بيت الأسرار المنسية
الفصل 23 — همسات في الحديقة السرية
بقلم رنا الطاهر
الفصل 23 — همسات في الحديقة السرية
بعد العودة من مكتبة أمين الصغيرة، جلست ليلى في غرفتها، والصندوق الخشبي مفتوح أمامها. كانت الرسائل مبعثرة، كل حرف منها كان يحمل وزناً ثقيلاً من الماضي. كانت الرسائل موجهة من امرأة تدعى "ليلى" إلى أمين. لم تكن تعرف أي ليلى، ولكنها شعرت بفضول لا يقاوم لمعرفة المزيد.
بدأت تقرأ الرسالة الأولى. كانت تتحدث عن لقاءات سرية، عن مشاعر متنامية، وعن خوف دائم من الانكشاف. كانت "ليلى" تكتب عن حبها لأمين، وعن رغبتها في بناء مستقبل معه. ولكنها كانت أيضًا تعبر عن قلقها من رد فعل والد ليلى، الذي كان يرى في أمين مجرد خادم، وليس نداً لابنته.
"أمين حبيبي،" بدأت إحدى الرسائل، "كلما رأيتك، أشعر بأن قلبي يذوب. كيف يمكن أن أعيش هذه الحياة وأنا أخفي عنك مشاعري؟ ولكن الخوف يتملكني. والدي لن يوافق أبدًا. سيعتبر الأمر وصمة عار عليه."
كانت ليلى، كاتبة الرسائل، تتحدث عن "البيت الكبير" وعن "الضغوط الاجتماعية". بدت ليلى هذه، وكأنها تعيش في نفس العالم الذي تعيش فيه ليلى الحالية. هل كانت جدتها؟
"جدتي،" قالت ليلى، عندما ذهبت لتطمئن عليها، "هل كنتِ تعرفين سيدة تدعى ليلى، وكانت تحب رجلاً يدعى أمين؟"
نظرت الجدة إليها بعينين واسعتين. "ليلى؟ أمين؟" تمتمت. "نعم. كانت هناك ليلى. كانت ابنة عم والدي. ولكنها... لقد تزوجت من رجل ثري من خارج البلاد. ولم تعد أبدًا."
"ولكنها كانت تحب أمين؟" سألت ليلى بلهفة.
تنهدت الجدة. "هكذا كانت الهمسات. يقولون إنها كانت معجبة به. ولكن أمين لم يكن من طبقتها. ولم يكن من الممكن أن يحدث شيء بينهما. كان ذلك زمنًا مختلفًا يا ليلى. زمن القواعد الصارمة."
شعرت ليلى بأنها تقترب من الحقيقة. كانت ليلى كاتبة الرسائل هي بالتأكيد ليلى، ابنة عم جدها. وهذا يعني أن أمين كان يحب ابنة عم جدها، وأن جدتها كانت تعلم بالهمسات.
واصلت ليلى قراءة الرسائل. وجدت رسائل تتحدث عن محاولة أمين إقناع ليلى بالهرب معًا. وعن رفض ليلى، خوفًا من العار الذي سيلحق بعائلتها.
"أنا آسفة يا أمين،" كتبت ليلى في إحدى الرسائل، "لا أستطيع. لا أستطيع أن أكسر قلب والدي. ولا أستطيع أن أتحمل نظرات الشماتة في عيون الناس. سأذهب معك في قلبي، ولكن جسدي سيبقى هنا، أسيرة لهذا القصر."
كانت هذه الكلمات مؤلمة. شعرت ليلى بألم ليلى، وبألم أمين. كان حبهما قويًا، ولكنه كان محكومًا بالقيود الاجتماعية.
ثم، تغير نبرة الرسائل. أصبحت أكثر قلقًا، وأكثر حزنًا. بدأت ليلى تكتب عن "الضيق" الذي تشعر به، وعن "المرض" الذي بدأ ينهش جسدها.
"أمين،" كتبت في إحدى الرسائل الأخيرة، "جسدي يضعف. روحي ترحل. أشعر بأنني أختنق هنا. أتمنى لو أستطيع رؤيتك مرة أخيرة. ولكن ذلك مستحيل."
وبعد هذه الرسالة، لم تجد ليلى أي رسالة أخرى من ليلى. ولكنها وجدت رسالة واحدة، مكتوبة بخط يد أمين. كانت موجهة إلى ليلى، ولكنها لم تُرسل أبدًا.
