بيت الأسرار المنسية
الفصل 13 — أسرار الجدة وظلال الماضي
بقلم رنا الطاهر
الفصل 13 — أسرار الجدة وظلال الماضي
ما إن انفتح غطاء العلبة المعدنية الثقيلة، حتى انبعث منها عبقٌ خفيفٌ لورودٍ مجففةٍ وعطرٍ قديم، مزيجٌ يروي قصةً من زمنٍ بعيد. لم يكن بداخلها كنوزٌ من ذهبٍ أو جواهر، بل أشياءٌ تبدو عاديةً للوهلة الأولى، لكنها كانت تحمل ثقلاً عاطفياً هائلاً.
كانت في العلبة مجموعةٌ من الرسائل، مربوطةٌ بشريطٍ حريريٍ بالٍ، وصندوقٌ خشبيٌ صغيرٌ مزخرف، وميداليةٌ فضيةٌ عليها نقشُ وردة.
"هذه رسائل جدتي!" قالت ليلى بصوتٍ مختنقٍ بالعاطفة، وهي تلتقط الرسائل بيدين مرتعشتين. "أتذكر أنني رأيتُ مثل هذه الأشرطة في خزانة ملابسها القديمة، لكن لم يكن لدي علمٌ بمحتواها."
بدأت ليلى تقرأ الرسائل بصوتٍ مسموع. كانت مكتوبةً بخطٍ أنيقٍ وجميل، وكانت موجهةً إلى شخصٍ يدعى "عزيزي أحمد". كانت الرسائل تحمل مشاعرَ عميقةً وحباً جارفاً، تتحدث عن لقاءاتٍ سرية، وأحلامٍ مشتركة، وأشواقٍ لا تنتهي.
"من هو أحمد؟" سأل ياسين، وهو ينظر إلى الرسائل بدهشة. "لم أسمع أبداً عن شخصٍ بهذا الاسم في عائلتنا."
"ربما كان صديقاً قديماً لجدتي، أو... ربما أكثر من ذلك،" قالت ليلى، وهي تبتلع ريقها. "يبدو أن علاقتهما كانت سريةً جداً."
واصلت ليلى القراءة، وكشفت الرسائل عن قصة حبٍ محرمةٍ في مجتمعٍ محافظ، حيث لم يكن مسموحاً للعواطف بالتدفق بحرية. كانت جدتها، السيدة خديجة، فتاةً جريئةً وشغوفة، وقعت في حب رجلٍ لم تكن عائلتها تقبله.
"انظري إلى هذا،" قالت ليلى، وهي تشير إلى جزءٍ من إحدى الرسائل. "جدتي كانت تقول إنها اضطرت إلى إخفاء حبهما عن الجميع، لأن عائلتها كانت تخطط لزواجها من شخصٍ آخر، شخصٍ ثريٍ ومشهور."
"وهل هذا الشخص هو جدي؟" سأل ياسين.
"لا أعتقد،" أجابت ليلى. "جدي كان رجلاً طيباً، لكن جدتي لم تكن تتحدث عنه بعاطفةٍ مماثلة. يبدو أن قلبها كان مع أحمد."
ثم فتح ياسين الصندوق الخشبي الصغير. بداخله، وجد صورةً قديمةً بالأبيض والأسود. كانت صورةً لجدته، السيدة خديجة، وهي شابةٌ جميلة، تقف بجانب رجلٍ وسيمٍ ذي عينين طيبتين. كانت نظراتهما تحمل حباً صامتاً.
"هذا هو أحمد،" قال ياسين، وهو يشير إلى الرجل في الصورة. "لكن... لماذا لم يتزوجا؟"
"الميدالية!" قالت ليلى، وهي تلتقط الميدالية الفضية. "انظري إلى النقش عليها."
على الميدالية، كان هناك نقشٌ متقنٌ لوردة، تماماً كما في الرسائل. وعندما قلبتها، وجدت نقشاً صغيراً جداً، بالكاد يُرى، عبارة عن حرف "ح".
