سر اختفاء الرسالة

الفصل 3 — الشاهد الصامت والمذكرات المفقودة

بقلم رنا الطاهر

الفصل 3 — الشاهد الصامت والمذكرات المفقودة

تسللت خيوط الشمس الأولى عبر ستائر غرفة "لينا"، لتوقظها من سباتٍ لم يكن عميقاً. كانت أحلامها مشوشة، مليئة بصورة الرجل الغامض الذي زارهم، وبكلمات الرسالة الغامضة التي وجدتها في صندوق والدها. شعرت بأن اختفاء "أحمد" لم يكن مجرد غيابٍ عادي، بل كان بداية لشيءٍ أكبر وأكثر تعقيداً.

نزلت لينا إلى المطبخ، حيث كانت والدتها، الحاجة "فاطمة"، تعدّ فطوراً خفيفاً. رائحة القهوة العربية تفوح في المكان، لكنها لم تكن كافية لتبديد قلقها. "صباح الخير يا أمي." قالت لينا. "صباح النور يا حبيبتي. كيف حالكِ؟" سألت والدتها، وهي تضع أمامها كوباً من القهوة. "لستُ متأكدة. ما زلتُ أفكر في كل ما حدث بالأمس." أجابت لينا. "أعلم. أنا أيضاً. تلك الرسالة... وذلك الرجل. قلبي لا يطمئن." قالت الحاجة فاطمة، وهي تجلس قبالتها. "لكن علينا أن نكون أقوياء. وأن ننتظر أي خبرٍ عن أحمد." "ولكن ماذا لو لم يصلنا أي خبر؟ ماذا لو كان علينا أن نبحث نحن؟" قالت لينا بجرأة. "نبحث؟ أين سنبحث يا ابنتي؟ لا نملك أي دليل." "لدينا الصندوق. ولدينا هذه الرسالة." قالت لينا، وهي تخرج الورقة من جيبها. "والدي ربما كان يحتفظ بشيءٍ مهم. ربما كان أحمد يعرف شيئاً عن هذا الأمر." "لكن أحمد نفسه مفقود." "نعم، ولكن قبل أن يختفي، ربما ترك وراءه شيئاً. ربما ترك رسالةً أخرى، أو دليلاً."

بعد الفطور، قررت لينا أن تعود إلى مكتبة والدها. أرادت أن تتأكد مما إذا كان هناك شيءٌ آخر في الصندوق قد فاتها. كانت تظن أن والدها، كإمامٍ ورجلٍ حكيم، ربما كان يحتفظ بمذكراتٍ أو يومياتٍ تدون فيها خواطره أو أحداثاً مهمة. فتحت الصندوق مرة أخرى. بدأت تتصفح الرسائل القديمة، والعملات الغريبة، والصور الباهتة. ولكن لم يكن هناك شيءٌ جديد. تنهدت بخيبة أمل. هل كان كل هذا مجرد تخيلات؟ هل كانت تربط بين اختفاء أحمد ومقتنيات والده بشكلٍ لا أساس له؟

بينما كانت تخرج محتويات الصندوق، سقطت من أسفله قطعةٌ معدنيةٌ صغيرةٌ ملساء، تبدو كأنها جزءٌ من شيءٍ أكبر. كانت هذه القطعة غريبة، لم ترها من قبل. كانت من مادةٍ تشبه البرونز، وعليها نقشٌ لدائرةٍ صغيرةٍ بداخلها ثلاث خطوطٍ متوازية. "ما هذا؟" تمتمت لينا، وهي تتفحصها.

