بيت الأسرار المنسية
الفصل 24 — شجرة العائلة المتشابكة
بقلم رنا الطاهر
الفصل 24 — شجرة العائلة المتشابكة
بعد تلك الليلة الهادئة نسبيًا، وبعد اكتشافات ليلى في الحديقة، شعرت بأنها على وشك فك خيوط اللغز. عادت إلى جدتها، وبيدها صندوق الرسائل.
"جدتي،" بدأت ليلى، "لقد وجدت في الحديقة شيئًا. حجرًا عليه حرف 'أ'. هل تعتقدين أنه قبر أمين؟"
نظرت الجدة إلى ليلى، وبدت عليها علامات الصدمة. "قبر؟" تمتمت. "لم نكن نعرف شيئًا عن قبره. لقد اختفى."
"ولكن لماذا دفن في الحديقة؟" تساءلت ليلى. "ولماذا لم يخبر أحد؟"
"ربما... ربما كان هناك سر وراء اختفائه. سر لم نكن نعرفه." قالت الجدة، وعيناها تلمعان بالحزن. "كان أمين رجلاً طيبًا. كان يحب عائلتنا. ولكن... ربما أحب ليلى كثيرًا. ربما لم يستطع تحمل فراقها."
"ولكن لماذا لم يحاول البحث عنها؟" سألت ليلى. "لقد اختفى قبل أن تتوفى. هل كان هذا هروبًا؟"
"لا أعتقد ذلك." قالت الجدة. "لم يكن أمين من النوع الذي يهرب. كان رجلاً يتحمل مسؤولياته. ولكن ربما... ربما أراد أن ينقذ نفسه من الألم. ربما اعتقد أن اختفاءه هو الحل الوحيد."
شعرت ليلى بأنها بدأت ترى الصورة كاملة، لكنها لا تزال تفتقد بعض القطع. "جدتي، هل هناك أي وثائق قديمة عن عائلتنا؟ سجلات ميلاد، زواج، وفاة؟ ربما نجد شيئًا عن أمين."
"لدينا بعض السجلات في المكتبة الرئيسية." قالت الجدة. "ولكنها قديمة جدًا. لم ألقِ نظرة عليها منذ سنوات."
توجهت ليلى إلى المكتبة الرئيسية، حيث كانت الأرفف تمتد حتى السقف. بدأت تبحث بين الكتب والمجلدات القديمة. وجدت سجلات قديمة، مكتوبة بخط اليد، باللغة العربية الفصحى. كانت تحتوي على أسماء الأجداد، وتواريخ ميلادهم ووفاتهم.
بحثت عن اسم "أمين"، ولم تجده. بحثت عن اسم "ليلى" (ابنة عم جدتها)، ووجدتها. ووجدت تاريخ زواجها من رجل ثري، وسجل وفاتها. ولكن لم يكن هناك أي ذكر لأمين.
"ربما لم يكن جزءًا من العائلة رسميًا." قالت ليلى لنفسها. "ربما كان يعمل لديهم فقط."
واصلت البحث، حتى وقع بصرها على مجلد كبير، يبدو أقدم من المجلدات الأخرى. كان مكتوبًا عليه "شجرة العائلة". فتحت المجلد بحذر. كانت هناك رسومات لشجرة، متفرعة، وعليها أسماء الأجداد.
بدأت ليلى تتتبع الفروع، تقارن الأسماء بالأسماء التي وجدتها في السجلات الأخرى. وجدت اسم جدها، واسم جدتها. وجدت اسم والدها. ثم وجدت اسم "ليلى" (ابنة عم جدتها).
كانت الشجرة متفرعة بشكل معقد. لم تجد اسم "أمين" في أي مكان. ولكنها لاحظت فرعًا يبدو وكأنه قد تم تعديله. كان هناك اسم مكتوب فوق اسم آخر، وكأن الاسم الأصلي قد تم مسحه.
نظرت ليلى عن كثب. استطاعت أن تميز الحروف من الاسم الأصلي. كان الاسم يبدو وكأنه "أمين". ولكن الاسم الجديد المكتوب فوقه كان "عبد الرحمن".
"عبد الرحمن؟" همست ليلى. "من يكون عبد الرحمن؟"
عادت ليلى إلى جدتها، وهي تحمل مجلد شجرة العائلة. "جدتي، هذا المجلد، هل هو دقيق؟"
نظرت الجدة إلى المجلد. "نعم. إنها شجرة عائلتنا. مكتوبة بخط يد جدي."
"ولكن،" قالت ليلى، وهي تشير إلى الفرع المعدل، "هنا، يبدو أن اسم 'أمين' قد تم استبداله باسم 'عبد الرحمن'."
