همسات في حديقة الغروب
بالتأكيد، إليك الفصول من 21 إلى 25 من رواية "همسات في حديقة الغروب":
بقلم نور الدين
بالتأكيد، إليك الفصول من 21 إلى 25 من رواية "همسات في حديقة الغروب":
الفصل 21 — لقاءٌ تحت قمرٍ خجول
كانت نسمة الليل تحمل معها عطر الياسمين المخلوط برائحة الأرض الندية، يتسلل إلى حديقة المنزل بهدوء، وكأنه يهمس بأسرار الليل. اعتلت فاطمة الدرج الخشبي المؤدي إلى الشرفة المطلة على الحديقة، والقلب يعتصرها مزيج من القلق والترقب. لم تكن قد نامت تلك الليلة، وربما لم يذق لها جفن منذ أيام. كل ما كان يدور في ذهنها هو البحث عن إجابات، عن خيطٍ يربط الأحداث المتناثرة، عن حقيقة اختفاء والدها التي باتت أشبه بلغزٍ قديمٍ يعذّب روحها.
وقفت فاطمة متكئةً على السياج، تراقب الظلال المتراقصة تحت ضوء القمر الخجول الذي حاولت الغيوم أن تخفيه. كانت تدرك أن اللقاء الذي وعدها به السيد أحمد، صديق والدها القديم، لن يكون مجرد حديثٍ عابر. كانت كلماته الأخيرة عند زيارته المفاجئة قبل أيام تحمل ثقلاً ورنينًا غريبًا، وكأنه يملك مفاتيحٍ لبابٍ مغلقٍ منذ زمن.
"لم أكن أود أن أقلقكِ أكثر يا ابنتي، ولكن بعض الأسرار لا يمكن أن تظل مدفونةً إلى الأبد." قالها السيد أحمد حينها، وعيناه تحملان بقايا حزنٍ قديمٍ وعزمٍ جديد. "والدكِ تركني قبل رحيله بوقتٍ قصير، وطلب مني أن أكون عينيكِ وأذنكِ إذا ما حدث مكروهٌ له. أعتقد أن الوقت قد حان لأفي بوعدي."
تنهدت فاطمة بعمق، مستعيدةً صوته الهادئ الذي كان يحمل بحراً من الخبرة. لقد شعرت بصدق الرجل، وبثقل المسؤولية التي وضعها والدها على عاتقه، وربما على عاتقها هي أيضاً. كانت تعلم أن السيد أحمد لم يكن مجرد صديق، بل كان رفيق درب والدها في سنواتٍ مضت، شهدوا معاً أياماً حلوة ومرة، وتشاركوا أحلاماً وآمالاً.
انعكست صورة والدها في مخيلتها، وجهه الحنون، ضحكته الواسعة، وحكمته الهادئة. كيف يمكن لرجلٍ مثل والده، رجلٍ طيبٍ ومحبوبٍ من الجميع، أن يختفي فجأةً دون أثر؟ كان الأمر أشبه بقطعةٍ ناقصةٍ في لوحةٍ حياتها، تفتقدها بشدةٍ وتؤلمها غيابها.
سمعت صوت خطواتٍ تقترب من الحديقة، صوتٌ يحمل وزناً وثقلاً، ولكنه لم يكن صوت خطى السيد أحمد المعهودة. كانت الخطوات أثقل، وأكثر حذراً. رفعت فاطمة رأسها، ورأت ظلاً طويلاً ينساب ببطءٍ نحو شجرة التوت العتيقة، المكان الذي حدده لها السيد أحمد للقاء.
"أنا هنا يا سيد أحمد." همست بصوتٍ بالكاد يُسمع، وقلبها يخفق بعنف.
لم يرد الظل، بل استمر في الاقتراب. ثم، وببطءٍ شديد، ظهرت ملامح رجلٍ مألوف. لم يكن السيد أحمد. كان ذلك الرجل الذي قابلته في مكتب المحاماة، الرجل ذو النظرة الحادة والوجه الصارم، السيد فؤاد.
