ظل على ضفاف النهر

الفصل 8 — لقاءٌ في السوق القديم

بقلم سلمى الجابري

الفصل 8 — لقاءٌ في السوق القديم

بعد اكتشاف الرسالة، شعرت نورة بأنها بحاجةٍ إلى المزيد من المعلومات. لم تكن الرسالة كافيةً لتفسير اختفاء سارة، لكنها أكدت على أهمية هذه الصداقة، وعلى ألم الفقد الذي تركته. قررت أن تزور السوق القديم في القرية المجاورة. كان السوق مشهوراً بكونه ملتقىً لأهل القرى المجاورة، وكان من الممكن أن تجد فيه شخصاً يتذكر سارة أو يعرف شيئاً عن عائلتها.

بعد أن ودعت جدتها، وانقطعت عن خالها، انطلقت نورة في رحلتها. كانت السوق القديم مكاناً صاخباً وحيوياً، مليئاً بالألوان والروائح. باعة يعرضون بضائعهم، نساء يتفاوضن على الأسعار، وأطفال يركضون بين الأقدام. بدأت نورة تتجول بين الأكشاك، تستمع إلى الأحاديث، وتحاول أن تلتقط أي معلومةٍ قد تكون مفيدة.

سألت بائعاً عجوزاً عن عائلة سارة، ولكنه لم يتذكر سوى أنها كانت تسكن في قريةٍ بعيدةٍ لم تعد موجودةً الآن. سألت بائعة أعشابٍ مشهورةً بحكمتها، ولكنها اكتفت بالقول: "الماضي يحمل أسراراً، يا ابنتي، وليس كل الأسرار من الجميل أن تُكشف."

بدأت نورة تشعر بخيبة الأمل. هل سيكون بحثها بلا جدوى؟ جلست على حافة نافورةٍ قديمةٍ، تتأمل الوجوه المارة. وفجأة، سمعت صوتاً مألوفاً يناديها: "نورة؟ هل هذه أنتِ؟"

التفتت لترى الشابة التي قابلتها في القرية، الفتاة التي كانت تبحث عن جارتها المفقودة. كانت تحمل سلةً من الفاكهة.

"أهلاً بكِ!" قالت نورة بابتسامة، سعيدةً برؤية وجهٍ مألوف. "كيف حالكِ؟ هل وجدتِ جارتكِ؟"

"الحمد لله، وجدتها. كانت قد ذهبت لزيارة أقاربها ولم تخبر أحداً. ولكن... ماذا تفعلين هنا؟" سألت الفتاة، وعلامات الاستغراب ترتسم على وجهها.

"أبحث عن شيء. عن حقيقةٍ تتعلق بتاريخ عائلتي." أجابت نورة.

"حقيقة؟ هل أنتِ في ورطة؟" سألت الفتاة بقلق.

"لا، ليس ورطة. مجرد فضولٍ كبير. أبحث عن معلوماتٍ عن صديقةٍ قديمةٍ لجدتي، تدعى سارة. هل سمعتِ بها يوماً؟"

ترددت الفتاة قليلاً، ثم هزت رأسها. "لا، لم أسمع بهذا الاسم من قبل. ولكن... إذا كنتِ تبحثين عن معلوماتٍ قديمة، ربما يجب أن تتحدثي مع الحاجة زينب. إنها أقدم سكان هذه المنطقة، وتتذكر كل شيء."

"الحاجة زينب؟ وأين أجدها؟" سألت نورة بلهفة.

"إنها تبيع في زاوية السوق هناك، قرب المحل الكبير الذي يبيع الأقمشة. ولكنها قليلة الكلام، وقد تحتاجين إلى إقناعها." قالت الفتاة، وأشارت إلى اتجاهٍ معين.

"شكراً جزيلاً لكِ! أنتِ حقاً لطيفة." قالت نورة، وعادت إليها الابتسامة.

توجهت نورة نحو المكان الذي أشارت إليه الفتاة. وجدت امرأةً عجوزاً، نحيلة الجسد، تجلس خلف طاولةٍ صغيرةٍ مغطاةٍ ببعض الحلي القديمة والأعشاب المجففة. كانت عيناها ثاقبتين، وكأنهما رأتا كل شيء في هذا العالم.

اقتربت نورة منها بحذر. "مساء الخير يا حاجة. هل أنا أزعجكِ؟"

نظرت الحاجة زينب إلى نورة، ثم عادت إلى ترتيب حليها. "الوقت لا يزعجني، ولكن الكلمات الفارغة تفعل." قالت بصوتٍ خشن.

"أنا آسفة. لا أريد أن أزعجكِ. ولكنني أبحث عن معلوماتٍ عن شخصٍ عزيزٍ على جدتي. اسمها سارة. هل تعرفينها؟"

توقفت الحاجة زينب عن العمل، ورفعت رأسها لتنظر إلى نورة مباشرةً. ارتسمت على وجهها تعابير معقدة، مزيجٌ من الذكرى والأسى. "سارة... سارة الفتاة الجميلة ذات الشعر الطويل؟"

شعرت نورة بأنها على وشك اكتشاف شيءٍ مهم. "نعم! نعم، هي هي! هل تعرفينها؟"

"كنت أعرفها. كانت تسكن في قريةٍ قريبةٍ من هنا، قبل أن تختفي. كانت شابةً طموحةً، مليئةً بالحياة. ولكنها كانت تحمل سراً."

