سر اختفاء الرسالة
الفصل 18 — ظل غامض في أروقة المنزل
بقلم رنا الطاهر
الفصل 18 — ظل غامض في أروقة المنزل
عادت ليلى إلى مكتب والدها، وقلبها لا يزال يضطرب. كان المكان يبدو هادئاً، لكنها شعرت بوجود شيء غير مرئي، كأن الأشباح بدأت تتجول بين الكتب والأوراق. جلست على كرسي والدها، ونظرت حولها بتفحص دقيق. كل شيء كان في مكانه، لكنها كانت تبحث عن أي شيء غير مألوف، عن أي دليل قد يكون فاتها.
بدأت تقلب الأوراق على مكتب والدها، واحدة تلو الأخرى. كانت هناك فواتير، رسائل عمل، بعض الملاحظات الشخصية. كل شيء كان يبدو عادياً. ثم، بين مجموعة من الأوراق، وجدت ظرفاً أبيض، لم يكن عليه أي عنوان. فتحته بحذر. بداخله ورقة واحدة، مكتوبة بخط يد والدها، لكنها كانت أقصر وأكثر مباشرة من الرسالة التي وجدتها في كتاب عمر.
"الرسالة ضرورية. لا يمكن التخلي عنها. سأقوم بما يجب القيام به. لا تقلقوا."
"ما هذا؟" تمتمت ليلى لنفسها. "هل كتب هذه الرسالة قبل اختفاء الرسالة الأصلية؟ أم بعده؟"
كان الخط متوتراً، وكأن والدها كان في عجلة من أمره. أدركت أن هذه الرسالة لم تكن موجهة لأحد بعيد، بل لشخص قريب، ربما لأمها. لكن لماذا لم ترها أمها؟
"يا أمي!" نادت ليلى بصوت عالٍ. "تعالي إلى هنا، أرجوكِ!"
جاءت السيدة فاطمة بسرعة، وبدا عليها القلق. "ماذا وجدتِ يا ليلى؟"
"وجدت هذه الرسالة. هل رأيتها من قبل؟"
أخذت السيدة فاطمة الورقة، وقرأتها. ارتسمت علامات الدهشة والحيرة على وجهها. "لا. لم أرها أبداً. متى وجدتها؟"
"كانت مخبأة بين أوراق أبي."
"غريب جداً. والدك لم يذكر لي شيئاً عن هذا. وكأن كل شيء كان يحدث خلف ظهري."
شعرت ليلى بأن هناك عنصراً ثالثاً في هذه القصة، شخصاً كان يعرف والدها جيداً، ويتواصل معه، لكنه لم يكن جزءاً من عالمها.
"يا أمي، هل كان أبي يتعامل مع أي شخص آخر في أمور مهمة؟ شخص لا تعرفينه؟"
فكرت السيدة فاطمة ملياً. "كان لديه بعض الشركاء القدامى في العمل. لكن لم يكن هناك أحد يمكن أن يكون على علم بأمر الرسالة بهذا الشكل. إلا إذا... إلا إذا كان الأمر يتعلق بشيء شخصي أكثر."
"شخصي؟ ماذا تقصدين؟"
"أتذكر أن والدك كان لديه صديق قديم، كان يحكي عنه أحياناً، لكنه لم يكن يذكر اسمه أبداً. كان يقول إنه شخصية غامضة، لديه علاقات واسعة. لكن هذه مجرد تخمينات."
"هل يمكن أن يكون هذا الشخص هو عمر؟"
"لا أعتقد. عمر كان شاباً طيباً، لطيفاً. لكن والدك كان يتحدث عن شخص آخر، شخص أكبر سناً، ربما."
شعرت ليلى بأن هذه الأفكار تدور في حلقة مفرغة. كل خيط تقبضه، يؤدي إلى خيط آخر، وكلما اقتربت من الحقيقة، كلما بدت أبعد.
