط والمعايير المطلوبة:
بقلم سلمى الجابري
بالتأكيد، إليك الفصول من 21 إلى 25 من رواية "ظل على ضفاف النهر"، مع الالتزام بجميع الشروط والمعايير المطلوبة:
الفصل 21 — همسات الماضي في بيت الجد
كانت الشمس تنسج خيوطها الذهبية الأخيرة على سماء القرية، ترسم لوحاتٍ متغيرة على وجه النهر الهادئ. داخل منزل الجد العتيق، حيث تتعالى رائحة البخور الممزوجة بعبق التراب القديم، جلست ليلى على الأريكة المخملية الباهتة، تحتضن بين يديها إطار صورةٍ بالية. صورةٌ لوالدتها وهي شابةٌ يافعة، تبتسم ببراءةٍ تخفي وراءها أسراراً لم تفك رموزها بعد. كان الصمت يلف المكان، لا يكسره سوى صوت عقارب الساعة القديمة التي تدق ببطء، كأنها تحصي دقائق الانتظار المؤلم.
دخلت الحاجة فاطمة، جدة ليلى، الغرفة بخطواتٍ متثاقلة، تحمل معها صينيةً فضيةً عليها كوبان من الشاي بالنعناع. وضعت الصينية على الطاولة الخشبية أمام ليلى، وجلست بجانبها، تلتقط نفساً عميقاً قبل أن تبدأ حديثها بصوتٍ خفيضٍ يحمل نبرةً من الحنين والقلق: "أراكِ يا ابنتي، غارقةً في أفكاركِ كعادتكِ. هل ما زلتِ تبحثين عن إجاباتٍ في وجوه الراحلين؟"
تنهدت ليلى، وأدارت رأسها نحو جدتها. "يا جدتي، كلما نظرتُ إلى هذه الصورة، شعرتُ أن هناك قصةً لم تُروَ بالكامل. قصة أمي، قصة تلك الليلة المشؤومة التي فقدناها فيها. لا أستطيع أن أصدق أن كل ما حدث كان مجرد حادثٍ عرضي. هناك شيءٌ في عينيها في هذه الصورة، شيءٌ يشبه الخوف، أو ربما الحذر."
امتدت يد الحاجة فاطمة لتلامس يد حفيدتها. "يا ليلى، الماضي مليءٌ بالندوب، ولا فائدة من نبش جروحه. بعض الأسرار من الأفضل أن تبقى مدفونة."
"لكن يا جدتي، هذه الأسرار تلاحقنا. تلاحقني أنا، وتلاحق سمعة أبي. هل تذكرين كيف كان الناس يتحدثون عنا بعد وفاة أمي؟ همساتٌ، وشكوكٌ، وظنونٌ. كنتُ صغيرةً، لكني أتذكر جيداً نظرات الشفقة أو الريبة التي كانوا يلقون بها علينا. أبي لم يخرج من حزنه طوال حياته. كل هذا بسبب تلك الليلة."
تأملت الحاجة فاطمة وجه ليلى المليء بالإصرار، ثم قالت ببطء: "كانت أمكِ امرأةً قويةً، يا ليلى. وفيةً، ومحبةً. لكنها كانت أيضاً تحمل عبئاً ثقيلاً. عبئاً لم تعرفه إلا هي. قبل وفاتها ببضعة أيام، كانت تبدو مضطربةً جداً. كانت تتلقى مكالماتٍ هاتفيةً غريبة، وتغادر المنزل لساعاتٍ دون أن تخبر أحداً. حاولتُ أن أسألها، لكنها كانت تتهرب."
اتسعت عينا ليلى. "مكالماتٌ هاتفية؟ وماذا كان مضمونها؟"
"لم أسمع شيئاً، يا ابنتي. كانت تتحدث بصوتٍ منخفضٍ، وتخرج إلى الشرفة أو إلى الحديقة. مرةً، وجدتها تبكي في غرفتها. عندما سألتها عن سبب بكائها، قالت إنها مجرد ذكرياتٍ قديمة. لكنني كنتُ أعرف أنها تخفي شيئاً."
