همسات في حديقة الغروب

الفصل 17 — تحت ظلال شجرة التوت

بقلم نور الدين

الفصل 17 — تحت ظلال شجرة التوت

استيقظت ليلى مع أول خيوط الفجر، وقلبها يخفق بشوقٍ وترقب. كانت الشمس لم تشرق بعد بالكامل، لكن الضوء الرمادي الناعم بدأ يملأ الغرفة، يبشر بيومٍ جديدٍ مليءٍ بالاكتشافات. ارتدت ملابسها بسرعة، وتوجهت إلى المطبخ حيث كان والدها يعد فطوراً بسيطاً.

"صباح الخير يا أبي."

"صباح النور يا ابنتي. هل أنتِ مستعدة؟"

"بالتأكيد. لا أستطيع الانتظار."

تناولا فطورهما على عجل، ثم خرجا إلى الحديقة. كان الهواء لا يزال بارداً ومنعشاً، والأرض مبتلةٌ بقطرات الندى. توجه الاثنان مباشرةً نحو الزاوية الشمالية من الحديقة، حيث تقف شجرة التوت العتيقة. كانت الشجرة ضخمةً حقاً، جذوعها ملتويةٌ ومتشابكة، وأغصانها تمتد في كل اتجاه، وكأنها تحتضن السماء. تبدو وكأنها تحمل في طياتها تاريخاً طويلاً، وأنها شاهدت مرور أجيالٍ كثيرة.

"هذه الشجرة..." قال والدها، وهو يضع يده على أحد الجذوع الخشنة، "أتذكر أن جدتك كانت تحب الجلوس تحتها في أيام الصيف الحارة. كانت تقول إنها مكانٌ هادئٌ للتفكير."

"وهل قالت لك شيئاً عن هذا المكان؟ عن كونه 'قلب الحديقة النابض'؟" سألت ليلى.

"لا أتذكر تفاصيل دقيقة. كانت أحاديثها غالباً ما تكون غامضةً، تحمل معاني أعمق مما تبدو عليه."

بدأت ليلى تمشي حول الشجرة، تتفحص جذعها الكبير، وأغصانها المتدلية. لاحظت أن هناك بعض الأجزاء من الجذع تبدو أكثر خشونةً من غيرها، وكأنها محفورةٌ بشكلٍ ما، أو أن شيئاً ما قد التصق بها قديماً.

"انظري يا أبي،" قالت ليلى، مشيرةً إلى بقعةٍ على الجذع. "هنا، تبدو وكأن هناك شيئاً ما."

اقترب والدها، وفحص المكان. "نعم، يبدو وكأن هناك ندبةً قديمة. ربما بسبب إصابةٍ تعرضت لها الشجرة."

"لكن جدتي كانت دائماً تهتم بهذه الشجرة. ربما يكون هذا شيئاً صنعته هي."

بدأت ليلى تبحث في الأرض حول جذع الشجرة. كانت هناك أوراقٌ متساقطةٌ، وبعض الأغصان الصغيرة، وترابٌ قديم. رفعت بعض الأوراق، وكشفت عن بعض الحجارة الصغيرة.

"ربما يجب أن نبدأ بالحفر قليلاً،" اقترح والدها.

"نعم، لكن بحذر. لا نريد أن نؤذي الشجرة."

أحضر والدها مجرفةً صغيرةً من مخزن الأدوات. وبدأ بحذرٍ يزيل طبقةً من التراب حول جذع الشجرة، بالقرب من المكان الذي لاحظت فيه ليلى الندبة. كانت الأرض قاسيةً بعض الشيء، لكنهما استمرا في العمل، يتعاونان بصمتٍ، والترقب يملأ قلبيهما.

مرت لحظاتٌ بدت وكأنها ساعات. ثم، عندما كان والدها يحفر بالقرب من جذع الشجرة، سمع صوت ارتطامٍ خفيف.

"ما هذا؟" قال والدها، متوقفاً عن الحفر. "هناك شيءٌ هنا."

بدأ والدها يحفر بحذرٍ أكبر، وكشف عن صندوقٍ خشبيٍ صغير، يبدو عليه القدم والصدأ. كان الصندوق مدفوناً على عمقٍ قليلٍ فقط تحت السطح، وكأنه قد وضع هناك عمداً.

