البحث عن الكنز المفقود
الفصل 18 — في عمق الغابة المنسية
بقلم نور الدين
الفصل 18 — في عمق الغابة المنسية
تسللت نسمات الفجر الأولى، تحمل معها رطوبة الأرض وعبق أوراق الشجر. كان يوسف والأستاذ أحمد يستعدان لرحلتهما. حقائبهما كانت جاهزة، تحتوي على أدوات البحث، وبعض المؤن، وخريطة قديمة للمنطقة تم الحصول عليها من أرشيف البلدية. كانت جدة يوسف، السيدة فاطمة، قد ودعتهما بقلبٍ يغمره الدعاء، ووعدتهما بأن تكون في انتظارهما عند عودتهما.
"تذكروا،" قالت السيدة فاطمة بصوتٍ مرتجف قليلاً، "الطبيعة لها لغاتها الخاصة. استمعوا إليها جيداً. والأهم من ذلك، حافظوا على بعضكم البعض."
قاد يوسف السيارة على الطريق المعبّد الذي سرعان ما تحول إلى طريقٍ ترابي وعر. تضاءلت المباني والقرى خلفهم، ليحل محلها اللون الأخضر الداكن للغابة الكثيفة. كان الهواء يزداد نقاءً، ممزوجاً برائحة الصنوبر والأرض الرطبة.
"هل أنت متأكد من الطريق يا يوسف؟" سأل الأستاذ أحمد، وهو ينظر إلى الأوراق المتناثرة على لوحة القيادة.
"جدتي وصفت لي الطريق،" أجاب يوسف، "قالت إنه يمر عبر غابةٍ كثيفة، وأننا سنحتاج إلى السير على الأقدام في الجزء الأخير. يبدو أننا نقترب."
بعد ساعةٍ تقريباً، توقفت السيارة عند حافة الغابة. كان المشهد مهيباً. أشجارٌ باسقةٌ جداً، متشابكة الأغصان، تحجب أشعة الشمس، وتخلق جواً من الغموض والهدوء. بدت الغابة وكأنها بوابة إلى عالمٍ آخر، عالمٍ لم تطأه قدم إنسان منذ قرون.
"هنا يبدأ المشي،" قال يوسف، وهو يرتدي حقيبة ظهره. "القلادة معك يا أستاذ؟"
"بالتأكيد،" أجاب الأستاذ أحمد، وهو يضع القلادة في جيبٍ آمن. "إنها دليلنا."
بدأ الاثنان رحلتهما في عمق الغابة. كان المسار غير واضح، أحياناً بالكاد يمكن تمييزه. كانت أصوات الطبيعة وحدها تكسر الصمت: زقزقة العصافير، حفيف الأوراق، وصوت خطواتهم على الأرض. كان يوسف يشعر بشيءٍ من الرهبة، ممزوجاً بشعورٍ غريب بالانتماء. وكأن روحه تتذكر هذا المكان.
"أتذكر أن جدتك ذكرت أشجاراً قديمة،" قال الأستاذ أحمد، وهو يتفحص الأشجار المحيطة بهم. "انظر إلى هذه الشجرة هنا، تبدو وكأنها تعيش منذ مئات السنين."
كانت الشجرة ضخمة، جذعها سميك، وفروعها ممتدة كأذرع عملاقة. بدا وكأنها تحتضن الغابة كلها.
"ما الذي تريده منا هذه الغابة؟" تساءل يوسف بصوتٍ مسموع.
"ربما لا تريد منا شيئاً، يا بني،" أجاب الأستاذ أحمد بهدوء. "ربما هي مجرد شاهدة على الزمن. علينا أن نكون نحن من يفهم لغتها."
كانت الرحلة شاقة. اضطروا إلى تجاوز جذوع الأشجار المتساقطة، والتسلق فوق الصخور المغطاة بالطحالب. كان العرق يتصبب منهم، ولكن عزيمتهم لم تفتر. كانوا يعلمون أنهم يقتربون من هدفهم.
