ظل على ضفاف النهر
الفصل 23 — بين رمال المرسى القديم
بقلم سلمى الجابري
الفصل 23 — بين رمال المرسى القديم
كان الفجر لا يزال يلقي بظلاله الرمادية على القرية، بينما كانت سيارة الأستاذ أحمد تشق طريقها بصمتٍ على الطريق الترابي المتعرج المؤدي إلى المرسى القديم. كان الجو بارداً، وهواء الصباح يحمل رائحة التراب الرطب. جلست ليلى في المقعد الأمامي، تتأمل الأشجار المتشابكة التي تحيط بالطريق، وتشعر بأنها تدخل عالماً آخر، عالماً نسيه الزمن.
وصلوا أخيراً إلى المرسى القديم. كان المكان مهجوراً بالفعل. كانت بقايا أرصفةٍ خشبيةٍ متآكلةٍ تبرز من المياه الراكدة، تحيط بها الأعشاب البرية الكثيفة. سقفٌ متهدمٌ كان يغطي جزءاً صغيراً من المكان، وبقايا قواربٍ صدئةٍ مبعثرةٌ على الرمال. كان المكان يعكس صورةً باهتةً لما كان عليه يوماً، مكاناً كان ينبض بالحياة.
نزل الأحمد وليلى من السيارة. "هنا يا ليلى؟" سأل وهو ينظر حوله. "لا أرى شيئاً سوى الخراب."
"هذا ما قالته أمي في رسالتها، 'هناك الحقيقة'." قالت ليلى وهي تتقدم بخطواتٍ واثقةٍ نحو الرمال. "يجب أن يكون هناك شيءٌ ما. شيءٌ تركته لنا."
بدأت ليلى تمشي على طول الشاطئ، تفحص كل حجرٍ وكل شقٍ في الأرض. كان والدها يراقبها بقلق، ويشاركها البحث. كانت الشمس ترتفع تدريجياً، تبعث الدفء في المكان.
"يا أبي، انظر!" صرخت ليلى فجأة، مشيرةً إلى كومةٍ من الأخشاب المتناثرة بالقرب من أحد الأرصفة المتهدمة. "هناك شيءٌ ما مخبأٌ تحتها."
هرع الأحمد نحو المكان، وبدأ يزيح الأخشاب الثقيلة. تحتها، وجدا صندوقاً خشبياً قديماً، مغطىً بالغبار والطحالب. كان الصندوق قوياً، ومغلقاً بإحكام.
"هذا هو!" قالت ليلى بحماس. "لا بد أن هذا هو ما تركته أمي."
بمساعدة الأحمد، تمكنوا من فتح الصندوق. كان بداخله بضع مقتنياتٍ شخصيةٍ لوالدة ليلى، كانت قد فقدتها منذ سنوات، بالإضافة إلى دفتر ملاحظاتٍ صغيرٍ بغلافٍ جلدي.
فتحت ليلى الدفتر بيدين مرتعشتين. كان مكتوباً بخط يد أمها. بدأت تقرأ بصوتٍ متهدج:
"إلى ابنتي الغالية ليلى، إذا قرأتِ هذا، فمعنى ذلك أنني لم أستطع النجاة. لا تبكي يا حبيبتي، فقد عشتُ حياةً مليئةً بالحب، ولكنني كنتُ أحمل سراً ثقيلاً. سرٌ بدأ مع 'بدر'."
توقفت ليلى للحظة، وشعرت بقلبها يخفق بقوة. "بدر... الرجل الذي تحدثت عنه أمي."
واصلت القراءة: "بدر كان صديقاً قديماً لي، ولكنه تغير. أصبح طماعاً وجشعاً. كان يعمل في مجالٍ مشبوه، يتعلق بتهريب بعض القطع الأثرية النادرة. في البداية، كنتُ أساعده بالمعلومات فقط، لأنني كنتُ أرى فيه جزءاً من الماضي الذي أحبه. ولكن الأمور تطورت. بدأ يطلب مني أشياءً لا يمكنني فعلها. كان يهددني بفضح بعض الأمور المتعلقة بعائلتنا، أمورٌ قد تضر بسمعتنا. لم أكن أريد أن أتحمل مسؤولية أي ضررٍ قد يلحق بكم."
