ظل على ضفاف النهر

الفصل 7 — رسالةٌ في زجاجة

بقلم سلمى الجابري

الفصل 7 — رسالةٌ في زجاجة

في صباح اليوم التالي، استيقظت نورة مبكراً. الشمس كانت قد بدأت ترسل خيوطها الذهبية عبر نوافذ غرفتها، تبعث الدفء والأمل. لم تستطع الانتظار أكثر. أرادت أن تبدأ البحث عن أي دليلٍ قد يقربها من الحقيقة. بعد أن تناولت فطورها، توجهت مباشرةً إلى غرفة جدتها. وجدت الحاجة فاطمة جالسةً على كرسيها الهزاز، تتأمل صورةً قديمةً بين يديها.

"صباح الخير يا جدتي." قالت نورة بحذر، وهي تقترب منها.

رفعت الحاجة فاطمة رأسها، وابتسمت ابتسامةً خافتة. "صباح النور يا حبيبتي."

جلست نورة على الأرض بجانبها، ونظرت إلى الصورة. كانت صورةً قديمةً بالأبيض والأسود، تظهر امرأتين شابتين تضحكان بحيوية، إحداهما كانت جدتها في شبابها، والأخرى... هل كانت سارة؟ كانت تشبهها كثيراً، بملامحها الهادئة وعينيها اللامعتين.

"هذه هي سارة، صحيح يا جدتي؟" سألت نورة، محاولةً أن تبدو طبيعية.

ارتعش جسد الحاجة فاطمة قليلاً، واشتد قبضتها على الصورة. "نعم. هذه سارة." قالت بصوتٍ متهدج.

"كانت تبدو جميلة جداً. وكنتم تبدوان سعيدتين." قالت نورة، وعينيها تركزان على ملامح جدتها.

تنهدت الحاجة فاطمة، ونظرت إلى الصورة بعينين غائمتين. "كنا. كانت أجمل أيام حياتنا. كنا نحلم بالمستقبل، نخطط له. كان كل شيء يبدو سهلاً، جميلاً."

"وماذا حدث؟" سألت نورة، وهي تعلم أن هذا السؤال سيثير الألم.

نظرت الحاجة فاطمة إلى الخارج، نحو النهر. "ثم... ذهبت. اختفت. لم يبقَ سوى الذكريات، وهذا الصمت."

"ولماذا اختفت؟ هل تركت لكِ أي شيء؟ رسالة؟" سألت نورة، وقلبها يخفق بسرعة.

نظرت الحاجة فاطمة إلى نورة، ثم عادت بنظرها إلى الصورة. "كل شيء كان يبدو عادياً في ذلك اليوم. ذهبت لزيارة أهلها، وقالت ستعود بعد قليل. لم تعد. بعدها، اكتشفنا أنها لم تصل إلى منزل أهلها أصلاً. كأنما... تلاشى الأثر."

"ولكن... ألم تبحثوا عنها؟"

"بحثنا. بحثنا كثيراً. أنتِ لا تتخيلين كم بحثنا. ولكن في تلك الأيام، لم تكن الأمور مثل اليوم. لم يكن هناك وسائل اتصال سريعة، ولا شرطة متقدمة. مجرد بحثٍ بشريٍ مرهق، بلا نتيجة." قالت الحاجة فاطمة، والدموع بدأت تتجمع في عينيها. "تعبنا. فقدنا الأمل. وبدأنا نعيش مع فكرة أنها ربما... ربما لم تعد موجودة."

"ولكن هل كانت هناك أي تفسيرات؟ أي أدلة؟"

"لا شيء. فقط الغموض. الغموض الذي ظل يلاحقنا." قالت الحاجة فاطمة، وهي تضع الصورة بحذر على الطاولة. "ولكن... هناك شيء واحد."

"ما هو يا جدتي؟" سألت نورة، وقد شعرت بأنها تقترب من خيطٍ رفيع.

"في اليوم الذي اختفت فيه سارة، كنا قد أمضينا وقتاً طويلاً معاً على ضفاف النهر. كنا نتحدث عن أحلامنا، عن المستقبل. وقد كتبت سارة لي رسالةً في ورقةٍ صغيرة، ووضعتها في زجاجةٍ وألقتها في النهر. قالت إنها رسالةٌ للتعبير عن مدى حبنا وصداقتنا، وأنها ستكون تذكاراً لنا إذا افترقنا."

"رسالة في زجاجة؟" تكررت نورة، وتذكرت كلمات خالها عن سرٍ كانت سارة تحمله.

"نعم. ألقينا الزجاجة في النهر، وقلنا سنرى أين ستصل. لكن بعدها، اختفت سارة، ولم أفكر في الرسالة إلا بعد فترة. وعندما بحثت عنها، لم أجد الزجاجة. ظننت أنها ربما انكسرت، أو أنها وصلت إلى مكانٍ بعيدٍ جداً." قالت الحاجة فاطمة، والأسى يعتلي صوتها. "كنت أتمنى لو احتفظت بها. ربما كان فيها شيء... شيء يفسر ما حدث."

"ولكن يا جدتي، إذا كانت الزجاجة قد ألقت بها في النهر، فقد تكون ما زالت موجودة. ربما لم تسلك النهر بعيداً. ربما توقفت في مكانٍ ما على الضفة." قالت نورة، وعيناها تلمعان بفكرةٍ جديدة.