"إنه صندوق!" قالت ليلى، وعيناها تتسع من الدهشة. "هل يمكن أن يكون هذا ما كانت جدتي تقصده؟"

"لا أعرف، لكنه بالتأكيد شيءٌ مهم."

انتشل والدها الصندوق بحذرٍ من الأرض. كان ثقيلاً بعض الشيء. نظر كلاهما إلى الصندوق، ورأيا عليه بعض النقوش الباهتة، لكنها كانت مختلفةً عن النقوش التي وجدتها ليلى على المقعد. كانت هذه النقوش تبدو وكأنها رموزٌ مجردة.

"هذا يشبه النقش الذي على المقعد!" قالت ليلى. "لكن بشكلٍ مختلف."

"ربما يكون هناك رابطٌ بينهما. ربما تكون هذه رموزاً تعرفها جدتك."

حاول والدها فتح الصندوق، لكنه وجده مغلقاً بإحكام. لم يكن هناك قفلٌ ظاهر، بل يبدو أنه مغلقٌ بطريقةٍ ما.

"إنه مغلقٌ بإحكام." قال والدها. "ربما يكون له آلية فتح خاصة."

"هل جربت أن تضغط على النقوش؟" اقترحت ليلى.

"سأحاول."

بدأ والدها بالضغط على بعض النقوش على الصندوق، لكن لم يحدث شيء. ثم، تذكرت ليلى شيئاً قرأته في مذكرات جدتها. كانت جدتها قد وصفت يوماً كيف أنها "ألفت صمتاً ليترجم لغتها"، وكيف أنها "أعطت المفتاح لقلبها لمن يستطيع فهم نغمات روحها".

"يا أبي،" قالت ليلى. "جدتي كانت تقول إنها 'ألفت صمتاً ليترجم لغتها'. ربما يجب أن نحاول إيجاد طريقةٍ لفك شيفرة هذه الرموز."

"كيف نفعل ذلك؟"

"ربما تكون الرموز على المقعد هي المفتاح. ربما يجب أن نحاول مطابقة هذه الرموز مع تلك."

عاد الاثنان إلى المقعد الحجري. نظرت ليلى إلى النقش على المقعد، ثم إلى الصندوق. كانت هناك بعض التشابهات، لكن الاختلافات كانت كبيرةً أيضاً.

"هذه الرموز على المقعد تبدو أكثر بساطةً،" قالت ليلى. "ربما تكون هذه هي الحروف الأساسية."

"وماذا عن الرموز على الصندوق؟"

"ربما تكون تركيباتٍ من هذه الحروف، أو كلماتٍ بلغةٍ قديمة."

أمضى الاثنان وقتاً طويلاً وهما يتفحصان النقوش، يحاولان إيجاد أي رابطٍ بينها. بدأت شمس الصباح تشتد، وتسلط ضوءها الذهبي على الحديقة. كانت الأجواء هادئةً، لكن شعوراً بالتشويق والإثارة يملأ المكان.

"انظر يا أبي!" قالت ليلى فجأة، وعيناها تلمعان. "هذا الرمز على المقعد... يشبه حرف 'ألف'."

"نعم، يبدو كذلك."

"وهذا الرمز على الصندوق... يبدو وكأنه تكرارٌ لهذا الحرف، مع إضافة خطٍ صغير."

"هل تقصدين أن هذه الرموز هي نوعٌ من الأبجدية؟"

"ربما. جدتي كانت مولعةً باللغات القديمة. ربما ابتكرت شيئاً خاصاً بها."

بدأت ليلى تدون الرموز على ورقة، وتحاول ربطها بالرموز التي على الصندوق. كان والدها يساعدها، يقدم لها الأفكار والاقتراحات. كانت عمليةً بطيئةً وشاقة، لكنهما لم يشعرا بالملل. كان لديهما هدفٌ مشترك، وشغفٌ لاكتشاف الحقيقة.

بعد ساعاتٍ من العمل المضني، بدأت بعض الكلمات تتكون. كلماتٌ بسيطةٌ، لم تكن مفهومةً تماماً في البداية. لكن شيئاً فشيئاً، بدأت تتضح الصورة.

