ظل على ضفاف النهر
الفصل 22 — أشباح الماضي في مكتب المحامي
بقلم سلمى الجابري
الفصل 22 — أشباح الماضي في مكتب المحامي
تسللت خيوط الشمس الأولى إلى مكتب المحامي الأستاذ فريد، لتضيء الغبار المتناثر على رفوف الكتب القديمة، وتنعكس على زجاج النافذة المطلة على شارعٍ هادئ. جلس الأستاذ فريد خلف مكتبه الخشبي الفخم، يحمل بين يديه ملفاً سميكاً، يتأمله بتركيزٍ شديد. كان هذا الملف، الذي يعود إلى سنواتٍ مضت، يحوي تفاصيل قضيةً معقدةً تتعلق بوفاة والدة ليلى.
دخلت ليلى المكتب، برفقة والدها، الذي بدا متعباً ولكنه مصمم. رحب الأستاذ فريد بهما بابتسامةٍ ودودة، وإن كانت تحمل شيئاً من القلق. "أهلاً بكما، تفضلا بالجلوس. لقد اطلعتُ على الملف مجدداً، وهناك بعض النقاط التي لم تنتبه إليها الشرطة في ذلك الوقت، ربما بسبب ضغوط الظروف أو لأسبابٍ أخرى."
جلس الأستاذ أحمد، والد ليلى، ووضع يده على كتف ابنته. "نحن هنا يا أستاذ فريد، نريد أن نعرف كل شيء. ليلى مصرةٌ على كشف الحقيقة، وأنا معها. لا يمكننا أن نترك هذه القضية معلقةً إلى الأبد."
قال الأستاذ فريد: "حسناً. لنبدأ من البداية. كما تعلمون، الحادثة وقعت في ليلةٍ عاصفة. كانت سيارة السيدة ابتسام (والدة ليلى) قد انحرفت عن الطريق وسقطت في النهر. لم يتم العثور على أي آثارٍ للتعامل مع الآخرين في موقع الحادث. كانت التقارير تشير إلى السرعة الزائدة وظروف الطريق الصعبة."
"ولكننا لم نقتنع بذلك قط." قالت ليلى. "أمي لم تكن من النوع الذي يقود بتهور. وكانت دائماً حذرةً جداً."
"أتفهم ذلك تماماً." أجاب الأستاذ فريد. "ولكن ما لفت انتباهي في هذا الملف هو أمرٌ أشار إليه محققٌ كان شاباً حينها، يدعى السيد خالد. لقد لاحظ وجود آثارٍ لعجلاتٍ أخرى قريبةً من مكان الحادث، آثارٌ ليست لسيارة السيدة ابتسام. إلا أن هذا الأمر لم يتم التحقيق فيه بعمق، ربما لأن التحقيق كان يركز على فرضية الحادث الفردي."
اتسعت عينا ليلى. "آثار عجلاتٍ أخرى؟ هذا يعني أنها لم تكن وحدها! هل هناك أي معلوماتٍ عن هذه العجلات؟"
"المحقق خالد حاول تدوين بعض التفاصيل، لكن الأمطار كانت قد جرفت معظم الآثار. ومع ذلك، فقد وصف شكل الإطارات بأنها كانت عريضةً وغائرة، تشبه إطارات سيارات الدفع الرباعي الكبيرة. وهذا يختلف عن إطارات سيارة السيدة ابتسام."
"وهل هناك أي تقارير عن سياراتٍ من هذا النوع في المنطقة في تلك الليلة؟" سأل الأحمد.
"لا، لم يتم تسجيل أي شيءٍ من هذا القبيل. وفي ذلك الوقت، كانت المنطقة قليلة السكان، ولا يوجد الكثير من هذه السيارات. لهذا السبب، اعتبر المحقق خالد هذه الملاحظة ثانوية، وركز على الأدلة الواضحة."
"لكنها ليست ثانوية أبداً." أصرت ليلى. "هذا يؤكد شكوكنا. أمي لم تمت في حادثٍ عادي. هل هناك أي معلوماتٍ عن أي شخصٍ كان لديه خصومةٌ مع أمي أو مع عائلتنا؟"
تنهد الأستاذ فريد. "حسب المعلومات التي جمعتها الشرطة حينها، لم تكن هناك أي خلافاتٍ كبيرة. السيدة ابتسام كانت امرأةً محبوبةً، وهادئة. لم يكن لها أعداءٌ معروفون. ولكن، هناك ملاحظةٌ أخرى في الملف. ورد في تقريرٍ طبيٍ أن السيدة ابتسام، في الأيام التي سبقت وفاتها، كانت تشتكي من صداعٍ شديدٍ وتعبٍ غير مبرر. بل إنها طلبت من طبيب العائلة وصف دواءٍ لها، لكن الطبيب لم يجد سبباً طبياً واضحاً لأعراضها."
