ظل على ضفاف النهر
الفصل 24 — خيوط المؤامرة تتكشف
بقلم سلمى الجابري
الفصل 24 — خيوط المؤامرة تتكشف
عاد الأحمد وليلى إلى منزل المحامي الأستاذ فريد، يحملان بين أيديهما الصندوق الذي يحوي أسرار الماضي. استقبلهم الأستاذ فريد بترحيبٍ حار، ولكن وجهه بدا متوتراً عندما رأى الصندوق.
"الحمد لله أنكما وجدتما شيئاً." قال الأستاذ فريد. "كنتُ قلقاً عليكم."
"لقد وجدنا كل شيء، يا أستاذ فريد." قالت ليلى، وهي تضع الصندوق على المكتب. "وجدتُ رسالةً من أمي، ووثائق تدين 'بدر' وشركاءه. لقد قتلتها أمي، ولم تكن حادثاً."
فتح الأستاذ فريد الصندوق ببطء. كانت المفاجأة باديةً على وجهه وهو يرى المقتنيات الشخصية، ثم الدفتر. بدأ يقرأ بخاتمةٍ متزايدة، بينما كانت ليلى تشرح له تفاصيل رسالة والدتها.
"بدر..." تمتم الأستاذ فريد. "اسمٌ لم أسمع به من قبل. ولكن هذه الوثائق... إنها خطيرةٌ للغاية."
بدأ الأستاذ فريد في فحص الوثائق المرفقة. كانت عبارة عن صورٍ لبعض القطع الأثرية، وبعض الرسائل المكتوبة بلغةٍ مشفرة، وصورٌ لبدر مع رجلين آخرين، يبدو أنهما من خلفياتٍ قوية. كان هناك أيضاً إيصالاتٌ ماليةٌ تشير إلى تحويلاتٍ بنكيةٍ مشبوهة.
"هؤلاء الرجال... إنهم من دائرةٍ معينة." قال الأستاذ فريد وهو يشير إلى الصور. "أحدهم، هذا الرجل ذو الشارب الكثيف، هو رجل أعمالٍ معروفٌ في السوق السوداء. سمعتُ عنه، لكنني لم أكن متأكداً من تورطه في مثل هذه الأمور. أما الآخر، فلا أعرفه شخصياً، ولكن يبدو أنه شخصٌ له نفوذٌ كبير."
"يا أستاذ فريد، أمي قالت إنها تركت الوثائق هنا لأنها كانت تثق بك." قالت ليلى. "نريد أن نفعل ما طلبته منا. نريد أن نحاسب هؤلاء المجرمين."
"بالتأكيد يا ليلى. ولكن يجب أن نكون حذرين جداً. هؤلاء الناس ليسوا مجرد مجرمين عاديين، بل لديهم المال والنفوذ. قد يضرون بكم أو بي. يجب أن نتصرف بخطةٍ محكمة."
"ما هي خطتك؟" سأل الأحمد.
"أولاً، سأقوم بتحليل هذه الوثائق بدقة. سأحاول فك شيفرة الرسائل، والتأكد من صحة هذه الإيصالات. ثانياً، سأحاول البحث عن معلوماتٍ إضافيةٍ حول 'بدر' وشركائه. ربما هناك معلوماتٌ عنهم في سجلاتٍ قديمةٍ أو لدى بعض معارفي. ثالثاً، سنحتاج إلى دليلٍ قويٍ يربطهم مباشرةً بجريمة القتل. الوثائق وحدها قد لا تكفي لإدانة القتلة."
"ولكن أليس من الواضح أنهم قتلوها؟" سألت ليلى.
"نظرياً، نعم. ولكن في القانون، نحتاج إلى دليلٍ قاطع. شهادة الشهود، أو دليلٌ ماديٌ لا يمكن دحضه. ما لدينا الآن هو شهادةٌ لامرأةٍ متوفاة، ووصفٌ للأحداث. نحتاج إلى ربطهم بوفاتها بشكلٍ مباشر."
"هل تذكر المحقق خالد الذي أشرت إليه؟" سألت ليلى. "هل يمكن أن يكون لديه معلوماتٌ أخرى؟"
"هذا احتمالٌ وارد. إذا كان قد ترك رسالةً، فقد يكون لديه ما يريد قوله. ولكن بما أنه اختفى، يصبح من الصعب الوصول إليه. سنحاول البحث عنه مجدداً، ولكن دون جدوى في الوقت الحالي."