"أحب... جدتي... هنا..." هكذا قرأت ليلى بعض الكلمات من على الصندوق.

"أحب جدتي هنا؟" قال والدها، وهو ينظر إلى الشجرة. "هل تقصد أن حبها هنا؟"

"ربما. لكن هناك كلماتٌ أخرى... 'ابنتي... أمانة... احتفظي... به'..."

"ابنتي؟ هل تقصد ليلى؟" سأل والدها، وهو ينظر إلى ليلى. "وهل تقصد 'به' الصندوق؟"

"نعم، أعتقد ذلك. جدتي كانت تترك لنا رسالةً، شيئاً ذا قيمةٍ كبيرة."

"لكن كيف نفتح الصندوق؟"

في تلك اللحظة، تذكرت ليلى جزءاً آخر من مذكرات جدتها. كانت جدتها قد وصفت "لحظةً تتناغم فيها الشمس مع الظل"، و"نبضةً تحمل سر الفتح".

"يا أبي،" قالت ليلى. "أتذكر ما قرأت. 'لحظةٌ تتناغم فيها الشمس مع الظل'. ربما يجب أن ننتظر وقتاً محدداً من اليوم."

"أي وقتٍ تقصدين؟"

"ربما عندما تكون الشمس في أعلى نقطةٍ لها، أو عندما تبدأ بالمغيب. عندما يكون الظل قصيراً أو طويلاً بشكلٍ خاص."

قررا الانتظار حتى وقت الظهيرة. جلسا تحت الشجرة، يتحدثان عن جدتهما، وعن ذكرياتهما معها. بدأت ليلى تشعر بأنها أقرب إلى روحها، وأنها تفهمها بشكلٍ أعمق.

عندما وصلت الشمس إلى منتصف السماء، بدأ والدها بإمساك الصندوق، محاولاً تحريكه قليلاً، وكأنه يبحث عن نقطةٍ معينة. وفجأة، سمع صوت "طقطقة" خفيفة.

"لقد فتح!" قال والدها بلهفة.

انفتح الصندوق ببطء، وكشف عن محتوياته. كانت هناك رسائلٌ قديمةٌ، وصورةٌ بالأبيض والأسود، وبعض المجوهرات البسيطة.

"يا إلهي..." قال والدها، وهو يرفع الصورة. كانت صورةً لجدتهما، وهي شابةٌ جداً، تقف بجانب نفس شجرة التوت.

"هذه هي جدتي!" قالت ليلى، وعيناها تلمعان بالدموع.

"نعم، إنها هي. وبجانبها... والدها. جدي."

نظرت ليلى إلى الرسائل. كانت مكتوبةً بخط يد جدتها الجميل، ولكن بأحرفٍ قديمةٍ لم تتعرف عليها بالكامل.

"هذه الرسائل... هل هي لنا؟"

"أعتقد ذلك. جدتك أرادت أن تترك لنا شيئاً مهماً. شيئاً يحمل ذكرياتنا، وحبنا."

أخذت ليلى إحدى الرسائل، وحاولت قراءتها. "يا ابنتي الحبيبة، يا روح هذا البيت. أترك لكِ هذه الأمانة، وهذا القلب الذي ينبض بالحب والذكريات. هذه الحديقة هي شاهدنا، وهذه الشجرة هي سجلنا. احتفظي بها، واحرصي عليها، فهي تحمل أثمن ما في حياتنا..."

شعرت ليلى بأن الدموع تنهمر على خديها. لقد وجدت ما كانت تبحث عنه. وجدت رسالةً من جدتها، تحمل معها كل الحب والحنان.

"لقد وجدنا 'قلب الحديقة النابض'، يا أبي،" قالت ليلى بصوتٍ متهدج. "إنه هنا، في هذا الصندوق، وفي هذه الذكريات."

ابتسم والدها بحنان، وضمها إليه. "نعم يا ابنتي. لقد وجدناه. ووجدنا شيئاً أثمن منه، وجدنا أنفسنا، وأنفسنا أقرب إلى بعضنا البعض."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%