"ح... هل يمكن أن يكون حرف أول لاسمٍ ما؟" تساءل ياسين.
"حرف الوردة... وحرف أحمد... وحرف خديجة،" قالت ليلى، وهي تفكر بعمق. "ولكن لماذا حرف "ح"؟"
"ربما كان أحمد يخفي هويته؟" اقترح ياسين. "ربما كان اسمه الحقيقي مختلفاً."
"ولكن هذا لا يفسر لماذا لم يتزوجا،" قالت ليلى، وبدأت تشعر بالإحباط. "قصة حبٍ جميلة، لكنها انتهت بشكلٍ مأساوي."
وبينما كانت ليلى تقلب في إحدى الرسائل، لاحظت شيئاً غريباً. كان هناك شيءٌ مخبأٌ في طيات الرسالة، شيءٌ صلبٌ ورقيق. سحبته بحذر، ليكشف عن ورقةٍ صغيرةٍ مطوية.
"هذه ليست رسالة،" قالت ليلى. "إنها... تبدو وكأنها بيانٌ طبي. وتاريخها قديمٌ جداً."
قرأ ياسين البيان. كانت الكلمات بسيطة، لكنها تحمل وزناً ثقيلاً. "نتائج الفحوصات تثبت إصابة السيدة خديجة بمرضٍ عضال، لا أمل في الشفاء منه. ننصح بإبقائها تحت الرعاية، وتجنب أي مجهودٍ قد يزيد من تفاقم حالتها."
ساد صمتٌ ثقيلٌ بين ياسين وليلى. كان البيان صدمةً قوية. جدتهم، السيدة خديجة، كانت تعاني من مرضٍ خطيرٍ في شبابها، مرضٌ قضى على حياتها وحبها.
"لهذا السبب لم يتزوجا،" قالت ليلى بصوتٍ مبحوح. "لقد كان مرضها هو السبب. لم تكن تريد أن تثقل كاهل أحمد، أو ربما لم يكن لديها الوقت الكافي لتكون معه."
"ولكن أين ذهبت جدتي؟" سأل ياسين. "وماذا حدث لأحمد؟"
"في الرسائل،" قالت ليلى، وهي تبحث في الرسائل المتبقية. "يبدو أن جدتي اضطرت إلى الابتعاد عن أحمد. وفي إحدى الرسائل الأخيرة، تقول إنها ستختفي، ولن يتمكن من العثور عليها أبداً."
"ولكن جدتنا السيدة خديجة لم تختفِ،" قال ياسين. "لقد تزوجت من جدي، وعاشت في هذا البيت."
"هذا هو اللغز،" قالت ليلى. "إذا كانت تعاني من مرضٍ عضال، فكيف عاشت لتتزوج جدي؟ ومن هو أحمد حقاً؟ ولماذا كل هذا السر؟"
في تلك اللحظة، تذكر ياسين شيئاً. "أمـي قالت إن جدتي كانت تحمل أعباءً كثيرة، وإنها احتفظت بأشياءٍ خاصةٍ بعيداً عن الأنظار. ربما كان هذا هو السبب."
"لكن ما علاقة الندبة؟" سألت ليلى. "والرمز؟"
"ربما الرمز كان علامةً لهما،" اقترح ياسين. "وعلامة الندبة... ربما كانت تذكيراً بالمرض، أو ربما بالوقت الذي قضته بعيداً عن أحمد."
"هل يمكن أن تكون السيدة خديجة التي نعرفها ليست هي السيدة خديجة التي أحبها أحمد؟" سألت ليلى، وخيالها ينسج فرضياتٍ جديدة.
"هذا يبدو مستحيلاً،" أجاب ياسين. "لكن كل شيءٍ في هذا البيت يشير إلى وجود سرٍ كبير."
نظر الاثنان إلى العلبة المفتوحة، وإلى محتوياتها. كانت هذه الأشياء مجرد بداية. كان هناك المزيد من الأسرار التي تنتظر الكشف عنها. كان ماضي جدتهما يلقي بظلاله على حاضرهم، ويدفعهم للبحث عن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.