ظل على ضفاف النهر

الفصل 4 — ظلالٌ في الغابةِ

بقلم سلمى الجابري

الفصل 4 — ظلالٌ في الغابةِ

تسلَّلتْ خيوطُ الشمسِ الأولى بينَ أغصانِ الأشجارِ الكثيفةِ في الغابةِ الصغيرةِ الواقعةِ خلفَ النهرِ، تخترقُ الظلامَ المتبقِّيَ منْ الليلِ. بدتِ الغابةُ وكأنها عالمٌ آخرُ، عالمٌ صامتٌ، موحشٌ، تختفي فيهِ أصواتُ القريةِ الهادئةِ. استيقظَ عليٌ وليلى مبكراً، وقلباهما يخفقانِ بخليطٍ منَ الترقبِ والخوفِ. كانَ الشيخُ يوسفُ قدْ أعدَّ لهما بعضَ المؤنِ، وحذَّرهما منْ مخاطرِ التوغلِ في عمقِ الغابةِ.

"تذكروا، لا تبتعدوا عنْ الطريقِ الواضحِ قدرَ الإمكانِ," كانَ صوتُ الشيخِ يوسفِ يتردَّدُ في أذنيهِما. "وإذا شعرتمْ بأيِّ خطرٍ، عودا فوراً."

عبرَ عليٌ وليلى النهرَ على قاربٍ صغيرٍ، وصلوا إلى الضفةِ الأخرى. بدأتْ خطواتُهما تتبعُ المسارَ الذي أشارتْ إليهِ ليلى، باتجاهِ الغابةِ. كانتْ رائحةُ الترابِ الرطبِ والأوراقِ المتحللةِ تملأُ الأجواءَ. لمْ يكنْ هناكَ أيُّ صوتٍ سوى حفيفُ أوراقِ الشجرِ تحتَ أقدامِهما، وزقزقةُ بعضِ العصافيرِ البعيدةِ.

"هلْ أنتِ متأكدةٌ منْ هذا الاتجاهِ؟" سألَ عليٌ، وعيناهُ تتفحصانِ الأشجارَ منْ حولِهما.

"نعم، هذا هوَ الاتجاهُ الذي رأيتُ الظلَّ يتحركُ فيهِ," أجابتْ ليلى بصوتٍ هادئٍ، رغمَ أنَّ نبضاتِ قلبِها كانتْ تتسارعُ. "لكنْ... يبدو أنَّ المكانَ هنا أكثرَ كثافةً مما تخيلتُ."

واصلوا السيرَ، يتعمقونَ أكثرَ فأكثرَ في الغابةِ. بدأتِ الأشجارُ تصبحُ أقدمَ، وأكثرَ التفافاً، مما يجعلُ ضوءَ الشمسِ بالكادِ يصلُ إلى الأرضِ. شعرَ عليٌ ببردٍ مفاجئٍ، رغمَ أنَّ الشمسَ كانتْ قدْ بدأتْ ترتفعُ.

"أعتقدُ أننا اقتربنا," قالَ عليٌ، وهوَ يشيرُ إلى بقعةٍ تبدو كأنها فُتحةٌ طبيعيةٌ بينَ الأشجارِ، وإنْ كانتْ لا تزالُ مغطاةً بالأعشابِ الكثيفةِ.

تقدَّمَ عليٌ بحذرٍ، وبدأَ يزيلُ الأعشابَ بيديهِ. وجدَ حجراً كبيراً، يبدو أنهُ ليسَ طبيعياً، بلْ تمَّ وضعهُ هنا عمداً. حاولَ أنْ يزيلَهُ، لكنَّهُ كانَ ثقيلاً جداً.

"ساعديني يا ليلى," قالَ عليٌ.

تعاونا معاً، وبذلا جهداً كبيراً، حتى استطاعا تحريكَ الحجرِ قليلاً، ليكشفَ عنْ مدخلٍ مظلمٍ تحتَهُ. كانَ مدخلاً لشيءٍ ما، ربما كانَ مخبأً أوْ كهفاً.

"يا إلهي..." همستْ ليلى. "ما هذا المكانُ؟"

"لا أدري،" أجابَ عليٌ، وهوَ ينظرُ إلى الظلامِ الدامسِ. "لكنْ ربما نجدُ شيئاً عنْ أحمدَ هنا."

أخرجَ عليٌ منْ حقيبتِهِ مصباحاً يدوياً قوياً، وأضاءَ بهِ المدخلَ. بدا وكأنهُ ممرٌّ منحوتٌ في الأرضِ، ينحدرُ إلى الأسفلِ.