"في الأيام الأخيرة، أصبح بدر أكثر إلحاحاً. كان يصر على مساعدته في نقل شحنةٍ خطيرة. قال إنها ستكون آخر مرة، وبعدها سينتهي كل شيء. ولكني كنتُ أعرف أنه يكذب. شعرتُ بالخطر يحدق بي. قررتُ أن ألتقي به في المرسى القديم، لأخبره بقراري النهائي. أردتُ أن أتأكد من أنه لن يقترب منا أبداً. كنتُ أحتفظ ببعض الوثائق التي تدينه، في حال احتاج إليها أبي أو أنتِ يوماً ما. خبأتها هنا، في هذا المكان الذي أحبه."
"ذهبتُ إلى هناك في تلك الليلة. كان ينتظرني. ولكن لم يكن وحده. كان معه رجلان آخران. لقد كانوا يعرفون كل شيء. قال بدر إنهم شركاء جدد، وأنهم لن يسمحوا لأي شخصٍ بالوقوف في طريقهم. حاولتُ الهرب، ولكنهم اعترضوني. حدثت مشاجرة. لم أتعمد السقوط في النهر. لقد دفعوني. كنتُ أتعلق بالحياة، ولكنهم لم يرحموني. ألقوا بي في الماء. سمعتهم يتحدثون عن ضرورة إخفاء الأدلة، وأن الحادث سيبدو وكأنه حادث سير عادي."
"يا ابنتي، لا تبكي. لقد حاولتُ إنقاذ نفسي، ولكن القدر كان أقوى. أهم شيءٍ هو أن تعرفي الحقيقة. الوثائق التي تدين بدر وشركاءه موجودةٌ في هذا الصندوق. لقد أرفقتُ معها بعض الرسائل التي كنتُ أتبادلها مع بدر، لتوضيح طبيعة علاقتهما. أرجو منكِ أن تسلميها إلى شخصٍ أمين، ربما المحامي فريد الذي كنتُ أثق به. لا تدعي هؤلاء المجرمين يفلتون بفعلتهم. أرجو ألا تنتقمي بنفسك، بل استخدمي هذه الأدلة لتطهير اسمنا واسم والدكِ."
"أحبكِ يا ابنتي. كوني قويةً، وكوني حكيمةً. والدكِ سيحتاج إلى دعمكِ."
"أمكِ المحبة، ابتسام."
انهارت ليلى باكيةً، وهي تحتضن الدفتر. كان الأحمد يقف بجانبها، عيناه تلمعان بالدموع. "لقد علمتُ، يا ابنتي. علمتُ أن هناك شيئاً مريباً. ولكنني لم أستطع فعل شيء. لقد كان قلبي مكسوراً."
"لم يكن ذنبك يا أبي." قالت ليلى وهي تمسح دموعها. "لقد كانت أمي قويةً جداً، حتى في مواجهة الموت. لقد تركت لنا الحقيقة. وسنفعل ما طلبته منا."
"من هو هذا بدر؟ ومن هم هؤلاء الرجال؟" سأل الأحمد.
"لا أعرف أسماءهم. ولكن لدينا الآن الأدلة. علينا الذهاب إلى الأستاذ فريد فوراً."
أغلقوا الصندوق بعناية، وحمّلوه في السيارة. بينما كانوا يغادرون المرسى القديم، نظرت ليلى إلى النهر الهادئ. لم يعد مجرد نهر، بل أصبح شاهداً على جريمةٍ مروعة، وعلى شجاعةٍ لا مثيل لها. لقد كشف المرسى القديم سره، وأضاء الطريق أمام ليلى لكشف بقية الظلال.