سر اختفاء الرسالة
الفصل 22 — مواجهة العاصفة وانهيار القناع
بقلم رنا الطاهر
الفصل 22 — مواجهة العاصفة وانهيار القناع
كان الهواء في قاعة الاستقبال العليا ثقيلًا، مشبعًا بالترقب والتوتر. لم تكن غرفة الاستقبال هذه مجرد مكان لتلقي الضيوف، بل كانت شاهدة على صفقات كبيرة، وعلى قرارات مصيرية، واليوم، ستكون شاهدة على مواجهة ستزلزل أركان هذه العائلة. وقف أحمد ونورة أمام عماد، الذي كان يجلس على كرسي فخم، يرتدي ملابس أنيقة، ويحاول أن يحافظ على هدوئه الظاهري، لكن عينيه كانتا تعكسان قلقًا متزايدًا.
"أحمد، نورة،" قال عماد بصوت يحاول أن يبدو طبيعيًا، "ما الذي حدث؟ لماذا هذا الاجتماع المفاجئ؟ هل هناك أخبار جديدة بشأن الرسالة؟"
نظر إليه أحمد مباشرة، وعيناه تقدحان بالإصرار. "نعم يا عمي، هناك أخبار جديدة. أخبار صادمة جدًا."
مد أحمد يديه، وببطء، وضع الرسالة القديمة على الطاولة بينهما. كانت الرسالة تبدو غريبة في هذا المكان الحديث، تذكيرًا صارخًا بالماضي الذي كان عماد يحاول جاهدًا دفنه.
"هذه الرسالة، يا عمي. وجدناها في مكتبة أبي." قال أحمد. "إنها منكم إلى أبي. وهي تكشف عن كل شيء."
تغير وجه عماد في لحظة. احمرّت وجنتاه، واتسعت عيناه بدهشة لم تستطع إخفاء الخوف. حاول أن يبدو متعجبًا، لكن جسده كان يتحدث لغة أخرى. يداه بدأتا ترتجفان، وارتعاش خفيف في شفتيه كشف عن اضطرابه.
"هذه... هذه الرسالة لا معنى لها. من أين أتت؟" تمتم عماد، محاولًا استعادة رباطة جأشه. "لا أتذكر أنني كتبت مثل هذه الرسالة."
"بالتأكيد لا تتذكر، لأنك لم تكن تتوقع أبدًا أن يتم العثور عليها." ردت نورة بصوت ثابت، بينما كانت تقف بجانب أحمد، سندًا له. "لقد كشفت الرسالة عن اتفاقكم، يا عمي. اتفاقكم مع شخص آخر لإخفاء وثائق تخص ميراث العائلة. وثائق كانت ستكشف عن ظلم كبير وقع على أبي."
ارتفع صوت عماد فجأة، محاولًا أن يفرض هيبته. "هذا اتهام خطير جدًا! أنتم تتهمونني بخيانة أخي؟ أنا الذي كنت أقف بجانبه دائمًا؟ أنتم تتوهمون! لا بد أنكم أخطأتم في قراءة الرسالة."
"لا يا عمي، لم نخطئ." قال أحمد بهدوء، لكن كلماته كانت كالصواعق. "لقد قرأناها عدة مرات. وكلماتكم واضحة. تتحدث عن إخفاء، عن صفقة، عن حرمان أخي من حقه. تتحدث عن استغلال طيبة أبي."
بدأ عماد ينهض من كرسيه، وعلامات الغضب بدأت تتغلب على خوفه. "هذا كذب! اتهامات باطلة! لا يمكنكم أن تتهموني بهذا. لقد كنت أنا من يهتم بكل أمور العائلة بعد مرض أبي. أنا من حميته من طامعين آخرين."
"بل أنتم من كنتم الطامعين." قال أحمد، وارتفعت نبرة صوته قليلاً. "لقد كنتم تستغلون طيبة أبي، تستغلون ثقته، لإخفاء الحقائق. لقد سرقتم منه حقه، وحقنا."
"أنا لم أسرق شيئًا!" صرخ عماد، وفقد السيطرة تمامًا. "لقد فعلت كل شيء لحماية العائلة، لحماية سمعة أبي. هذه الوثائق كانت ستسبب لنا فضيحة كبيرة. لقد كنت أحميه من نفسه."
"تحميه من نفسه؟" ضحك أحمد بمرارة. "بل كنتم تحمونه من أن يعرف الحقيقة، أن يعرف أن أخاه يغدر به. لقد كنتم تخافون أن تظهر الحقائق، أن تكشفوا أمام الجميع على أنكم لصوص."
"هذا كافٍ!" صاح عماد، ورفع يده باتجاههما. "لا تسمحون لي بالتحدث بهذه الطريقة! لقد تحملت الكثير منكم. تحملت اتهاماتكم، تحملت شكوككم."
"بل نحن من تحملنا الكثير." قالت نورة، ووقفت في المنتصف، مواجهة لعماد. "تحملنا فقدان أبي، تحملنا الفقر الذي فرض علينا، تحملنا شكوك الناس. كل هذا بسببكم، بسبب جشعكم. لقد كنتم تظهرون كملائكة، وتتظاهرون بالحرص، بينما كنتم تخططون لتدميرنا."
بدأت قناع عماد يتصدع. ملامحه الجامدة بدأت تظهر عليها علامات الهزيمة. لقد علم أن الرسالة قد خرجت من الظل، وأن كل محاولاته لإنكارها تبوء بالفشل. بدأ يتصبب عرقًا غزيرًا، ووجهه أصبح شاحبًا.
"أنتم لا تفهمون." قال عماد بصوت ضعيف، يكاد يكون همسًا. "لقد كان الأمر أعقد من ذلك. لم يكن الأمر متعلقًا بالمال فقط. كان هناك أسرار أخرى."
"ما هي الأسرار الأخرى يا عمي؟" سأل أحمد، متقدمًا خطوة. "هل هناك شخص آخر متورط؟ هل هناك من كنتم تعملون معه؟"
بدا عماد وكأنه على وشك الانهيار. نظر إلى أحمد، ثم إلى نورة، وعيناه مليئتان بالندم الممزوج بالخوف. "لقد... لقد كان هناك اتفاق. اتفاق مع شخص آخر. كان يريد... يريد شيئًا محددًا. لم يكن الأمر مجرد مال."
"من هو هذا الشخص؟" سألت نورة بلهفة.
تردد عماد للحظة. لقد كان يخشى الاعتراف، يخشى أن يكشف عن اسم قد يجلب له المزيد من المتاعب، أو ربما قد يورط شخصًا آخر لم يكن يتوقع تورطه.
"ليس لدي فكرة واضحة. لقد كان شخصًا غامضًا. قدم لنا وعودًا كبيرة. كان يعرف عن الوثائق، وكان يريدها لأسباب خاصة به." قال عماد، وهو يتجنب النظر في أعينهما.
"هذا غير كافٍ، يا عمي." قال أحمد بحزم. "لا يمكننا أن نقبل بهذا. لقد دمرتم حياتنا. يجب أن تعرف من هو هذا الشخص، وما هي أهدافه."
وقف عماد، واستند بيده على ظهر الكرسي، وكأنه يستمد منه القوة. "أنا... أنا متعب. لقد عشت في كذب لسنوات. الآن، ربما حان الوقت لأقول كل شيء."
نظر إليه أحمد ونورة بعينين مليئتين بالأمل والترقب. كانت هذه هي اللحظة التي انتظروها. لحظة انهيار القناع، ولحظة بداية كشف كل الحقيقة.