نظرت الجدة إلى الفرع، وبدت عليها علامات المفاجأة. "غريب. لم ألاحظ ذلك من قبل. ربما... ربما كان هناك سبب لتغيير الاسم."
"هل تعرفين شخصًا يدعى عبد الرحمن؟" سألت ليلى.
فكرت الجدة قليلاً. "عبد الرحمن... نعم. كان هناك رجل يدعى عبد الرحمن. كان يعمل في مزرعة والد جدي. كان رجلاً طيبًا، ولكن... لم يكن من عائلتنا. كان مجرد عامل."
"ولكن لماذا تم استبدال اسم أمين باسم عبد الرحمن في شجرة العائلة؟" سألت ليلى. "هل كانا نفس الشخص؟"
"لا أظن ذلك." قالت الجدة. "كان أمين صديق والدي. وكان دائمًا ما يُذكر كشخص مهم. أما عبد الرحمن، فكان مجرد عامل."
شعرت ليلى بأنها تقف أمام لغز آخر. لماذا تم استبدال اسم أمين؟ هل كان هذا دليلًا على أن أمين لم يكن مجرد صديق، بل كان جزءًا من العائلة بطريقة ما؟
"جدتي،" قالت ليلى، "هل كان لوالدك أي أبناء آخرين غير جدتي؟"
"نعم. كان لديه ابن آخر، ولكن... توفي في سن مبكرة. لم يعش طويلاً." قالت الجدة.
"وما اسمه؟"
"اسمه... اسمه كان... أمين."
شعرت ليلى بأن رأسها يدور. "أمين؟ إذن، الاسم الأصلي في الشجرة كان اسم ابن عم جدتي، الذي توفي صغيرًا؟"
"نعم." قالت الجدة. "كان اسمه أمين."
"ولكن،" قالت ليلى، وهي تشير إلى الرسائل التي وجدتها. "هذه الرسائل، تتحدث عن حب بين ليلى (ابنة عم جدتي) ورجل يدعى أمين. رجل ليس من عائلتنا. رجل كان يعمل مع والدها."
"إذن،" قالت الجدة، وعيناها تتسع، "هل كان هناك أمينان؟"
"ربما." قالت ليلى. "ربما أمين الذي كان صديق والد جدي، هو نفس أمين الذي أحب ليلى (ابنة عم جدتي). وعندما اختفى، قررت العائلة استبدال اسم ابنهم المتوفى باسم عام "عبد الرحمن"، ربما لإخفاء حقيقة علاقته بليلى؟"
"ولكن لماذا؟" سألت الجدة. "لماذا يريدون إخفاء هذه الحقيقة؟"
"ربما لأن هذا الحب لم يكن مقبولًا. ربما لأن العائلة أرادت أن تحافظ على سمعتها. ربما لأن أمين لم يكن من طبقة ليلى."
بدأت ليلى تشعر بأنها تفهم. قصة أمين وليلى كانت سرًا كبيرًا. وللحفاظ على سمعة العائلة، قرروا دفن هذا السر. استبدلوا اسم ابنهم المتوفى باسم آخر، وتركوا أمين يختفي، وكأن شيئًا لم يكن.
"ولكن،" قالت ليلى، "إذا كان أمين هو حبيب ليلى، فلماذا اختفى؟ ولماذا لم يعد؟"
"ربما..." قالت الجدة، "ربما كان خائفًا. خائفًا من رد فعل العائلة. خائفًا من أن يضطروا لفصله عن ليلى. ربما اختار أن يختفي، لكي لا يزيد الأمور تعقيدًا."
"ولكن،" قالت ليلى، وهي تشير إلى الحجر في الحديقة. "إذا كان هذا قبره، فهو لم يختفِ تمامًا. لقد عاد، بطريقة ما."
نظرت الجدة إلى ليلى، وعيناها تحملان مزيجًا من الحزن والفهم. "ربما... ربما عاد ليلتفت إلى الأمانة التي تركها. ربما عاد لكي يقول لنا الحقيقة."
"وما هي الأمانة؟" سألت ليلى.
"ربما كانت الأمانة هي... أن نحب. أن نختار من نحب، بغض النظر عن الظروف. ربما كانت الأمانة هي أن نكون صادقين مع أنفسنا، ومع الآخرين."
شعرت ليلى بأنها قد وصلت إلى نهاية رحلتها في فهم علاقة أمين وليلى. ولكنها أدركت أن هذا البيت لا يزال يخفي أسرارًا أخرى، أسرارًا تخص عائلتها، وأسرارًا تخصها هي.