شعرت فاطمة بوخزةٍ من الخوف، ممزوجةٍ بالارتباك. لماذا جاء السيد فؤاد؟ ألم يكن السيد أحمد هو من طلب لقاءها؟ هل كان هناك خطأٌ في الموعد؟ أم أن الأمر أعقد مما كانت تظن؟
توقف السيد فؤاد أمامها، وظل القمر يخترق خصلات شعره الرمادية، مضفياً عليه هالةً من الغموض. كانت عيناه تحدقان بها بثبات، وكأنهما تبحثان عن شيءٍ في أعماقها.
"أهلاً بكِ يا آنسة فاطمة." قال بصوتٍ عميقٍ ورصين. "السيد أحمد لم يتمكن من الحضور. لقد حدث أمرٌ مفاجئٌ جعله يعتذر عن اللقاء."
"اعتذر؟" تساءلت فاطمة، وشعرت بخيبة أملٍ تلف روحها. "ما هو الأمر؟ وهل هو بخير؟"
ابتسم السيد فؤاد ابتسامةً خفيفة، لم تصل إلى عينيه. "الأمر بسيطٌ، فلا تقلقي. هو مجرد سفرٍ ضروريٍ اضطر للقيام به بشكلٍ عاجل. ولكنه أرسلني نيابةً عنه، وأوصاني بأن أقول لكِ شيئاً بالغ الأهمية."
اقترب منها خطوةً أخرى، وكان بإمكانها أن تشعر بحرارةٍ خفيةٍ تنبعث منه. "لقد أوصاني بأن أؤكد لكِ أن والدكِ كان يعرف ما يفعله. وأن كل ما ترك وراءه، وكل ما كان يسعى إليه، كان لديه هدفٌ نبيل. وأنه لا يزال هناك أملٌ كبيرٌ في إظهار الحقيقة."
كلماته كانت كالألغاز، تزيدها حيرةً ولا تجيب على تساؤلاتها. "حقيقة ماذا؟ وما هو الهدف النبيل؟" سألت فاطمة، محاولةً استجماع شجاعتها. "لقد اختفى والدي، وأنا أريد أن أعرف أين هو، ولماذا اختفى."
نظر السيد فؤاد إلى السماء، ثم عاد ونظر إليها. "الصبر يا آنسة فاطمة. الصبر هو مفتاح الحكمة. والدكِ كان رجلاً حكيماً، وقد خطط لكل شيءٍ بعناية. لا تدعي القلق يسيطر عليكِ. ثقي بأن الحقيقة ستظهر، وأن العدالة ستتحقق."
ثم أخرج من جيب سترته ظرفاً أبيض اللون، وقدمه لها. "هذا أمانةٌ من السيد أحمد. لقد طلب مني أن أسلمكِ إياه بنفسي، وأن أطلب منكِ أن تفتحيه فقط عندما تكونين وحدكِ، وعندما تكونين مستعدةً لسماع ما فيه."
أخذت فاطمة الظرف بيدين مرتعشتين. كان ملمسه ناعماً، وثقيلاً بعض الشيء. شعرت بوجود شيءٍ بداخله، شيءٌ قد يغير مجرى حياتها.
"شكراً لك يا سيد فؤاد." قالت بصوتٍ خافت. "ولكن..."
قاطعها السيد فؤاد بكلمةٍ أخيرة: "لا تقلقي. كل شيءٍ سيكون على ما يرام. والدكِ كان رجلاً عظيماً، وسيتم تذكر إرثه بالخير. اطمئني."
ثم استدار وانصرف بنفس الهدوء الذي جاء به، تاركاً فاطمة وحدها تحت قمرٍ خجول، والظرف الأبيض في يدها، يحمل بداخله ما لا تعلم. كانت ليلةً مليئةً بالأسئلة، ليلةً فتحت باباً جديداً أمامها، بابٌ يقودها إلى عوالم أكثر غموضاً، ولكنها تحمل في طياتها وعداً بالكشف عن الحقيقة.