فجأة، سمعت صوتاً خفيفاً يأتي من خلفها. التفتت بسرعة، ورأت "السيدة عائشة"، جارة والدتها المسنة، تقف عند باب المكتبة. كانت السيدة عائشة امرأةً طيبة القلب، وتعرف كل شيءٍ يحدث في القرية. لكنها كانت أيضاً غريبة الأطوار قليلاً، وتحب التكهنات. "ماذا تفعلين هنا يا ابنتي؟ أتفتشين في أغراض جدكِ؟" سألت السيدة عائشة بفضول. "مساء الخير يا سيدتي. كنتُ فقط أنظر في بعض الأشياء القديمة." أجابت لينا. "أشياء قديمة؟ ربما تجدين فيها سرّاً." قالت السيدة عائشة، وهي تبتسم ابتسامةً غامضة. "البيت القديم يحتفظ بأسراره." "هل رأيتِ أحداً يأتي إلى هنا بالأمس؟ ربما سيارة سوداء؟" سألت لينا، محاولةً أن تبدو عادية. "سيارة سوداء؟ لا، لم أرَ شيئاً. أنا أرى القليل في هذه الأيام." قالت السيدة عائشة. "لكنني رأيتُ أحمد قبل أن يسافر. بدا مهموماً. قال لي إن لديه شيئاً سيعود ليخبر الجميع به." "هل أخبركِ ما هو هذا الشيء؟" سألت لينا بلهفة. "لا، لم يقل. قال لي إنها مفاجأة. آمل أن يكون بخير." قالت السيدة عائشة، وعيناها تلمعان بحزن. "لقد كان ولداً طيباً، كوالده." "هل تعرفين شيئاً عن هذه القطعة المعدنية؟" سألت لينا، وهي تعرض عليها القطعة. نظرت السيدة عائشة إلى القطعة، ثم قالت: "هذه... هذه تشبه جزءاً من إطار صورةٍ قديمة. أتذكر أن جدك كان يملك صورةً كبيرةً في صالون المنزل، ولكنها اختفت منذ سنوات. لم نعرف أين ذهبت." "صورة؟ أي صورة؟" "صورةٌ لشيءٍ غريب. لا أتذكر بالضبط. كانت تبدو وكأنها خريطة، ولكنها لم تكن كذلك. كانت مليئة بالرموز. قال جدك إنها تحمل ذكرى عزيزة لديه." "خريطة؟ رموز؟" تكررت الكلمات في ذهن لينا. هل كان ما وجدته هو جزءٌ من صورةٍ قديمةٍ غامضة؟ هل كانت هذه الصورة مرتبطةً باختفاء أحمد؟ "هل تتذكرين أي شيءٍ آخر عن الصورة، يا سيدتي؟" سألت لينا. "لا، فقط أن جدك كان يعتني بها كثيراً. ثم اختفت فجأة. لم نجد لها أثراً. ربما سرقها أحد؟" قالت السيدة عائشة.

خرجت السيدة عائشة، وتركت لينا وحدها مع أفكارها المتزايدة. صورةٌ قديمةٌ، رموزٌ غامضة، قطعةٌ معدنيةٌ مفقودة، ورسالةٌ مجهولة. كل هذه العناصر بدأت تتجمع في ذهنها، لتشكل لغزاً أكبر.

عادت لينا إلى الصندوق. بدأت تتفحص الرسائل القديمة مرة أخرى، ولكن هذه المرة بعينٍ مختلفة. كانت تبحث عن أي إشارة، أي تلميح، إلى هذه الصورة أو الرموز. وجدت رسالةً قديمة، مكتوبةً بخطٍ مختلف عن خط والدها. كانت موجهةً إلى والدها، بتاريخٍ قديمٍ جداً. "يا عزيزي حمزة، لقد قمتُ بإرسال الأمانة كما وعدتك. إنها محفوظةٌ في مكانٍ آمن. لا تخف، فمفتاحها معك. الرموز ستدلّك على الطريق. تذكر، الوحدة هي قوتك. صديقك المخلص."

"أمانة؟ مفتاح؟ رموز؟" نطقت لينا بصوتٍ مسموع. من هو هذا الصديق المخلص؟ وما هي الأمانة؟ نظرت إلى القطعة المعدنية في يدها. هل كانت هذه القطعة هي "المفتاح"؟ أم جزءٌ منه؟ ثم تذكرت الرسالة التي وجدتها بالأمس: "لا تثقوا بكل ما ترون، ولا تصدقوا كل ما تسمعون. هناك من يسعى لإخفاء ما هو مهم." هل كان "ما هو مهم" هو هذه الصورة؟ أو ما تمثله؟

فجأة، لمعت فكرةٌ في ذهنها. إذا كانت هذه القطعة جزءاً من إطار صورة، فهل يمكن أن تكون هناك قطعٌ أخرى؟ وإذا كانت الصورة تحتوي على رموز، فهل كانت هذه الرموز تشير إلى مكانٍ ما؟ شعرت لينا بأنها تقترب من الحقيقة، وأن اختفاء أحمد له علاقةٌ بماضٍ غامضٍ مرتبطٍ بوالدها. ولكن كيف يمكنها أن تبدأ البحث عن هذه الصورة المفقودة؟ وأين يمكن أن تكون؟ وماذا عن أحمد؟ هل كان يحاول أن يصل إليها، أم كان يحاول أن يجد شيئاً مرتبطاً بهذا السر؟

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، مرسلةً أشعةً ذهبيةً تلون الغرفة. جلست لينا، والقطعة المعدنية بين أصابعها، عيناها مركزتان على محتويات صندوق والدها. شعرت بأنها تقف عند مفترق طرق، طريقٌ يؤدي إلى الماضي، وطريقٌ آخر إلى المجهول. ولكنها كانت تعلم شيئاً واحداً: عليها أن تتبع هذا الطريق، مهما كان مصيره.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%