سر اختفاء الرسالة
الفصل 8 — الحارس الأمين وشاهدٌ على الماضي
بقلم رنا الطاهر
الفصل 8 — الحارس الأمين وشاهدٌ على الماضي
بعد العودة إلى المنزل، جلست ندى مع عمها جمال، تتناقشان في كل ما اكتشفتاه. الرسالة التي وجدتها في الصندوق المعدني كانت مؤثرةً للغاية، مليئةً بنصائح جدتها فاطمة، لكنها كانت تحمل أيضاً تلميحاتٍ غامضةً حول "الحارس الأمين" الذي أوكل إليه والدهما مهمةً سرية.
"من برأيك يا عمي هو هذا الحارس؟" سألت ندى، وهي تتأمل الورقة الباهتة. "لم يذكر والدي اسمه مطلقاً في مذكراته، بل كان يشير إليه دائماً بهذا اللقب." فكر جمال قليلاً، وعقد حاجبيه. "لا أعرف يا ندى. والدي كان رجلاً حكيماً، وكان لديه أصدقاءٌ مخلصون. لكن لقب 'الحارس الأمين' لم يمر عليّ من قبل. ربما هو شخصٌ لم نعرفه جيداً."
في تلك الأثناء، كانت الجدة فاطمة تراقب حفيدتها وقلقها. لم تكن تعلم أن ندى قد وجدت الرسالة، لكنها شعرت بأن شيئاً قد تغير. بدت وكأنها تنتظر شيئاً ما.
في صباح اليوم التالي، قرر جمال أن يزور مكتب محاماةٍ قديمٍ كان والده يتعامل معه. ربما كان لديهم أي معلوماتٍ حول وصيةٍ سريةٍ أو أي ترتيباتٍ خاصةٍ تركها والده. "سأذهب لأرى ما إذا كان لديهم أي شيءٍ مفيد،" قال جمال لندى. "ابقِ هنا، وحاولي أن تتحدثي مع جدتك. ربما تستطيع مساعدتنا في فهم بعض الأمور."
توجه جمال إلى مكتب المحامي. كان المحامي، السيد أحمد، رجلاً طاعناً في السن، يعرف والده جيداً. بعد التحية والسلام، بدأ جمال بطرح الأسئلة. "يا سيد أحمد، هل تتذكر أي ترتيباتٍ خاصةٍ قام بها والدي، المرحوم، تخص ابنته ندى؟ ربما وصيةٌ سريةٌ أو تعليماتٌ خاصة؟" نظر السيد أحمد إلى جمال بتمعن، ثم أخرج ملفاً قديماً. "أتذكر أن والدك كان رجلًا حريصًا جدًا على مستقبل ابنته. لقد ترك لي بعض التعليمات، ولكنها كانت تتعلق بأمورٍ ماليةٍ بحتة، ولم تكن هناك أي إشارةٌ إلى 'حارس أمين' أو أي شيءٍ من هذا القبيل."
شعر جمال بخيبة أمل. "هل أنت متأكد؟ لم يكن هناك أي شيءٍ آخر؟" "لا يا بني، كل ما لدي هو ما يتعلق بإدارة أموال ندى عند بلوغها السن القانوني. أما الباقي، فكان والدك يفضّل أن يتركه لتقديرك أنت، وتقدير زوجته، المرحومة."
عاد جمال إلى المنزل، بخيبة أملٍ كبيرة. لم يكن المكتب المحاماة هو الحل. في هذه الأثناء، كانت ندى قد جلست بجوار جدتها فاطمة، وبدأت بسرد تفاصيل رحلتها إلى المنزل القديم، وكيف وجدت الرسالة ومذكرات والدها. "وهنا يا جدتي، في هذه الرسالة، يقول والدي أن هناك 'حارساً أميناً'. هل تعرفين من هو؟" نظرت الجدة فاطمة إلى الرسالة، ثم إلى ندى. بدا عليها أنها تتأثر بشدة. "الحارس الأمين..." همست الجدة. "لقد كان صديقاً وفياً لوالدك. كان رجلاً طيباً، ويعرف كل شيءٍ عن تاريخ عائلتنا. كان يعرف قيمة الرسالة."
"لكن من هو يا جدتي؟" سألت ندى بإلحاح. "كان يعيش بعيداً عن المدينة. كان يحب العزلة، ويعمل في تربية النحل." قالت الجدة، وعيناها تلمعان بدمعة. "تربية النحل؟" كررت ندى. "هل تقصدين الحاج سليمان؟ الرجل الذي كان يعيش في القرية المجاورة؟" أومأت الجدة فاطمة برأسها. "نعم، الحاج سليمان. لقد كان أقرب الناس إلى والدك. كان يثق به ثقةً عمياء."