"سراً؟ أي سر؟" سألت نورة، متذكرةً كلام خالها.

"هذا ما لم يفهمه أحدٌ حينها. لقد كانت مرتبطةً بشخصٍ لم يكن من قريتها. شخصٌ من عائلةٍ غنيةٍ، من مدينةٍ بعيدة. وكان هذا الارتباط سراً، لأن عائلتها لم تكن لتوافق أبداً."

"شخصٌ من مدينةٍ بعيدة؟ هل تعرفين اسمه؟"

"لم تكن تتحدث عن اسمه، ولكنها كانت تلمح إليه. كانت تذهب إلى السوق، وتنتظر. وفي بعض الأحيان، كنت أراها تتحدث مع رجلٍ يرتدي ملابس فاخرة، ولكنها كانت تتحدث إليه سراً، في زوايا السوق، بعيداً عن الأنظار."

"وهل كان هذا الرجل هو السبب في اختفائها؟" سألت نورة، وقلبها يدق بعنف.

"لا أستطيع الجزم بذلك. ولكن اختفاءها كان غريباً. لقد اختفت في يومٍ كانت تنتظر فيه لقاءً. وعدت جدتكِ، فاطمة، بأنها ستذهب إلى لقاءٍ مهم، ثم... اختفت."

"لقاءٌ مهم؟ هل كان هذا اللقاء مع الرجل الذي تحدثتِ عنه؟"

"ربما. لقد كانت سارة في تلك الفترة تحاول أن تقرر مصيرها. إما أن تختار حياتها الهادئة مع عائلتها، أو أن تختار طريقاً آخر مع هذا الرجل الغامض." قالت الحاجة زينب، ونظرت بعيداً. "كان لديها اختيارٌ صعب. وربما... ربما اختارت الاختفاء لسببٍ ما. ربما أرادت أن تبدأ حياةً جديدة، بعيداً عن كل شيء."

"ولكن لماذا لم تخبر أحداً؟ ولماذا لم تتواصل مع جدتي؟" سألت نورة.

"ربما كان الأمر متعلقاً بهذا الرجل. ربما كان لديه شروطه. أو ربما... ربما كان هناك ما هو أكثر من مجرد حب. ربما كان هناك شيءٌ ما يهددها، أو يهدد شخصاً آخر." قالت الحاجة زينب، وبدأت تجمع حليها. "الحياة تحمل مفاجآتٍ كثيرة، يا ابنتي. بعضها جميل، وبعضها الآخر... مأساوي."

"هل تعرفين أي شيءٍ عن عائلة هذا الرجل؟ هل لهم أي صلةٍ بهذه المنطقة؟" سألت نورة، وهي تشعر بأنها تقترب من جزءٍ مهمٍ من اللغز.

"لقد كان رجلاً عابراً. لم يكن من هنا. لقد جاء، ثم اختفى، مثل سارة. لا أعتقد أن هناك أي صلةٍ مباشرةً بهذه المنطقة. ولكن... هناك شيءٌ واحدٌ قد يكون مهماً."

"ما هو؟"

"في يوم اختفائها، رأيت رجلاً غريباً يقف بالقرب من النهر، في المكان الذي كانت فيه سارة غالباً ما تلتقي بجدتكِ. كان يرتدي ملابس داكنة، وكان يبدو قلقاً. لم أره قبل ذلك، ولم أره بعد ذلك."

"هل كان هذا الرجل هو نفسه الرجل الذي كانت سارة تلتقي به؟"

"لا أعتقد ذلك. كان أصغر سناً، وأكثر شراسةً في ملامحه. لم أستطع رؤية وجهه بوضوح، ولكنني شعرت ببعض الغرابة تجاهه."

شعرت نورة بأنها تقف أمام جدارٍ سميكٍ من الأسرار. رجلٌ غامض، لقاءٌ سري، اختفاءٌ مفاجئ. كل هذه الخيوط بدأت تتشابك، ولكنها لم تشكل صورةً واضحةً بعد.

"شكراً جزيلاً لكِ يا حاجة. لقد ساعدتني كثيراً." قالت نورة، وهي تشعر بامتنانٍ عميقٍ لصدق الحاجة زينب.

"ابحثي عن الحقيقة، يا ابنتي. ولكن كوني حذرة. بعض الحقائق يمكن أن تكون مؤلمة." قالت الحاجة زينب، وعيناها ما زالتا تحملان نظرةً ثاقبة.

خرجت نورة من السوق القديم، وقلبها مثقلٌ بالأسئلة. لقد اكتشفت وجود طرفٍ ثالثٍ في قصة سارة، رجلٍ غامضٍ قد يكون له دورٌ في اختفائها. ولكن من هو هذا الرجل؟ ولماذا اختفت سارة؟ هل كانت تهرب؟ أم كانت تخطف؟ الأسئلة تتكاثر، والغموض يتعمق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%