لغز الساعة الرملية

الفصل 12 — همسات الأقارب في وليمة الغموض

بقلم نور الدين

الفصل 12 — همسات الأقارب في وليمة الغموض

اجتمع أفراد عائلة الأستاذ أمين في قاعة الطعام الفسيحة، تحيط بهم رائحة الطعام الشهي والأحاديث المتبادلة، لكن خلف ستار هذه الأجواء العائلية الدافئة، كان يكمن توترٌ خفيّ، وهمساتٌ تحمل نبرة الشك والتساؤل. كانت هذه هي الوليمة الأولى بعد وفاة الأستاذ أمين، وقد دعوا إليها جميع أفراد العائلة المقربين، بغرضٍ أعلن عنه أحمد بوضوح: "لنتشارك الذكريات، ولنحاول معاً أن نفهم وصية جدي الأخيرة".

كان أحمد يجلس في صدر الطاولة، جنبًا إلى جنب مع والدته السيدة فاطمة، وعمه السيد سالم، الشقيق الأصغر للأستاذ أمين، والذي كان له طابعٌ مختلفٌ تماماً؛ فهو رجلٌ عمليٌّ، يحكم على الأمور بمنطقٍ بارد، قليل الكلام، وغالباً ما تكون تعليقاته حادة. إلى جانبه، كانت زوجته السيدة نورة، سيدةٌ رقيقةٌ وهادئة، تحاول دائماً أن تكون جسراً للتواصل بين أفراد العائلة. على الجانب الآخر، كانت ابنة عم أحمد، سلمى، شابةٌ مفعمةٌ بالحيوية والذكاء، كانت قريبةً من الأستاذ أمين، وغالباً ما كانت تشاركه شغفه بالقراءة والتاريخ.

بدأ أحمد الحديث، وصوته كان هادئاً ولكن فيه عزيمة. "أيها الأعزاء، لقد مر وقتٌ قصيرٌ على رحيل جدنا الأستاذ أمين. كلنا نفتقده، وكلنا نعرف كم كان رجلاً عظيماً، له بصماتٌ عميقةٌ في حياة كل واحدٍ منا. ولكنه ترك لنا أيضاً لغزاً، لغز الساعة الرملية، التي وجدناها في مكتبته. أعتقد أن هذه الساعة تحمل رسالةً لنا، رسالةً يريد منا جدي أن نفهمها."

نظر الجميع إلى الساعة الرملية المعروضة على طاولةٍ جانبية، كانت تتلألأ تحت ضوء الثريا، وكأنها تحتفظ بأسرارٍ لا تُحصى.

سأل العم سالم بصوتٍ خشنٍ بعض الشيء: "وهل تعتقد يا أحمد أن هذه الساعة مجرد لعبةٍ من ألعاب جدك؟ كان يحب الألغاز، نعم، لكن لماذا كل هذه الضجة؟"

ابتسم أحمد بهدوء. "لم تكن بالنسبة له مجرد لعبة، يا عمي. لقد رأيت كيف كان يتحدث عنها في أيامه الأخيرة. كان هناك شيءٌ مهمٌّ فيها، شيءٌ يتعلق بالزمن، وبالأسرار."

تدخلت سلمى بصوتٍ حماسي: "أتذكر أن جدتي كانت تقول إن جدي كان مهتماً جداً بالساعات القديمة، وكان يؤمن بأنها تحمل طاقةً خاصةً، وأنها يمكن أن تكون دليلاً لأشياءَ مخفية. ربما هذه الساعة هي مفتاحٌ لشيءٍ أكبر."

أومأت السيدة نورة برأسها موافقةً: "أتذكر أن الأستاذ أمين كان يقول دائماً: 'كل ساعةٍ لها قصة، وكل ثانيةٍ تحمل ذكرى'. ربما هذه الساعة هي خلاصة ذكرياته."

شعرت السيدة فاطمة بحرقةٍ في قلبها وهي تتذكر ذكرياتها مع زوجها. "كان أمين رجلاً ذا حكمةٍ عميقة. لم يفعل شيئاً عبثاً. إذا ترك لنا هذه الساعة، فهذا يعني أن هناك سبباً وجيهاً."

قال العم سالم بتهكمٍ خفيف: "ولكن ما هو هذا السبب؟ نحن عائلةٌ بسيطة، لا نمتلك أسراراً عظيمةً لندفنها. جدك كان مؤرخاً، ربما أراد أن يترك لنا درساً في التاريخ."

"أو ربما شيئاً أكثر شخصية،" قالت سلمى. "أتذكر أن جدتي كانت تخبرني أن جدي كان يبحث عن شيءٍ مفقودٍ منذ زمنٍ طويل، شيءٌ يتعلق بوالده."

اتسعت عينا أحمد. "هل تقصدين شيئاً محدداً؟"

ترددت سلمى قليلاً. "لم تكن تفاصيل واضحة، مجرد همسات. كانت تتحدث عن قطعةٍ أثريةٍ قديمة، ضاعت من العائلة في ظروفٍ غامضة."

