صدى الأيام الخوالي
الفصل 24 — رحلة إلى المجهول
بقلم رنا الطاهر
الفصل 24 — رحلة إلى المجهول
كانت رحلةً حافلةً بالترقب والقلق. اجتمع سليمان والعم أحمد وفاطمة في سيارةٍ قديمةٍ استأجرها سليمان، وانطلقوا بها عبر الطرق الريفية المظلمة. كانت فاطمة تجلس في المقعد الخلفي، تمسك بالعلبة المعدنية الصغيرة بين يديها، وتشعر بدفءٍ غريبٍ ينبعث منها. كان هذا الدفء ليس مجرد حرارة، بل كان أشبه بنبضٍ خافت، كأن الحجر بداخله يحمل حياةً خاصة.
"إلى أين نحن ذاهبون؟" سألت فاطمة، محاولةً كسر حاجز الصمت.
"إلى مكانٍ آمن." أجاب سليمان، دون أن يلفت نظره عن الطريق. "إنه بيتٌ قديمٌ في الجبال، بعيدٌ عن أعين المتطفلين. لقد استخدمته من قبل للاختباء. إنه مكانٌ لا يعرفه الكثيرون."
"وهل أنت متأكدٌ من أن هذا المكان سيكون آمنًا؟" سأل العم أحمد، ونبرة القلق لا تزال واضحةً في صوته.
"نحن نفعل ما بوسعنا. المهم الآن هو أن نحمي هذا الشيء." قال سليمان، مشيرًا إلى العلبة التي تحملها فاطمة. "لقد تأخرنا كثيرًا في كشف الحقيقة. والآن، علينا أن نضمن ألا يقع هذا في الأيدي الخطأ."
تحدث سليمان عن والد فاطمة، وعن علاقته الوثيقة بـ "عادل". كشف عن أن والد فاطمة، واسمه الحقيقي أحمد، كان مهندسًا طموحًا، لديه أفكارٌ ثوريةٌ لتطوير الزراعة باستخدام تقنياتٍ جديدة. أما "عادل"، فكان عالمًا بارعًا في مجال الطاقة، يعمل على استخلاص طاقةٍ نظيفةٍ من مصادر طبيعيةٍ غير تقليدية.
"لقد كانا يؤمنان بأن هذا الابتكار يمكن أن يغير العالم للأفضل، ويجعل الحياة أسهل للجميع." قال سليمان. "لكن هناك بعض الشركات الكبرى، وبعض الأشخاص ذوي النفوذ، الذين رأوا في هذا الابتكار تهديدًا لمصالحهم. كانوا يريدون سرقة هذا الاختراع، أو تدميره."
"وهذا الحجر... هل هو مصدر هذه الطاقة؟" سألت فاطمة.
"نعم. إنه بلورةٌ نادرةٌ جدًا، تحتوي على كميةٍ هائلةٍ من الطاقة الكامنة. 'عادل' اكتشف طريقةً لاستخلاص هذه الطاقة بطريقةٍ آمنةٍ وفعالة. لقد كانا في المراحل الأخيرة من تطوير الجهاز الذي يستخدم هذه الطاقة، عندما حدث ما حدث." قال سليمان. "تم اختطاف أحمد، واضطر 'عادل' إلى الفرار. أما سارة، فقد حاولت حماية ما تبقى من عملهما."
"والجدة سارة، كيف حصلت على هذا الحجر؟" سألت فاطمة.
"لقد أعطاها 'عادل' إياه قبل أن يختفي. طلب منها أن تخفيه جيدًا، وأن تنتظر حتى يحين الوقت المناسب. وقد فعلت سارة ذلك، لكنها لم تستطع إخفاء كل شيء. تركت وراءها بعض الأدلة، والتي استمرت في البحث عنها." قال سليمان. "وأنا، كنت شاهدًا على جزءٍ من هذه القصة، وكنت أحاول دائمًا أن أفهم ما حدث."
تحدث العم أحمد عن مخاوفه، وعن مسؤولياته تجاه فاطمة. كان يشعر بثقلٍ كبيرٍ على كتفيه، فهو لم يكن يعرف شيئًا عن هذا العالم السري الذي كان والد فاطمة جزءًا منه.
"كنت أظن أن اختفاء أخي كان مجرد حادثٍ مؤسف. لم أتخيل أبدًا أن هناك كل هذه القوى الخفية تعمل في الظلام." قال العم أحمد، بصوتٍ متعب.
"الحقيقة غالبًا ما تكون مؤلمة، يا عم أحمد." قال سليمان. "لكنها الحقيقة. والآن، علينا أن نواجهها."