في تلك الأثناء، كان هناك شيء آخر يشغل بالها. كانت تشعر بأنها ليست وحدها في هذا القصر. كانت تشعر أحياناً بنظرات تراقبها، وبأصوات خافتة في الأرجاء. لكنها كانت تقنع نفسها بأنها مجرد توتر، وخيال.
"يا أمي، هل تعتقدين أن هناك من يتجسس علينا؟" سألت ليلى بصوت منخفض.
نظرت السيدة فاطمة حولها بقلق. "لا أعرف يا ابنتي. لكن لا داعي للقلق. نحن في منزلنا، ولن يسمح لأي أحد بإيذائنا."
فجأة، سمعت ليلى صوتاً خافتاً قادماً من الخارج. صوت خطوات. توقفت عن الكلام، واستمعت بانتباه.
"هل سمعتِ ذلك؟" همست ليلى.
"نعم. كأن أحداً في الخارج."
نهضت ليلى بسرعة، وذهبت نحو نافذة المكتب. نظرت خارجاً، لكن الظلام كان قد بدأ يحل، ولم تر شيئاً سوى الأشجار تتحرك بفعل الرياح.
"لا أرى شيئاً. ربما كانت الرياح."
"من الأفضل أن نغلق الأبواب والنوافذ بإحكام."
جلست ليلى بجوار والدتها، وشعرت ببرودة مفاجئة تتسلل إلى قلبها. لم تعد المسألة مجرد بحث عن رسالة مفقودة. الأمر بدا وكأنه أصبح خطيراً.
"يا أمي، إذا كانت الرسالة تحتوي على معلومات مهمة جداً، فهذا يعني أن هناك من يريدها بأي ثمن."
"وماذا لو كانت هذه المعلومات تتعلق بصفقة قديمة، أو سر تجاري؟"
"ربما. لكنني أشك في ذلك. والدك لم يكن يهتم بالمال أكثر من اهتمامه بالحق والعدل."
فكرت ليلى في عمر، الشاب الذي اختفى. ربما كان عمر يعرف شيئاً عن هذه الرسالة، ولهذا اختفى. وربما كان والدها يحاول إيجاد عمر، أو حماية عمر.
"يا أمي، هل تعرفين شيئاً عن أصدقاء والدك القدامى، الذين ربما يكون لديهم علاقة بعمر؟"
"لا أتذكر أحداً محدداً. لكنني سأحاول أن أستعيد ذاكرتي. ربما أتذكر شيئاً."
في تلك اللحظة، رن هاتف المكتب. قفزت ليلى من مقعدها، وقلبها يخفق بقوة. نظرت إلى والدتها، ثم إلى الهاتف.
"من يمكن أن يكون في هذا الوقت؟"
ترددت السيدة فاطمة. "ربما... ربما يكون شخصاً يعرف شيئاً."
اقتربت ليلى من الهاتف، وأخذت نفساً عميقاً. رفعت السماعة ببطء، وقلبها يضرب بعنف.
"مرحباً؟"
صمت. ثم سمعت صوتاً خافتاً، مشوشاً، وكأنه يأتي من مسافة بعيدة.
"هل... هل أنتِ ليلى؟"
"من يتحدث؟" سألت ليلى، وعيناها تتسعان.
"أنا... أنا صديق والدك. أريد أن أساعدك."
"ساعدني؟ كيف؟"
"في العثور على الرسالة. لكن يجب أن تكوني حذرة. هناك من يراقب."
"من أنت؟ ومن هو الذي يراقب؟"
انقطع الخط.
بقيت ليلى ممسكة بالسماعة، ويداها ترتجفان. نظرت إلى والدتها، وعيناها مليئتان بالحيرة والخوف.
"من كان هذا يا ليلى؟" سألت السيدة فاطمة بقلق.
"لا أعرف يا أمي. قال إنه صديق أبي. وقال إن هناك من يراقبنا."
شعرت ليلى بأنها دخلت إلى عالم لا تعرفه، عالم مليء بالأسرار والخطر. لكنها لم تكن لتتراجع. كان عليها أن تستمر، من أجل الحقيقة.