صدى الأيام الخوالي
الفصل 18 — الحارس والأسرار المخبأة
بقلم رنا الطاهر
الفصل 18 — الحارس والأسرار المخبأة
نظر أحمد إلى الرجل العجوز، وفضوله يتزايد. كان الرجل يبدو صادقاً، ولكن في عالم مليء بالألغاز، كان الحذر ضرورياً. "كيف عرفت أننا سنأتي؟" سأل أحمد.
ابتسم الرجل العجوز ابتسامة خفيفة. "يوسف، عندما كان يرحل، ترك لي رسالة. قال لي فيها إن عائلته قد تأتي يوماً ما، للبحث عن الحقيقة. وأمرني بأن أقدم لهم المساعدة، إذا تأكدت من صدق نيتهم. وقد رأيت في عيونكم الصدق، والحزن الذي يخفيه البحث عن مفقود."
"إذن، أنت تعرف ما حدث له؟" سأل الأستاذ فؤاد، والأمل يغمر صوته.
"أعرف جزءاً منه،" أجاب الرجل. "كنت قريباً من يوسف ولينا. لقد عانوا كثيراً. كانت تلك الصفقة التي تحدث عنها يوسف، هي نقطة التحول. لقد تورط في أمر كبير، بدافع الرغبة في إثبات نفسه، وربما بدافع الحاجة للمال."
"أي صفقة؟" سأل أحمد.
"كانت صفقة عقارات،" بدأ الرجل العجوز يشرح. "اشترى يوسف أرضاً كبيرة، بسعر مغرٍ جداً. كان يعتقد أنها فرصة العمر. لكنه لم يعلم أن الأرض كانت مملوكة لأشخاص مشبوهين، وأن الصفقة كانت في الأصل احتيالاً. لينا، كانت تعرف بأمرهم، وحاولت تحذيره، لكنه لم يستمع. كان يثق بهم، وكانوا قد وعدوه بالكثير من الأرباح."
"وهل نجح في بيعها؟" سألت ليلى.
"لا،" قال الرجل. "لقد اكتشف الحقيقة قبل فوات الأوان. حاول استعادة أمواله، لكنهم رفضوا. بل وهددوه. لقد وجد نفسه في مأزق كبير. كان قد وعد والده، الأستاذ فؤاد، بأنه سيحقق نجاحاً عظيماً، وأن المال الذي استثمره لن يضيع. كان يريد أن يفخر به والده."
"كانت لينا تحاول مساعدته،" تابع الرجل. "كانت لديها علاقات، وكانت تعرف بعض الأشخاص الذين يمكنهم المساعدة. لكنهم كانوا يخشون هؤلاء الأشخاص المشبوهين. وربما، كانت لينا نفسها في خطر."
"وماذا عن الرسالة الأخيرة؟ 'آسفة، لم أعد أستطيع'؟" سأل أحمد، وقلبه يعتصره الألم.
"لقد اضطرت لينا للرحيل،" قال الرجل بصوت حزين. "لقد هددها أولئك الأشخاص، لكي تبتعد عن يوسف، ولتمنعه من كشفهم. لم يكن أمامها خيار سوى الاختفاء. لقد تركت له تلك الرسالة، وهي تعلم أنها ستؤلمه، لكنها كانت تحميه. أما الصندوق الذي تحدثت عنه، فقد خبأته لها قبل أن ترحل. لقد أردت أن تحتفظ ببعض الذكريات."
"أين هذا الصندوق؟" سأل أحمد.
"إنه هنا،" قال الرجل، وأشار إلى كهف صغير، يقع على جانب التل. "لقد رأيته بالأمس، وكنت أنتظرك. تفضلوا."
تبعوه إلى الكهف. كان بارداً ورطباً. في زاوية الكهف، وجدوا صندوقاً خشبياً أكبر حجماً من الأول، مزخرفاً بنقوش جميلة. فتحه الرجل العجوز.
كان بداخله العديد من الأشياء: مجلدات مليئة بالأوراق، رسائل أخرى، وبعض المقتنيات الشخصية. كانت هناك صور ليوسف ولينا، سعيدة، تحت شجرة الزيتون. كانت هناك أيضاً رسالة أخيرة، بخط يد يوسف، موجهة إلى والده.
"أبي العزيز،" قرأ أحمد بصوت مرتجف. "إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد موجوداً. أرجو أن تسامحني. لقد أخطأت كثيراً. لقد تورطت في أمر لا قبل لي به. حاولت تصحيح أخطائي، لكنني لم أفلح. لقد خسرت كل شيء، خسرت لينا، وخسرت ثقتك. ولكنني لم أخسر حبك، ولم أخسر ذكرى الأيام الجميلة التي قضيتها معكم. أرجو أن تعتني بأحمد وليلى. وأن تعلموا أنني أحببتكم دائماً، حتى في أشد لحظات ضعفي."
توقف أحمد عن القراءة، ودموعه تنهمر. الأستاذ فؤاد كان يقف بصمت، وجهه شاحب، وعيناه مليئتان بالحزن. ليلى كانت تبكي بهدوء.
"لقد اختفى يوسف بعد أن كتب هذه الرسالة،" قال الرجل العجوز. "لم نعرف مصيره. بعض الناس يقولون إنه سافر بعيداً، وبعضهم يقول إنه اختفى في ظروف غامضة. كل ما أعرفه، أنه لم يعد هنا. لقد كان رجلاً طيباً، لكنه كان ضعيفاً أمام بعض إغراءات الحياة."
"وهل كان هناك ما يمكن فعله؟" سأل أحمد، وعيناه مليئة بالأسى.
"كان بالإمكان لو أنه استمع إلى لينا،" قال الرجل. "لكنه لم يفعل. في بعض الأحيان، تكون القرارات المتسرعة، والرغبة في إثبات الذات، هي السبب في ضياعنا. لكن المهم الآن، هو أن تتعلموا من قصته. وأن تحافظوا على ما تبقى لكم."
نظر أحمد إلى الصور. كان يوسف في شبابه، قوياً، مليئاً بالحياة. ثم رأى صورة ليوسف ولينا، وهما يبتسمان، تحت شجرة الزيتون. كانت تلك اللحظات الجميلة، هي كل ما تبقى لهما.
"شكراً لك، أيها الحارس،" قال أحمد. "لقد كشفت لنا عن الكثير. الآن، على الأقل، نعرف الحقيقة."
"ليس كل الحقيقة،" قال الرجل العجوز. "فبعض الأسرار، قد لا تُكشف أبداً. لكن الأهم، هو أن تجدوا السلام في قلوبكم. وأن تتذكروا يوسف، ليس كشخص أخطأ، بل كشخص أحب، وعانى، وحاول. وأن تتذكروا لينا، الفتاة التي ضحت بالكثير من أجله."
شعر أحمد بثقل جديد على قلبه. لقد وجد الحقيقة، لكنها كانت حقيقة مؤلمة. لقد فهم الآن لماذا كان عمته يوسف يبحث عن الراحة في هذه الأرض المهجورة. كانت تحمل ذكريات الحب، والأمل، والخسارة.