"ليلى حبيبتي،" كتب أمين، "لقد سمعت عن مرضك. قلبي يعتصر ألمًا. لو كان بإمكاني أن أكون بجانبك، لجلبت لك كل الشفاء في العالم. ولكنني مقيد هنا. مقيد بخوف لم يكن لي. لقد طلبت من والدي أن يرسلني في مهمة بعيدة، لكي لا أضطر لرؤيتك وأنتِ في هذا الحال. سامحيني."
"مهمة بعيدة؟" تساءلت ليلى. "هل هذا هو سبب اختفائه؟"
أخذت ليلى الرسالة، وخرجت من الغرفة. ذهبت إلى جدتها، وأرتها الرسالة.
نظرت الجدة إلى الرسالة، وبدت عليها علامات الحزن. "نعم. لقد ذهب أمين في مهمة. كانت تلك هي القصة التي عرفناها. ولكن... لم يعد أبدًا."
"هل مات في المهمة؟" سألت ليلى.
"لا أحد يعرف." قالت الجدة. "لقد اختفى. ولم يعد هناك أثر له. وقيل إن ليلى... توفيت بعد فترة قصيرة من ذهابه. ربما لم تستطع تحمل الفراق."
شعرت ليلى بأنها تقف أمام قصة مأساوية. قصة حب لم تكتمل، قصة أرواح فرقتها الظروف. ولكنها أدركت أن هناك شيئًا ما لا يزال مفقودًا.
"جدتي،" قالت ليلى، "في المكتبة الصغيرة، وجدت صندوقًا فيه رسائل. هل تعرفين من أين جاءت هذه الرسائل؟"
نظرت الجدة إلى ليلى، وعيناها تحملان فضولًا. "رسائل؟"
"نعم. رسائل من ليلى إلى أمين. ورسالة من أمين إلى ليلى."
"لم أكن أعرف بوجودها." قالت الجدة. "ربما... ربما كان أمين يحتفظ بها سرًا. ربما كان يريد أن يتذكرها دائمًا."
"ولكن لماذا احتفظ بها في صندوق مغلق؟" سألت ليلى. "ولماذا لم يقل أحد شيئًا عن هذا الحب؟"
"كما قلت لكِ، يا ابنتي. كان ذلك زمنًا مختلفًا. لم يكن من المقبول أن يتحدث الناس عن مثل هذه الأمور. والبيت كان لديه سمعته التي يجب الحفاظ عليها."
في تلك اللحظة، سمعت ليلى صوتًا خفيفًا من الخارج. صوت يشبه صوت الرياح، لكنه كان يحمل همسة غريبة. شعرت بأن الحديقة الخلفية، حديقة الورود التي أحبها أمين، تناديها.
"جدتي،" قالت ليلى، "أعتقد أنني بحاجة للذهاب إلى الحديقة. ربما أجد هناك شيئًا ما."
"اذهبي يا ابنتي. ولكن احذري. هناك في الحديقة، قد تجدين ذكريات قديمة."
تنهدت ليلى، وأخذت الرسائل، والصندوق، والمفتاح. توجهت نحو الحديقة الخلفية، حيث كانت أزهار الورود لا تزال تتفتح، رغم مرور الزمن. شعرت ببرودة الهواء، ورائحة التراب المبلل.
وقفت في وسط الحديقة، تتنفس بعمق. كانت ترى أشجارًا قديمة، ومقاعد حجرية متآكلة. وبينما كانت تسير، وقع بصرها على تل صغير من التراب، كان يبدو مختلفًا عن باقي الحديقة. كان هناك حجر كبير، يبدو وكأنه تم وضعه حديثًا.
اقتربت من الحجر، وشعرت بشيء غريب. كان الحجر يبدو وكأنه يحمل نقشًا. نحنت، ومسحت الغبار. كان نقشًا صغيرًا، يشبه حرف "أ".
"أمين..." همست ليلى.
هل كان هذا قبر أمين؟ هل دفن هنا؟ ولكن لماذا؟ ولماذا لم يعرف أحد؟
شعرت بأنها تقف في مكان مقدس، مكان يحمل سرًا مؤلمًا. شعرت بأنها تفهم الآن لماذا اختفى أمين، ولماذا لم يعد. ربما كان يحاول الهراب من حبه، أو من حزنه. أو ربما... كان هناك شيء آخر.
نظرت إلى السماء، حيث كانت النجوم قد بدأت تظهر. شعرت بأن أرواح ليلى وأمين تحيط بها، وأنها تحمل الآن مسؤولية كشف الحقيقة، ليس فقط عن حبهما، بل عن كل الأسرار التي دفنت في هذا البيت.