ظل على ضفاف النهر
الفصل 9 — ذاكرةٌ على ضفاف النهر
بقلم سلمى الجابري
الفصل 9 — ذاكرةٌ على ضفاف النهر
بعد عودتها من السوق القديم، بدت نورة وكأنها تحمل على كتفيها ثقل العالم. المعلومات الجديدة التي حصلت عليها عن الرجل الغامض زادت من تعقيد اللغز، ولكنها أيضاً أشعلت فيها رغبةً قويةً في الوصول إلى الحقيقة. قضت الأيام التالية وهي تقضي وقتاً أطول مع جدتها، تستمع إلى قصصها القديمة، وتحاول أن تستخلص أي تفاصيل صغيرة قد تكون ذات صلة.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانتا تجلسان معاً تحت ضوء المصباح الخافت، سألت نورة: "يا جدتي، هل تذكرين أي شيءٍ عن رجلٍ غريبٍ كان يأتي إلى السوق القديم في تلك الفترة؟ رجلٌ كان يلتقي بسارة سراً؟"
توقفت الحاجة فاطمة عن غزل الصوف، ونظرت إلى نورة بتفكير. "رجلٌ غريب؟ لم أتذكر شيئاً محدداً. كانت سارة متحفظةً جداً بشأن حياتها الخاصة في تلك الأيام. كانت تخشى رد فعل عائلتها. ولكن... أذكر أنها كانت تتحدث عن شخصٍ ما، شخصٍ له مكانةٌ في المجتمع، ولكن علاقته بها لم تكن ممكنةً."
"هل كان هذا الرجل هو نفسه الرجل الذي كان يظهر بالقرب من النهر في يوم اختفائها؟" سألت نورة.
فكرت الحاجة فاطمة ملياً. "ربما. لم أرَ وجهه جيداً في ذلك اليوم. كنت منزعجةً للغاية، وبدأت بالبحث عن سارة. لم أنتبه كثيراً لمن حولي."
"ولكن هل كان هناك أي شيءٍ آخر؟ أي شيءٍ تذكرينه عن ذلك اليوم؟"
"أذكر أن الجو كان عاصفاً قليلاً. وكانت الرياح تحمل معها شعوراً بالوحدة. وعندما ذهبت للبحث عنها، كان النهر هائجاً قليلاً، وكأنما يشاركني قلقي." قالت الحاجة فاطمة، وعيناها تخلو من البريق. "كنت متأكدةً أنها ذهبت للقاءٍ ما. أذكر أنها قالت لي أنها ستذهب لـ 'ترتيب أمورٍ مهمة'."
"ترتيب أمورٍ مهمة... هل تعتقدين أن هذا كان لقاءً مع هذا الرجل؟"
"لا أعرف يا ابنتي. كل ما أعرفه هو أنها لم تعد. ولم أجد لها أثراً. لم أجد شيئاً. إلا... إلا شيئاً واحداً."
"ما هو يا جدتي؟" سألت نورة بلهفة.
"عندما بحثت في غرفتها، وجدت بعض الأوراق. كانت تحتوي على بعض الملاحظات، وبعض العناوين. ولكن معظمها كان غير واضح، أو مبعثراً. كان هناك عنوانٌ واحدٌ لفت انتباهي."
"ما هو هذا العنوان؟"
"كان عنواناً لمنزلٍ في المدينة. مدينةٌ بعيدةٌ عن هنا. لم أعرف لمن يتبع هذا المنزل، ولكنني أذكر أن سارة كانت تضع عليه علامةً خاصة، وكأنها تخطط لزيارته."
"هل تحتفظين بتلك الأوراق حتى الآن؟" سألت نورة، وشعرت بأنها تقترب من الهدف.
"نعم. إنها في صندوقي القديم في العلية. لم أستطع التخلص منها أبداً." قالت الحاجة فاطمة، والدموع تنهمر على خديها. "ربما لو كنت قد تحققت من هذا العنوان حينها..."
"لا تقولي ذلك يا جدتي. لم يكن خطأكِ. لقد فعلتِ ما بوسعكِ. والآن، ربما يمكنني أن أساعد." قالت نورة، وهي تحتضن جدتها. "هل يمكنكِ أن ترياني تلك الأوراق؟"
وافقت الحاجة فاطمة، وتوجهت نورة معها إلى العلية. كان المكان مظلماً ومليئاً بالغبار، ولكن رائحة الخشب القديم والأوراق كانت تبعث شعوراً بالحنين. بحثت الحاجة فاطمة في صندوقٍ خشبيٍ عتيق، ثم أخرجت مجموعةً من الأوراق القديمة، بعضها مبعثرٌ، وبعضها الآخر ملفوفٌ بشريطٍ باهت.
نظرت نورة إلى الأوراق بحذر. كانت معظمها عبارة عن ملاحظاتٍ صغيرة، بعضها يتعلق بمواعيد، وبعضها الآخر عبارة عن كلماتٍ متفرقة. ولكنها وجدت أخيراً الورقة التي وصفتها جدتها. كانت ورقةً صغيرةً، يبدو أنها كانت جزءاً من دفتر ملاحظات، مكتوبٌ عليها عنوانٌ كاملٌ لمنزلٍ في مدينةٍ تبدو بعيدةً جداً.
"هذا هو العنوان؟" سألت نورة.
"نعم. أظن ذلك." قالت الحاجة فاطمة.
"هل لديكِ أي فكرةٍ عمن يسكن في هذا العنوان؟"
"لا. لم أزر المدينة أبداً، ولم أسمع عن أي شخصٍ من هنا يسكن هناك."
نظرت نورة إلى العنوان، وشعرت بأنها تقف أمام مفترق طرق. هل يجب أن تذهب إلى المدينة؟ هل هذا العنوان سيوصلها إلى الحقيقة؟ كانت الرحلة طويلة، والمخاطر قد تكون كبيرة. ولكنها لم تستطع التراجع. شعرت بأنها مدفوعةٌ بقوةٍ خفيةٍ تدفعها نحو هذا العنوان.
"يا جدتي، أعتقد أنني سأذهب إلى المدينة." قالت نورة، وقد اتخذت قرارها.
نظرت الحاجة فاطمة إلى حفيدتها بقلق. "ولكن يا ابنتي، هذا بعيدٌ جداً. وقد يكون الأمر خطيراً."
"أعلم. ولكنني أشعر أن هذا العنوان قد يكون المفتاح. سارة كانت تضع عليه علامةً. ربما كان مهماً بالنسبة لها. وأنا مدينٌ لها، ولكِ، بأن أكتشف ما حدث."
"ولكن كيف ستذهبين؟ وكيف ستجدين الشخص المناسب؟"
"سأطلب المساعدة من خالي، الأستاذ يوسف. إنه يعرف المدينة جيداً، ولديه معارف هناك. ربما يمكنه أن يساعدني في البحث عن هذا العنوان، وفي معرفة من يسكن فيه."
"حسناً. ولكن كوني حذرةً جداً، يا ابنتي. لا تثقي بأحدٍ بسهولة. وتذكري دائماً أنكِ تحملين اسم عائلتنا." قالت الحاجة فاطمة، وهي تحتضن نورة بقوة.
كانت تلك الليلة مليئةً بالأفكار. نورة لم تعد تفكر في اختفاء سارة كحدثٍ قديمٍ غامض، بل كقضيةٍ حيةٍ تتطلب البحث والتقصي. أدركت أن هذه الرحلة لن تكون سهلة، ولكنها شعرت بإصرارٍ متزايد. لقد حان الوقت لكشف الظلال التي تخيم على ماضي عائلتها.