صدى الأيام الخوالي

الفصل 2 — همسات الماضي في أروقة المنزل

بقلم رنا الطاهر

الفصل 2 — همسات الماضي في أروقة المنزل

تسلل ضوء القمر الفضي عبر نوافذ المنزل العتيق، يرسم ظلالاً متراقصة على الجدران. قضت "ليلى" ليلتها الأولى في منزل جدتها، لا نوم يغشاها، بل يقظة متواصلة، تتخللها أفكار تتسابق في عقلها. كانت الرسائل والدفتر المليء بالرموز بين يديها، كأنها مفاتيح لعالم مجهول.

في الصباح الباكر، استيقظت على صوت زقزقة العصافير، وصوت الحاج محمود وهو يتلو آيات من القرآن الكريم بصوت خفيض. شعرت ببعض الهدوء يعود إلى روحها، ولكن فضولها لم يخمد.

بعد أن تناولت إفطاراً بسيطاً أعده لها الحاج محمود، طلبت منه أن يدلّها على الأماكن التي كانت جدتها تحب الجلوس فيها، أو الأماكن التي قد تكون احتفظت فيها بأشياء أخرى.

"كانت السيدة أمينة تحب الجلوس في هذه الشرفة المطلة على الحديقة،" قال الحاج محمود وهو يشير إلى شرفة واسعة مليئة بالنباتات الخضراء. "وكانت تقضي ساعات طويلة تقرأ هنا، أو تتأمل. كما كانت تحب المكتبة الصغيرة في الطابق العلوي."

صعدت "ليلى" إلى الشرفة. الهواء كان منعشاً، ورائحة الزهور تملأ المكان. جلست على كرسي خشبي قديم، تضع الدفتر بين يديها. بدأت تقارن الرموز الموجودة في الدفتر مع الأشياء المحيطة بها. هل كانت هناك إشارة ما في النباتات؟ في طريقة ترتيب الأثاث؟

تصفحت الدفتر مرة أخرى. كانت هناك صورة صغيرة مرسومة، لزهرة لم تعرفها. تحتها، كُتب اسم بحرف "م". ثم رمز يشبه قلباً مكسوراً. بجانبه، تاريخ.

"ماذا يمكن أن يعني هذا؟" تساءلت بصوت عالٍ.

سمعها الحاج محمود، الذي كان يقوم ببعض الأعمال في الحديقة. "هل تبحثين عن شيء يا ابنتي؟"

"نعم يا حاج محمود. هذه الزهرة... هل رأيتها من قبل؟"

نظر الحاج محمود إلى الصورة في دفترها. "آه، هذه 'زهرة الحب الأبدي'. كانت تنمو بكثرة في حديقة المنزل قبل سنوات طويلة. ولكنها اختفت مع الزمن. كانت السيدة أمينة تحبها كثيراً."

"هل تعرف من كان يزرعها؟ أو من كان يحبها؟" سألت "ليلى" وهي تشعر بأن خيطاً رفيعاً بدأ يتكشف.

تردد الحاج محمود قليلاً. "كان هناك شاب، كان يعيش في الحي المجاور. اسمه 'مراد'. كان يحب السيدة أمينة كثيراً، ويعتبرها كأخته الكبرى. وكان دائماً يحضر لها هذه الزهرة."

"مراد؟" كررت "ليلى" الاسم. "وهل ما زال يعيش هنا؟"

"لا أعتقد ذلك. لقد سافر منذ زمن بعيد، بعد أن حدث شيء ما... شيء جعل الجميع يحزنون."

"ما هو هذا الشيء؟" سألت "ليلى" بشغف.

"لا أعرف التفاصيل الدقيقة،" قال الحاج محمود وهو يهز رأسه بحزن. "كانت تلك الأيام مليئة بالأحزان. ولكنني أتذكر أن السيدة أمينة كانت حزينة جداً في تلك الفترة. وكأنها فقدت شيئاً عزيزاً."

شعرت "ليلى" بأن هذه المعلومات تفتح أمامها باباً جديداً. "زهرة الحب الأبدي"، "مراد"، "حزن". كل هذه الكلمات كانت تتشابك في ذهنها.

قررت أن تذهب إلى المكتبة. صعدت الدرج الخشبي الذي كان يصدر صريراً خفيفاً مع كل خطوة. المكتبة كانت صغيرة، لكنها مليئة بالكتب القديمة. رائحة الورق والجلد كانت أقوى هنا. رفوف خشبية عالية، ممتلئة بالكتب من الأرض إلى السقف.

بدأت "ليلى" تتفحص الكتب. كانت هناك كتب في الأدب، والتاريخ، والدين. ولكن ما لفت انتباهها هو قسم صغير من الكتب يبدو مختلفاً. كانت هناك مجلدات جلدية قديمة، مكتوبة بلغة لم تعرفها، وتحتوي على رسومات غريبة.

ثم وجدت شيئاً آخر. كتاب صغير، بغلاف جلدي، يبدو أنه لم يُفتح منذ زمن طويل. حملت "ليلى" الكتاب، وشعرت بأنه ثقيل. فتحته بحذر. كان يحتوي على قصائد. قصائد حب، وقصائد حزن، وقصائد عن الطبيعة. بدا أن كاتبها شاب، يمتلك قلباً مرهفاً.