شعرت ندى بأنها تقترب من كشف اللغز. الحاج سليمان. هو بالتأكيد "الحارس الأمين". "يجب أن نذهب إليه يا جدتي! يجب أن نذهب إليه الآن!" قالت ندى بحماس. نظرت الجدة فاطمة إلى ندى، وابتسمت ابتسامةً ضعيفة. "لا تقلقي يا ابنتي. الحاج سليمان لن يخذلنا. لقد ترك والدك شيئاً عنده، شيئاً سيساعدك."
في اليوم التالي، استأجرت ندى سيارة، وأخذت جدتها معها. كانت الجدة فاطمة في حالةٍ صحيةٍ متدهورة، لكنها أصرت على الذهاب. رحلتهما كانت طويلةً وهادئة، مليئةً بتأملاتٍ صامتة.
وصلتا إلى القرية الصغيرة، وبحثتا عن منزل الحاج سليمان. كان منزلاً متواضعاً، محاطاً بخلية نحلٍ كثيرة. كان الحاج سليمان رجلاً عجوزاً، ذو لحيةٍ بيضاء طويلة، وعينين حكيمتين.
رحب الحاج سليمان بالجدة فاطمة بحرارة، وبالندى بتقدير. "أتيتما في الوقت المناسب،" قال الحاج سليمان بصوتٍ عميق. "لقد كنت أنتظر هذه اللحظة منذ زمنٍ طويل." "هل تعرف لماذا نحن هنا يا عم سليمان؟" سألت ندى، وقلبها يخفق. "أعلم يا ابنتي. لقد عرفت أن والدك، رحمه الله، ترك لكم رسالةً مهمة. وهو، كما تعلمين، قد أوكل إليّ مهمةً خاصةً تتعلق بكم."
أخرج الحاج سليمان صندوقاً خشبياً صغيراً، يشبه الصندوق الذي وجدته ندى في مكتب والدها. لكن هذا الصندوق كان أقدم، ومليئاً بالنقوش. "والدك قال لي أن أحتفظ بهذا الصندوق، وأن أعطيه لابنته ندى فقط عندما تكون مستعدةً تماماً لكشف الحقيقة. لقد ترك لكِ رسالةً أخرى، ورسوماتٍ لمخططاتٍ قديمة."
فتح الحاج سليمان الصندوق، وأخرج منه ورقةً مطويةً بعناية. كانت الرسالة مكتوبةً بخطٍ جميلٍ وعميق. "ندى يا ابنتي،" بدأ الحاج سليمان يقرأ بصوتٍ مسموع. "أكتب لكِ هذه الكلمات، وأنا أعلم أنكِ قد بدأتِ في تجميع أجزاء اللغز. العالم الذي كنتِ تعيشين فيه، لم يكن هو كل شيء. هناك أسرارٌ عميقةٌ، وتاريخٌ مدفونٌ، يتطلب منكِ أن تكوني قويةً وشجاعةً لكشفه. 'الحارس الأمين' هو أنا، وقد كلفتُ بمسؤوليةٍ تجاهكِ، وهي أن أحميكِ وأدلكِ على الطريق الصحيح. الرسالة التي فقدتِها، لم تكن مجرد رسالة، بل كانت مفتاحاً لبوابةٍ واسعة. العالم يخشى ما لا يفهمه، وقد خشوا أن تكشف هذه الرسالة حقيقةً مدمرة."
"هل تقصد أن الرسالة كانت تخفي سراً خطيراً؟" سألت ندى، وهي تتخيل كل الاحتمالات. "نعم يا ابنتي،" قال الحاج سليمان. "لقد كانت تحمل معلوماتٍ عن اكتشافٍ قديم، اكتشافٌ يمكن أن يغير مجرى التاريخ. لكنه في الوقت نفسه، كان يمكن أن يسبب دماراً عظيماً إذا وقع في الأيدي الخطأ. والدكِ، وأنا، كنا من الحراس الذين أقسموا على حماية هذا السر."
ثم أخرج الحاج سليمان مجموعةً من الرسومات. كانت تبدو وكأنها رسوماتٌ لمواقع أثرية، مع رموزٍ تشبه تلك التي وجدتها على الخريطة. "هذه هي المخططات التي تركها والدك. وهي ترشد إلى مكانٍ معين، مكانٍ يحوي الحقيقة الكاملة. لكن الطريق ليس سهلاً، ويتطلب منكِ أن تكوني حذرةً جداً."
شعرت ندى بأنها أمام مفترق طرق. لقد كشفت عن أسرارٍ لا حصر لها، لكنها أدركت أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن الخطر لا يزال كامناً. كان "الحارس الأمين" قد سلمها الدليل، والآن أصبحت المسؤولية عليها.