شعر أحمد بأن خيطاً جديداً قد انفكّ. "وهل كان جدي يعتقد أن هذه الساعة قد تكون مرتبطة بهذه القطعة الأثرية؟"

"لا أعرف على وجه اليقين،" قالت سلمى. "لكنني أتذكر أن جدتي كانت تحذرني من الاقتراب من مكتبة جدي عندما كان في حالةٍ من التركيز الشديد، وكأنها تخشى أن أرى شيئاً لا يجب أن أراه."

نظر العم سالم إلى أحمد بنظرةٍ تحمل مزيجاً من الشك والفضول. "إذا كان جدك يبحث عن شيءٍ مفقود، فلماذا لم يخبر أحداً؟ ولماذا يعتمد على هذه الساعة الرملية؟"

"ربما لأنه لم يكن يريد أن يقلق أحداً،" قالت السيدة فاطمة. "أو ربما كان يخشى أن يعبث أحدٌ بالأمر قبل أن يستعد. أمين كان رجلاً يحسب لكل شيءٍ حسابه."

قال أحمد: "لقد وجدت بعض الملاحظات والرسومات في مكتبته. إحداها كانت تحمل عبارة 'حيث يبدأ الزمن، تنتهي الأسرار'. أعتقد أن هذا هو المفتاح."

تساءل العم سالم: "وماذا يعني ذلك؟"

"لا أعرف بالضبط،" اعترف أحمد. "لكني أشعر بأنها تشير إلى نقطةٍ معينة، أو حدثٍ معين. ربما عندما بدأت الساعة الرملية بالعمل، بدأت الأسرار تتكشف. أو ربما عندما بدأ الزمن في التدفق، بدأت الحقائق تظهر."

كانت سلمى تفكر بعمق. "ماذا لو كانت الساعة الرملية ليست مجرد ساعة، بل هي جهازٌ ما؟ أو رمزٌ لمكانٍ ما؟"

"ماذا لو كانت تشير إلى وقتٍ معين؟" اقترحت السيدة نورة. "مثلاً، وقتٌ معينٌ في اليوم، أو في السنة."

"هذا احتمالٌ وارد،" قال أحمد. "لقد فكرت في ذلك. لكنني أحتاج إلى مزيدٍ من المعلومات. هل يتذكر أحدكم أي شيءٍ عن هذه القطعة الأثرية التي ذكرتها سلمى؟ أي تفاصيل؟"

ساد الصمت للحظة، ثم تحدث العم سالم ببطء: "أتذكر أن والدي، جدك، كان يتحدث عن قلادةٍ قديمة، ورثتها والدتي عن أمها. كانت مزينةً بحجرٍ كريمٍ غريب. لكنها اختفت في ظروفٍ غامضةٍ أثناء سفرنا من مدينةٍ إلى أخرى."

"قلادة؟" سألت السيدة فاطمة. "لم أسمع بها من قبل."

"لم يكن جدك يحب الحديث عن الماضي كثيراً،" أوضح العم سالم. "كان يفضل التركيز على المستقبل. لكنني أتذكر أن والدي كان حزيناً جداً لفقدانها."

شعر أحمد بأن خيطاً آخر قد انضم إلى شبكة الألغاز. "وهل تعرفون كيف اختفت؟"

"لا،" أجاب العم سالم. "فقط اختفت. كانت معنا في حقيبةٍ، وعندما وصلنا إلى وجهتنا، كانت الحقيبة موجودة، لكن القلادة لم تكن فيها."

"وماذا عن شكل هذه القلادة؟" سأل أحمد بحماس. "هل كان هناك أي وصفٍ لها؟"

"كانت مزينةً بحجرٍ كريمٍ يميل لونه إلى الأزرق الداكن، مع نقوشٍ غريبةٍ حوله،" قال العم سالم. "أذكر أن جدتي كانت تقول إنه يحمل بريقاً خاصاً لا يشبه أي حجرٍ آخر."

"حجرٌ أزرق داكن... نقوشٌ غريبة..." تمتم أحمد وهو يدون الملاحظات. "هذا قد يكون مهماً."

قالت سلمى: "ربما الساعة الرملية مرتبطةٌ بهذه القلادة. ربما هي مفتاحٌ لمعرفة مكانها، أو طريقة استعادتها."

استمر الحديث لبعض الوقت، وتبادل أفراد العائلة ذكرياتهم عن الأستاذ أمين، عن طباعه، وعن أفكاره. كل كلمةٍ كانت تضاف إلى الصورة، لكن اللغز ظلّ معقداً. شعر أحمد بأن هذه الوليمة، رغم طابعها العائلي، كانت أشبه بجلسةٍ استجوابٍ لطيفة، يكشف فيها كلٌّ منهم عن جزءٍ من ماضيه، وعن ذاكرته.

عندما انفضّ الجمع، شعر أحمد بخليطٍ من الإرهاق والأمل. لقد اكتسب بعض المعلومات القيمة، لكن الطريق لا يزال طويلاً. نظر إلى الساعة الرملية، متسائلاً ما إذا كانت حقاً تحمل مفتاحاً لمصير قلادةٍ مفقودة، ولغزٍ تركه جده. كان يعلم أن أفراد عائلته، رغم اختلافهم، قد يكونون جزءاً مهماً من الحل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%