"أعتقد أننا على المسار الصحيح،" قال يوسف، وهو يشير إلى رمزٍ محفورٍ على حجرٍ كبيرٍ عند طرف المسار. كان الرمز يشبه سهماً يشير إلى الأمام، وكان مطابقاً لأحد الرموز التي رأوها في المخطوطة.
"ممتاز!" قال الأستاذ أحمد، "هذا يؤكد أننا نسير في الاتجاه الصحيح. يبدو أن جدي ترك علاماتٍ لنا."
بعد بضع ساعاتٍ أخرى من المشي، بدأت الغابة تخف تدريجياً. ظهرت شجرةٌ من بين الأشجار، تبدو وكأنها تزرع عمداً، وكانت تحمل علامةً غريبة: دائرةٌ محاطةٌ بنقاطٍ صغيرة، تشبه الشمس مع أشعتها.
"هذه علامة أخرى!" قال يوسف. "إنها نفس العلامة التي رأيناها في المخطوطة، والتي ربطناها بالشمس."
"يبدو أن جدي كان ذكياً جداً في إخفاء مساره،" قال الأستاذ أحمد. "لقد استخدم الطبيعة نفسها لتوجيهنا."
بدأوا يشعرون بتغيرٍ في الأرض. أصبحت صاعدة، مما يشير إلى أنهم يقتربون من تلة. كان الهواء أكثر برودة، وسمعوا صوت رياحٍ أقوى.
"هناك!" قال يوسف فجأة، وهو يشير إلى الأمام. "أرى شيئاً!"
كانت هناك فتحةٌ بين الأشجار، تطل على مساحةٍ مفتوحة. وعندما تقدموا، رأوا ما بدا وكأنه بقايا بناءٍ قديم. جدرانٌ حجريةٌ متداعية، وأعمدةٌ مكسورة، تتناثر على قمة تلةٍ تطل على الوادي. كان المكان مهيباً، وصامتاً، وكأنه يحمل أسرار قرونٍ مضت.
"هذا هو 'مرصد القمر'!" قال الأستاذ أحمد، وعيناه تلمعان بالرهبة والإعجاب. "لقد وصلنا."
وقفوا في وسط الآثار، ينظرون حولهم. كان المكان يبدو وكأنه تحفة هندسية قديمة. كانت الحجارة الكبيرة مصفوفة بدقة، وكأنها تشكل دائرةً واسعة. وفي وسط الدائرة، كان هناك حجرٌ كبيرٌ مسطح، عليه نقوشٌ غريبة.
"هذه النقوش..." قال يوسف، وهو يقترب من الحجر. "إنها تشبه النقوش الموجودة في المخطوطة. ولكنها أكثر تعقيداً."
"نعم،" قال الأستاذ أحمد، وهو يضع القلادة على الحجر. "انظر، عندما وضعت القلادة هنا، بدأت النقوش تتوهج قليلاً. وكأنها تستجيب لها."
بدأ الأستاذ أحمد في التقاط صور للنقوش، ودراسة الحجر من كل الزوايا. كان يشعر بأنهم على وشك كشف لغزٍ كبير.
"ما الذي تعتقد أننا سنكتشفه هنا؟" سأل يوسف.
"لا أعرف بالضبط،" أجاب الأستاذ أحمد. "ولكنني أشعر أن هذا المكان له ارتباطٌ وثيقٌ بالكنز. ربما يكون الكنز نفسه هنا، أو ربما هو مفتاحٌ لمكانٍ آخر."
نظر يوسف إلى السماء. كانت الغيوم قد بدأت تتجمع، وكان ضوء الشمس يخفت. "ليلة اكتمال القمر تبدأ قريباً. يجب أن نكون مستعدين."
كانت الغابة المحيطة بهم قد بدأت تنام. ساد الصمت، ولم يبق سوى صوت الرياح وهي تهمس بين بقايا المرصد. شعر يوسف بمسؤوليةٍ كبيرة، وشوقٍ لا يوصف لاكتشاف ما تخفيه هذه الآثار القديمة. لقد اجتازوا الغابة المنسية، ووقفوا على أعتاب مرحلةٍ جديدة من رحلتهم.