في الصفحة الأولى، كان هناك اسم مكتوب بخط جميل: "إلى حبيبتي أمينة، من مراد".

"مراد!" صاحت "ليلى" بصوت خافت. كان هذا هو مراد الذي تحدث عنه الحاج محمود.

بدأت تقرأ القصائد. كانت مليئة بالشوق، والألم، والحب العميق. كان يصف فيها جمال أمينة، وذكرياتهما معاً. في إحدى القصائد، كان يصف زهرة الحب الأبدي، وكيف أنها رمز لحبهما.

"يا زهرة الأبد، يا سرّ قلبي،" قرأت "ليلى" بصوت مرتجف. "في عينيكِ أرى الدنيا، وفي عينيكِ يكمن قدري. وعدٌ قطعناه تحت سماء العشق، أن نبقى معاً، حتى لو فرقتنا الأقدار."

شعرت "ليلى" بأنها بدأت تفهم. جدتها "أمينة" كانت تحب هذا الشاب "مراد". ولكن ماذا حدث؟ ولماذا اختفت الزهرة؟ ولماذا يبدو أن هناك حزناً دفينًا في حياة جدتها؟

في نهاية الكتاب، وجدت ورقة مطوية. فتحتها. كانت رسالة أخرى، ولكنها هذه المكتوبة بخط مختلف، يبدو أنه أكثر خشونة.

"أمينة،" بدأت الرسالة. "لقد اتخذت قراراً. يجب أن نبتعد. هذه العلاقة لن تجلب لنا إلا الألم. أرجوكِ، انسي كل شيء. وابحثي عن السعادة في طريق آخر. هذه نصيحة من شخص يحبكِ، ويريد لكِ الخير."

لم يكن هناك توقيع.

شعرت "ليلى" ببرودة تسري في عروقها. من كتب هذه الرسالة؟ ولماذا أراد أن يفصل بين أمينة ومراد؟ هل كان هذا هو السبب في رحيل مراد وحزن جدتها؟

عادت إلى الدفتر الغامض. بدأت تبحث عن أي إشارة تتعلق بـ "مراد" أو "أمينة" أو "زهرة الحب الأبدي". وجدت رمزاً آخر، يشبه مفتاحاً. تحته، كُتب اسم "فاطمة".

"من هي فاطمة؟" تساءلت.

نزلت "ليلى" إلى الحديقة، بحثاً عن أي شيء قد يساعدها. نظرت حولها، تحاول أن تتذكر شكل الزهرة التي رسمتها جدتها.

"الحاج محمود،" قالت له بصوت جاد. "هل كانت جدتي تحتفظ بشيء يتعلق بـ 'مراد'؟ ربما صور، أو مقتنيات؟"

فكر الحاج محمود قليلاً. "نعم. لقد رأيت صندوقاً صغيراً، كانت تحتفظ به جدتكِ دائماً في خزانة ملابسها. قالت إنه يحمل ذكريات عزيزة."

أسرعت "ليلى" إلى غرفة نوم جدتها، وفتحت الخزانة. وجدت الصندوق. كان أصغر من الأول، ومغلقاً بقفل صغير. بحثت عن المفتاح، فوجدته مخبأً في علبة صغيرة بجانب الصندوق.

فتحت الصندوق. بداخله، وجدت مجموعة من الصور القديمة، ورسالة أخرى. كانت الصور لأمينة وهي شابة، تبدو سعيدة جداً. وهناك صور لها مع شاب وسيم، يبدو أنه "مراد". في إحدى الصور، كانا يقفان بجوار شجيرة مليئة بالزهور المتشابهة لزهرة الحب الأبدي.

الرسالة كانت موجهة إلى "ابنتي الغالية ليلى".

"ليلى حبيبتي،" بدأت الرسالة. "إذا كنتِ تقرأين هذا، فمعنى ذلك أنكِ قد اكتشفتِ بعض خيوط ماضينا. مراد كان حب حياتي الأول، ولكن القدر فرق بيننا. كانت هناك ظروف قاهرة، وضغوط عائلية، أجبرتني على الابتعاد عنه. لقد تألمت كثيراً، ولكنني اخترت أن أعيش حياتي، وأن أبني أسرة. ولكنني لم أنس مراد أبداً. تركت لكِ هذا الصندوق، لأنه يحمل ذكريات تلك الأيام الجميلة، وحقيقة ما حدث. أما اسم 'فاطمة' الذي وجدته في الدفتر، فهي أختي الصغرى، التي كانت تعرف بكل شيء، وكانت سنداً لي في تلك الأوقات الصعبة. ابحثي عنها، ربما تعرف المزيد."

انتهت الرسالة. نظرت "ليلى" إلى صورة لها مع مراد، كانا يبتسمان بحب. شعرت بقلبها يمتلئ بالحزن والغضب في آن واحد. لقد عاشت جدتها حياة مليئة بالألم، ولم تكن "ليلى" تعرف شيئاً عن ذلك.

"أختها فاطمة..." كررت "ليلى". "يجب أن أجدها."

"الفصل 2"

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%