"هذا يتوافق مع ما قالته جدتي." قالت ليلى. "كانت تتلقى مكالماتٍ غريبة، وتبدو مضطربة. هل يمكن أن يكون هناك شيءٌ قد أُعطي لها؟"
"هذا احتمالٌ وارد." أجاب الأستاذ فريد. "ولكن بدون دليلٍ مادي، يصبح الأمر مجرد تكهنات. من الغريب أيضاً أن المحقق خالد، بعد سنواتٍ، قد أرسل خطاباً سرياً إلى جهةٍ لم يذكرها، يطلب فيه إعادة النظر في القضية، ولكنه لم يذكر سبباً محدداً. ثم اختفى بعد فترةٍ قصيرة."
"اختفى؟ ماذا تقصد باختفى؟" سأل الأحمد بقلق.
"لقد أُحيل إلى التقاعد، ثم انقطع أثره. لا نعرف عنه شيئاً منذ ذلك الحين. يبدو أنه كان لديه شكوكٌ قوية، لكنه لم يتمكن من فعل شيءٍ. ربما شعر بالتهديد."
"هل تعرف كيف يمكننا الوصول إلى السيد خالد؟" سألت ليلى.
"لقد حاولتُ البحث عنه، لكنه يبدو وكأنه تبخر. لم يترك وراءه أي أثرٍ واضح. إنه أمرٌ غريبٌ جداً."
"يا أستاذ فريد، هل تتذكر اسم الطبيب الذي عالج أمي؟" سألت ليلى.
"نعم، الطبيب هو الدكتور سامي. طبيبٌ معروفٌ في المنطقة، ولكنه توفي قبل سنواتٍ أيضاً."
"هذا محبطٌ للغاية." قالت ليلى وهي تفرك جبينها. "كلما اقتربنا من الحقيقة، اختفى الأشخاص أو توفوا. يبدو أن هناك من كان حريصاً جداً على إبقاء هذه القضية مدفونة."
"ولكن هناك شيءٌ آخر." قال الأستاذ فريد وهو يفتح درجاً في مكتبه. "خلال مراجعتي للملف، وجدتُ هذه الورقة مخبأةً بين الأوراق القديمة. لا أعرف كيف وصلت إلى هنا، ولكنها تحمل توقيع السيدة ابتسام."
مد الأستاذ فريد ورقةً صفراء اللون إلى ليلى. كانت الورقة تحمل كتابةً بخط يدٍ أنيق، ولكنه مضطربٌ قليلاً. كانت عبارةً قصيرة: "إذا حدث لي شيءٌ، فابحثوا عن 'المرسى القديم'. هناك الحقيقة. لا تثقوا بأحد."
تنفست ليلى الصعداء. "المرسى القديم! أتذكر هذا المكان. إنه مكانٌ قديمٌ مهجورٌ على ضفة النهر، بعيدٌ عن القرية. أمي كانت تحب الذهاب إلى هناك للتأمل."
"هذه رسالةٌ واضحةٌ جداً." قال الأستاذ فريد. "يبدو أن السيدة ابتسام كانت تتوقع ما سيحدث، وكانت تحاول ترك دليلٍ لمن يبحث. 'لا تثقوا بأحد'. هذه العبارة مهمةٌ جداً."
"هذا هو المكان الذي سنذهب إليه." قالت ليلى بحزم. "يا أبي، غداً سنذهب إلى المرسى القديم. يجب أن نجد شيئاً هناك."
نظر الأحمد إلى ابنته، ورأى في عينيها شعلةً من التصميم. "سنذهب يا ابنتي. معكِ أينما ذهبتِ. لن نستسلم."
ودع ليلى والأستاذ فريد، وعادا إلى المنزل، وعقلهما مليءٌ بالأسئلة والأمل. "المرسى القديم"، "لا تثقوا بأحد"، "آثار عجلاتٍ أخرى". كانت هذه الكلمات الجديدة بمثابة مفاتيحٍ قد تفتح أبواباً مغلقةً، ولكنها أيضاً كانت تنذر بمخاطرَ جديدة.