أمضى الأستاذ فريد عدة أيامٍ وليالٍ في دراسة الوثائق. كان يعمل بصمتٍ وتأنٍ، يشعر بثقل المسؤولية التي ألقيت على عاتقه. بدأت صورةٌ واضحةٌ تتشكل أمامه. كانت "ابتسام" قد اكتشفت شبكةً معقدةً من تهريب الآثار، وكان "بدر" وشركاؤه هم الرؤوس المدبرة. كانت ابتسام قد حاولت التراجع، لكنهم لم يسمحوا لها بذلك.
ذات يوم، اتصل الأستاذ فريد بليلى والأحمد. "لقد وجدتُ شيئاً مهماً." قال بصوتٍ متحمس. "أحد هذه الإيصالات يشير إلى عملية شراءٍ كبيرةٍ لسيارة دفع رباعي حديثة، قبل أسابيعٍ قليلةٍ من وفاة ابتسام. السيارة مسجلةٌ باسم أحد شركاء بدر، وهو رجلٌ له تاريخٌ إجراميٌ طويل. يبدو أن هذه السيارة هي نفسها التي آثار عجلاتها وُجدت بالقرب من موقع الحادث."
"وهذا يعني؟" سأل الأحمد.
"هذا يعني أن السيارة كانت موجودةً في موقع الحادث. هذا يربطهم بالليلة المشؤومة. الآن، نحتاج إلى تحديد هوية السائق، وإثبات أنه كان متورطاً في دفع ابتسام إلى النهر."
"وكيف سنفعل ذلك؟"
"هناك احتمالٌ واحد. بما أنهم ألقوا بها في النهر، فقد يكون هناك دليلٌ على ذلك في جسدها. ولكن بعد كل هذه السنوات... الأمر صعبٌ جداً."
"ماذا عن 'بدر'؟ هل عرفت عنه شيئاً؟" سألت ليلى.
"لقد كان اسمه الحقيقي 'أحمد البدري'. كان يعمل في الماضي في مجالٍ يتعلق بالآثار، ولكنه طُرد بسبب التلاعب. ثم اختفى، وبدأ يظهر في عالم الجريمة المنظمة. يبدو أنه كان يتنقل بين عدة دول. ولكن لا يوجد ما يدل على مكانه الحالي."
"يبدو أننا بحاجةٍ إلى شيءٍ آخر." قالت ليلى. "شيءٌ يربطهم مباشرةً بالجريمة. رسالةٌ أخرى، شهادةٌ، أي شيء."
"ربما... ربما في تلك الرسالة التي تركها المحقق خالد." قال الأستاذ فريد. "يجب أن نبحث عنه بجديةٍ أكبر. إذا كان قد ترك أي جهةٍ يعرف أنها ستساعد في كشف الحقيقة، فقد تكون هي مفتاح الحل."
وبينما كان الأستاذ فريد يتحدث، دخل مساعده إلى المكتب، يحمل مظروفاً. "هذا وصلني اليوم، يا أستاذ. يبدو أنه بريدٌ من الخارج، مكتوبٌ بخط يدٍ قديم. لم يكن هناك عنوانٌ واضح، فقط اسمك."
فتح الأستاذ فريد المظروف. كانت بداخله ورقةٌ صفراء، تشبه تلك التي وجدتها ليلى في المرسى القديم. كان مكتوباً عليها بخطٍ متعبٍ ولكنه واضح:
"إلى الأستاذ فريد. أنا خالد، المحقق الذي عمل على قضية السيدة ابتسام. لقد اكتشفتُ الكثير، ولكني لم أستطع إثباته. اعتقدتُ أنني سأتعرض للأذى، فقررتُ الاختباء. ولكن ضميري لم يرحمني. إذا كنتَ لا تزال تبحث عن الحقيقة، فاعلم أن 'بدر' لم يكن وحده. كان معه رجلٌ يدعى 'جاسر'، وهو الآن يعمل في مشروعٍ كبيرٍ في المدينة. لقد رأيته مراراً بالقرب من منزل ابتسام قبل وفاتها. وإذا أردتَ المزيد من التفاصيل، فاذهب إلى 'مقهى النيل' في وسط البلد، واسأل عن 'الرجل ذي الندبة'. إنه يعرف كل شيء. خالد."
نظر الأستاذ فريد إلى ليلى والأحمد، وعيناه تلمعان بالأمل. "لقد وجدناها! لقد وجدنا مفتاح الحل! 'جاسر'... 'الرجل ذي الندبة'!"