"هلْ يجبُ علينا الدخولُ؟" سألتْ ليلى، وصوتُها يرتجفُ قليلاً.

"ليسَ لدينا خيارٌ آخرُ," قالَ عليٌ. "يجبُ أنْ نعرفَ الحقيقةَ."

نزلَ عليٌ أولاً، تلتهُ ليلى. كانَ الممرُّ ضيقاً ورطباً. رائحةُ الترابِ كانتْ أقوى هنا. تقدَّمَ عليٌ بحذرٍ، يمسحُ بجهازِهِ الضوئيِّ كلَّ زاويةٍ. بعدَ مسافةٍ قصيرةٍ، اتَّسعَ الممرُّ ليؤدِّيَ إلى غرفةٍ صغيرةٍ.

كانتِ الغرفةُ مكاناً بدائياً، لكنَّهُ بدا وكأنَّهُ كانَ يُستخدمُ لتخزينِ شيءٍ ما. كانتْ هناكَ صناديقُ خشبيةٌ قديمةٌ، بعضُها مفتوحٌ وفارغٌ، وبعضُها الآخرُ مغلقٌ. وفوقَ كلِّ هذا، كانَ هناكَ شيءٌ آخرُ جعلَ قلبيهما يقفزانِ.

على الأرضِ، بالقربِ منْ أحدِ الصناديقِ، كانتْ هناكَ قطعةٌ منْ ملابسَ، تبدو مألوفةً. كانتْ جزءاً منْ قميصٍ أبيضَ، مطابقٍ لما كانَ يرتديهِ أحمدُ يومَ اختفائِهِ.

"أحمدُ!" صرختْ ليلى، والدموعُ تترقرقُ في عينيهِا.

ركضَ عليٌ نحو القميصِ، ثمَّ بدأَ يبحثُ في الغرفةِ بعصبيةٍ. وجدَ صندوقاً خشبياً كبيراً، مغطىً بقطعةِ قماشٍ باليةٍ. أزالَ القماشَ، وفتحَ الصندوقَ.

داخلَ الصندوقِ، وجدَ مجموعةً منَ الوثائقِ القديمةِ، وبعضَ المجوهراتِ التي بدتْ قديمةً جداً، وعلبةَ نقودٍ معدنيةٍ. لكنَّ الشيءَ الذي لفتَ انتباهَهُ بشدةٍ، كانَ دفترَ ملاحظاتٍ جلديّاً صغيراً.

فتحهُ عليٌ. كانتِ الصفحاتُ مكتوبةً بخطٍّ أنيقٍ، لكنَّهُ لمْ يتعرَّفْ عليهِ. بدأَ يقرأُ ببطءٍ. كانتِ الملاحظاتُ تتحدَّثُ عنْ صفقاتٍ، عنْ أراضٍ، وعنْ شخصٍ يُدعى "كمالٌ".

"هذا دفترُ ملاحظاتِ والدي!" قالَ عليٌ، وقدْ بدأَ يفهمُ. "هذا دفترُ كمالٍ باشا!"

"ماذا؟" قالتْ ليلى بدهشةٍ. "لكنْ كيفَ وصلَ إلى هنا؟"

"ربما كانَ هذا المكانُ مخبأً لوالدهِ," قالَ عليٌ. "لكنْ، ماذا عنْ أحمدَ؟ أينَ هوَ؟"

بدأَ عليٌ يتصفحُ الدفترَ بشكلٍ أسرعَ. وجدَ أسماءً، تواريخَ، وأرقاماً. وبشكلٍ مفاجئٍ، وجدَ اسمَ "أحمدَ" مكتوباً في صفحةٍ، بتاريخِ اليومِ الذي اختفى فيهِ. بجوارِ الاسمِ، كانتْ هناكَ عبارةٌ مكتوبةٌ بحبرٍ مختلفٍ، يبدو أنها أضيفتْ لاحقاً: "تمَّ التخلصُ منْ العائقِ."

صُدمَ عليٌ وليلى. "تمَّ التخلصُ منْ العائقِ؟" كرَّرَ عليٌ بصوتٍ متهدجٍ. "هلْ هذا يعني أنَّ أحمدَ..."

لمْ يكملْ جملتَهُ. نظرَ عليٌ حولَهُ في الغرفةِ، ثمَّ إلى المدخلِ. شيءٌ ما لمْ يكنْ صحيحاً. هذا المكانُ، وهذهِ الملاحظاتُ، وهذهِ القطعةُ منْ قميصِ أحمدَ... كلُّ هذا كانَ يبدو مُدبَّراً.