استمرت الرحلة لساعات. كلما ابتعدوا عن القرية، شعروا بشيءٍ من الأمان، لكن هذا الأمان كان ممزوجًا بشعورٍ متزايدٍ بالغموض. كانت الجبال المحيطة بهم تبدو كحراسٍ صامتين، تحمل أسرارًا قديمة.
عندما وصلوا أخيرًا إلى وجهتهم، كانت السماء قد امتلأت بالنجوم. كان البيت الذي وصفه سليمان قديمًا بالفعل، لكنه كان نظيفًا ومرتبًا. كان أشبه بمنزلٍ ريفيٍ بسيط، لكنه يقع في مكانٍ منعزلٍ تمامًا.
"هنا سنكون آمنين، على الأقل في الوقت الحالي." قال سليمان، وهو يفتح الباب.
داخل البيت، أشعل سليمان بعض المصابيح الزيتية، مما أضفى على المكان جوًا دافئًا وهادئًا. وضعوا الصندوق الخشبي والوثائق على طاولةٍ في وسط الغرفة. أما فاطمة، فقد وضعت العلبة التي تحتوي على الحجر المتوهج بعنايةٍ على الرف، وشعرت بأنها تودعه لبعض الوقت.
"ماذا سنفعل الآن؟" سألت فاطمة، وهي تنظر إلى والدها وعمها.
"سنفكر. سنراجع كل هذه الوثائق. علينا أن نفهم كل شيءٍ قبل أن نتخذ أي خطوةٍ أخرى." قال العم أحمد. "وعلينا أن نكون حذرين. فمن الواضح أن هناك من لا يريد لهذه الحقائق أن تظهر."
قضوا الليلة في البيت الجبلي، يراجعون الوثائق القديمة. كانت هناك رسوماتٌ هندسيةٌ لوالد فاطمة، وحساباتٌ فيزيائيةٌ لـ "عادل"، بالإضافة إلى رسائلٌ متبادلةٌ بينهما. كل وثيقةٍ كانت تكشف عن جزءٍ جديدٍ من القصة، وعن مدى خطورة ما كانا يعملان عليه.
لاحظت فاطمة في إحدى الرسائل أن والدها كان يذكر دائمًا اسم "البروفيسور منصور".
"من هو البروفيسور منصور؟" سألت فاطمة، وهي تشير إلى الرسالة.
"آه، البروفيسور منصور." قال سليمان، وعيناه تلمعان ببعض الخوف. "لقد كان المشرف على مشروع والدك و'عادل'. كان رجلًا ذكيًا، لكنه كان طموحًا بشكلٍ خطير. أعتقد أنه هو من حاول سرقة اختراعهما."
"هل تعتقد أنه ما زال على قيد الحياة؟" سأل العم أحمد.
"لا أعرف. لقد اختفى بعد اختطاف أحمد. لكن من الواضح أن هناك من يحاول الآن إكمال عمله." قال سليمان. "وهذا ما يجعل الأمور أكثر خطورة."
مع بزوغ الفجر، شعر الجميع بالإرهاق، لكنهم شعروا أيضًا ببعض الأمل. لقد قطعوا شوطًا طويلاً في كشف الأسرار، لكن الطريق أمامهم كان لا يزال طويلاً ومليئًا بالمخاطر.
"علينا أن نجد طريقةً لاستخدام هذه الطاقة بشكلٍ صحيح." قال العم أحمد، وهو ينظر إلى الحجر المتوهج. "علينا أن نحقق حلم والدك و'عادل'."
"ولكن كيف؟" سألت فاطمة. "نحن لسنا علماء."
"لدينا الوثائق. ولدينا هذا الرجل." قال العم أحمد، مشيرًا إلى سليمان. "وسنلجأ إلى مساعدة آخرين إذا لزم الأمر. الأهم الآن هو أن نكون متحدين، وأن نثق ببعضنا البعض."
في تلك اللحظة، شعر سليمان بأن هناك شيئًا قد تغير. لقد كان يحمل عبء هذه الأسرار لفترةٍ طويلة، والآن، وجد شخصين آخرين على استعدادٍ لمواجهة هذا العبء معه.
"أنا مستعدٌ للمساعدة بكل ما أملك." قال سليمان، بنبرةٍ صادقة. "لقد حان الوقت لكي يعود نور هذا الابتكار إلى العالم، وليس ظلام المستغلين."
نظر الاثنان إلى فاطمة، ورأوا في عينيها بريقًا من التصميم. كانت رحلتها قد بدأت للتو، وكانت مستعدةً لمواجهة أي تحدٍ، من أجل استعادة إرث والدها، ومن أجل تحقيق مستقبلٍ أفضل.