"ومن كان يتصل بها؟ هل تعرفين رقماً معيناً؟"
ترددت الحاجة فاطمة، وكأنها تستجمع شجاعتها. "كان هناك رجلٌ دائماً ما يتصل بها. رجلٌ صوته غريب، لم أسمع مثله من قبل. كانت تتحدث إليه بقلقٍ واضح. وفي إحدى المرات، سمعتها تقول له: 'لا يمكنني فعل ذلك. إنها خطوطٌ حمراء لا يمكن تجاوزها. أنت تعرف جيداً ما قد يحدث إذا انكشف الأمر'."
شعرت ليلى بقشعريرةٍ تسري في أوصالها. "خطوطٌ حمراء؟ انكشف الأمر؟ يا جدتي، هذا يبدو أكبر بكثير من مجرد حادثٍ. هل كان هناك من يهددها؟"
"لا أعرف يا بنيتي. لم أكن قريبةً منها بما يكفي لأعرف تفاصيل حياتها الخاصة. أمكِ كانت تحتفظ بالكثير لنفسها. كانت تحب أن تحمينا، ربما."
"لكنها لم تستطع حماية نفسها في النهاية. يا جدتي، هل تتذكرين ما الذي حدث بالضبط في تلك الليلة؟ أنتِ كنتِ في المنزل، أليس كذلك؟"
تصببت الحاجة فاطمة عرقاً بارداً. "كانت ليلةً مظلمةً، مليئةً بالأمطار. سمعنا ضجةً من جهة النهر. عندما خرجنا، وجدنا... وجدنا سيارتها قريبةً من الحافة. وكان... وكان أبوكِ يصرخ باسمها. لم نجدها. وبعد ساعاتٍ من البحث، عثروا عليها في النهر. قريبةً من موقع الحادث."
"لكن أبي قال إنها كانت تقود بسرعةٍ كبيرةٍ في طريقٍ زلق. هل هذا كل ما تتذكرينه؟"
"هذا ما قيل. وهذا ما أراد الجميع تصديقه. لكن قلبي لم يرتح قط. كنتُ أشعر دائماً أن هناك شيئاً ما لم يكن طبيعياً. نظرات أبيكِ بعد وفاتها... كانت نظرات رجلٍ يعرف أكثر مما يقول. كان يعاني كثيراً."
"ومن كان هذا الرجل الذي كانت تتحدث إليه أمي؟ هل تعرفين اسمه؟ أي شيءٍ عنه؟"
أغمضت الحاجة فاطمة عينيها، كأنها تحاول استحضار صورةٍ غائبة. "كانت تشير إليه أحياناً باسم 'بدر'. لكنني لم ألتقِ به قط. ولم أسمع عن أي شخصٍ بهذا الاسم في محيطنا."
"بدر..." كررت ليلى الاسم بهدوء، وحفرت هذه المعلومة في ذاكرتها. "يا جدتي، أنا بحاجةٍ إلى معرفة الحقيقة. لأجل أمي، ولأجل أبي، ولأجل سمعتنا. لن أستطيع أن أعيش مرتاحةً طالما أن هذا الظل يلقي بظلاله علينا."
قامت الحاجة فاطمة، وقبلت جبين حفيدتها بحنان. "كنتُ أعرف أنكِ ستكونين قويةً مثل أمكِ. إذا قررتِ البحث، فليكن الله معكِ. لكن احذري يا ابنتي، فالماضي قد يكون مكاناً خطيراً. وقد تكون هناك أيادٍ ما زالت تعمل في الظلام."
تركت الحاجة فاطمة ليلى وحيدةً مرةً أخرى، وغرقت ليلى في بحرٍ من الأفكار. "بدر"، "خطوطٌ حمراء"، "مكالماتٌ غريبة". كانت هذه الكلمات تشكل خيوطاً رفيعةً تربطها بماضٍ مظلم. رفعت ليلى إطار الصورة مرةً أخرى، ونظرت في عيني أمها. "لا تقلقي يا أمي، سأكشف الحقيقة. مهما كان الثمن."