"ليلى," قالَ عليٌ ببطءٍ، وعيناهُ تزدادانِ يقظةً. "هلْ لاحظتِ شيئاً غريباً عندما كنا نُزيحُ الحجرَ؟"

فكَّرتْ ليلى. "نعم... عندما تحركَ الحجرُ، سمعتُ صوتاً، كأنَّ أحداً كانَ يهمسُ منْ بعيدٍ."

"همسٌ؟" قالَ عليٌ. "وأنا أيضاً سمعتُ شيئاً. ظننتُ أنهُ صوتُ الرياحِ."

فجأةً، سمعَ الاثنانِ صوتاً قادماً منْ المدخلِ. صوتُ خطواتٍ تقتربُ.

"منْ هناكَ؟" صاحَ عليٌ، وهوَ يقفُ أمامَ الصندوقِ، محاولاً حمايةَ الدفترِ.

ظهرَ ظلٌّ في المدخلِ. لمْ يكنْ ظلاً عادياً. كانَ ظلَّ رجلٍ طويلٍ، يقفُ بثباتٍ.

"لقدْ تأخرتُ قليلاً، أليسَ كذلكَ؟" قالَ صوتٌ عميقٌ، بدا مألوفاً بشكلٍ مزعجٍ.

نظرتْ ليلى إلى الظلِّ، ثمَّ إلى عليٍ. بدأتْ تدركُ.

"أنتَ... أنتَ سعيدٌ!" همستْ ليلى.

وقفَ سعيدٌ أمامَهُما، وجهُهُ لمْ يعدْ وجهاً ودوداً، بلْ وجهٌ خالٍ منَ المشاعرِ، وعيناهُ تلمعانِ ببرودٍ. كانَ يحملُ في يدِهِ مسدساً صغيراً.

"نعم، أنا سعيدٌ," قالَ بصوتٍ ساخرٍ. "ولمْ يكنْ لديَّ أيُّ استعدادٍ لكي يُفسدَ أحدٌ خططي."

"أينَ أحمدُ؟" سألَ عليٌ بغضبٍ، وهوَ يقبضُ على دفترِ الملاحظاتِ بقوةٍ.

ضحكَ سعيدٌ ضحكةً قصيرةً. "أحمدُ؟ لقدْ كانَ مجردَ عقبةٍ. عقبةٌ يجبُ أنْ أتخلصَ منها. لقدْ اكتشفَ أموراً كانَ يجبُ أنْ تبقى مدفونةً."

"ماذا اكتشفَ؟" سألَ عليٌ.

"اكتشفَ أنَّ اختفاءَ عائلتي لمْ يكنْ حادثاً، بلْ كانَ جريمةً. اكتشفَ أنَّ والدي لمْ يكنْ مجردَ رجلٍ نافذٍ، بلْ كانَ رجلاً فعلَ الكثيرَ منَ الأشياءِ السيئةِ لكي يحافظَ على ثروتهِ. واكتشفَ أنَّني أريدُ استعادةَ كلِّ شيءٍ، بأيِّ ثمنٍ."

"لذلكَ اختطفتَهُ؟"

"لمْ أخطفهُ. لقدْ كانَ يعلمُ أنَّهُ في خطرٍ. حاولتُ أنْ أجعلهُ يغادرُ القريةَ، لكنهُ رفضَ. أرادَ أنْ يعرفَ الحقيقةَ. والحقيقةُ... لا يستطيعُ الجميعُ تحملُها."

"وماذا عنْ هذهِ الغرفةِ؟ وهذهِ الوثائقِ؟"

"هذهِ كانتْ مخبأً لوالدي. وجدتها عندما عدتُ إلى القريةِ. استخدمتها لجمعِ ما تبقَّى منْ أملاكهِ. وكانَ عليَّ التأكدُ منْ أنْ لا أحدَ يتطفلُ. أحمدُ كانَ يعرفُ الكثيرَ، وكنتُ أخشى أنْ يكشفَ أسراري."

"لكنَّكَ لمْ تؤذِهِ، أليسَ كذلكَ؟" سألتْ ليلى بصوتٍ يرتجفُ.

نظرَ سعيدٌ إلى ليلى بعينينِ باردتينِ. "لقدْ كانَ يجبُ أنْ يختفي. وأنا الآنَ سأقومُ بإخفائِكما أيضاً."

رفَعَ سعيدٌ مسدسهُ. شعرَ عليٌ وليلى بالخوفِ يسيطرُ عليهِما. كانا عالقينِ في مكانٍ مظلمٍ، معَ رجلٍ لا يرحمُ، ووجهُ أحمدَ المبتسمُ يطفو أمامَ عينيهِما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%