نظرت الحاجة فاطمة إلى نورة بدهشة. "هل تعتقدين ذلك؟"

"نعم. النهر ليس واسعاً جداً هنا، والتيار ليس قوياً. ربما تكون الزجاجة قد علقت بين الصخور أو في مكانٍ ما على الضفة. هل تتذكرين المكان الذي ألقتيها فيه بالتحديد؟"

ترددت الحاجة فاطمة قليلاً، ثم أشارت بيدها نحو منطقةٍ معينة على ضفة النهر، حيث كانت هناك بعض الصخور الكبيرة المتناثرة. "كان هنا. عند تلك الصخور الكبيرة. كنا نجلس هنا لفترةٍ طويلة."

"حسناً. سأذهب لأبحث عنها." قالت نورة بحزم.

"ولكن الجو بارد، وقد يكون المكان زلقاً." حذرت الحاجة فاطمة.

"لا تقلقي يا جدتي. سأكون حذرة. فقط... أعطيني فرصة. ربما تكون هذه هي مفتاح الحقيقة." قالت نورة، وأعطت جدتها قبلةً على جبينها.

انطلقت نورة نحو ضفة النهر. كان الهواء بارداً، ولكن الشمس بدأت تمنحه بعض الدفء. بدأت تبحث بين الصخور، عيناها تفحصان كل شقٍ وكل زاوية. كانت تعرف أن البحث عن زجاجةٍ قديمةٍ قد يكون صعباً، ولكنه كان أملاً، والأمل هو أقوى دافعٍ في هذه اللحظة.

مرت الدقائق، والشعور بالإحباط بدأ يتسلل إليها. كانت كل صخرةٍ تفحصها لا تحمل سوى الأعشاب المتجمدة وبعض الأوراق المتساقطة. استمرت في البحث، متجاهلةً البرد الذي بدأ يتسلل إلى يديها. كانت تراقب الحصى المبللة، والأغصان التي جرفها النهر.

وفجأةً، لمحّت شيئاً غريباً بين شجيراتٍ كثيفةٍ تنمو بالقرب من أحد الصخور الكبيرة. كان شيئاً زجاجياً، يلمع تحت أشعة الشمس. اقتربت بحذر، ودفعت الأغصان جانباً. كانت زجاجة! زجاجةٌ قديمةٌ، تحمل بعض آثار الطين والعشب. كانت مغلقةً بسدادةٍ قديمة.

نبض قلب نورة بسرعة. هل تكون هذه هي؟ ألقت نظرةً سريعةً على ما بداخلها. رأت شيئاً ملفوفاً من الورق.

"وجدتها!" هتفت بصوتٍ عالٍ، ورغم أنها كانت بمفردها، إلا أن الفرحة انفجرت بداخلها.

قطفت الزجاجة بحذر، ثم عادت مسرعةً إلى منزل جدتها. دخلت الغرفة وهي تحمل الزجاجة بيديها المرتعشتين.

"جدتي! انظري! لقد وجدتها! أعتقد أنها هي!" قالت وهي ترفع الزجاجة.

نظرت الحاجة فاطمة إلى الزجاجة، واتسعت عيناها. "يا إلهي! إنها هي! لم أتوقع أبداً أن أراها مرةً أخرى!"

بصعوبةٍ، تمكنت نورة من فتح السدادة الصدئة. ثم أخذت الورقة الملفوفة بعنايةٍ فائقة. كان الورق قديماً وهشاً، ولكن الكتابة كانت لا تزال واضحة. بدأت نورة تقرأ بصوتٍ عالٍ، وعيناها تترقرقان بالدموع:

"إلى فاطمة، صديقتي الغالية، أختي التي لم تنجبها أمي. أتمنى أن تصلكِ هذه الرسالة في يومٍ من الأيام. مهما حدث، اعلمي أن صداقتنا هي أغلى ما أملك. مهما فرقتنا الأيام، أو ألقت بنا الأقدار في دروبٍ مختلفة، فإن الحب الذي يجمعنا سيبقى خالداً. أحبكِ يا فاطمة، أكثر مما تتخيلين. والآن، بما أننا في بداية رحلةٍ جديدة، رحلة الأمومة، رحلة بناء العائلة، أرسل لكِ هذه الرسالة كأمنيةٍ صادقة. أتمنى لكِ مستقبلاً مليئاً بالسعادة، والصحة، والذرية الصالحة. وأتمنى أن يبقى حبنا شاهداً على أيامنا الجميلة. أختكِ، سارة."

انتهت نورة من القراءة، والصمت خيّم على الغرفة. الحاجة فاطمة كانت تبكي بصمت، ونورة تحتضن الورقة بيدها. لم تكن الرسالة كاشفةً للغز اختفاء سارة، ولكنها كانت دليلاً قوياً على عمق الصداقة، وعلى براءة تلك الأيام. وفي قلب نورة، نما شعورٌ جديدٌ بالامتنان لهذه الصداقة، وبالحزن على فقدانها. ولكنها أدركت أيضاً أن هذه الرسالة، التي نجت من الزمن، تحمل في طياتها بدايةً جديدةً للبحث.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%