صدى الأيام الخوالي
الفصل 3 — البحث عن فاطمة وعبق الذكريات
بقلم رنا الطاهر
الفصل 3 — البحث عن فاطمة وعبق الذكريات
انتقلت "ليلى" في اليوم التالي إلى البحث عن خالتها "فاطمة". علمت من الحاج محمود أن خالتها تعيش في قرية مجاورة، وأنها لم تزور جدتها منذ سنوات طويلة، ربما بسبب الخلاف الذي حدث في الماضي.
كانت الرحلة إلى القرية المجاورة هادئة، لكن عقل "ليلى" كان مشغولاً. كانت تفكر في جدتها، في حبها المفقود "مراد"، وفي الأسباب التي أدت إلى هذا الفراق. هل كانت مجرد ضغوط عائلية، أم كان هناك شيء أعمق؟
وصلت إلى القرية، وسألت عن منزل "فاطمة". قادتها امرأة طيبة القلب إلى بيت صغير، يقع في نهاية شارع هادئ، يزينه بعض الزهور الملونة. كانت "فاطمة" سيدة في عقدها السابع، تتمتع بملامح رقيقة، وعينين تحملان حكمة السنين.
عندما رأت "ليلى"، اندهشت. "ليلى؟ هل هذا أنتِ؟ يا إلهي، لقد كبرتِ كثيراً!"
عانقتها "فاطمة" بحرارة، وبدا عليها التأثر. "لقد سمعت بخبر وفاة أمينة. رحمها الله. كنت أتمنى أن أراها قبل أن ترحل."
جلست "ليلى" مع خالتها، وبدأت تحكي لها عن رحلتها، وعن الصناديق والرسائل التي وجدتها. كانت "فاطمة" تستمع باهتمام، وعيناها تلمعان بالدموع أحياناً.
"لقد عانت أمينة كثيراً،" قالت "فاطمة" بصوت خفيض. "لقد أحبّت مراد حباً عميقاً، ولكنهما كانا صغيرين، وكانت هناك ظروف لا يمكن تخيلها. عائلتنا كانت محافظة جداً في ذلك الوقت، ولم تكن لتسمح بمثل هذه العلاقة."
"لكن ما الذي حدث بالضبط؟" سألت "ليلى" بشغف. "من كتب الرسالة التي كانت تريد أن تفصل بينهما؟"
تنهدت "فاطمة". "كانت تلك الرسالة من والدنا. لقد كان صارماً جداً، ولم يكن يوافق على زواج أمينة من مراد. كان يعتقد أن مراد ليس من مستوانا الاجتماعي، وكان يريدها أن تتزوج من رجل آخر، رجل ثري، ومن عائلة مرموقة."
"ولكن جدتي لم تتزوج من هذا الرجل، أليس كذلك؟" سألت "ليلى".
"لا، لم تتزوجه. ولكنها اضطرت لقطع علاقتها بمراد. لقد كان الأمر مأساوياً. مراد لم يفهم لماذا ابتعدت عنه أمينة، واعتقد أنها لم تعد تحبه. لقد غادر القرية، ولم يعد إليه أبداً."
"وهل علمت جدتي بما حدث بعد ذلك؟"
"نعم. لقد أخبرتها أمنا، بعد زمن طويل، أن مراد قد رحل، وأنه قد تزوج من امرأة أخرى، وأنه يعيش بعيداً. لقد كسرت هذه الأخبار قلب أمينة. لقد عاشت بقية حياتها وهي تحمل هذا الحزن."
شعرت "ليلى" بالأسى الشديد على جدتها. لقد تحملت الكثير في صمت.
"هل تعرفين أين ذهب مراد؟" سألت "ليلى". "وهل ما زال على قيد الحياة؟"
"لا أعتقد ذلك. لقد مر زمن طويل جداً. كان مراد شاباً طيباً، وموهوباً. كان يحب الشعر، وكان يحلم بأن يصبح كاتباً. لقد احتفظت أمينة ببعض قصائده، وبعض رسائله."
"أين هي هذه الأشياء؟" سألت "ليلى".
"لقد أعطتني أمينة كل شيء يتعلق بمراد قبل أن تمرض. قالت إنها لا تستطيع الاحتفاظ بها بعد الآن، ولكنها تريد أن تبقى ذكرياته محفوظة. لقد احتفظت بها هنا، في هذا المنزل."
قادت "فاطمة" "ليلى" إلى غرفة أخرى. كانت الغرفة مليئة بالأثاث القديم، ولكنها كانت مرتبة ونظيفة. في أحد الأركان، كان هناك صندوق خشبي كبير.
"هذا هو الصندوق،" قالت "فاطمة". "لقد احتفظت به طوال هذه السنوات."
فتحت "فاطمة" الصندوق. بداخله، كانت هناك مجموعة كبيرة من الرسائل، وبعض القصائد المكتوبة بخط يد مراد. كانت هناك أيضاً صورة لمراد، يبدو فيها شاباً سعيداً.
"هذه قصائده التي كتبها عن زهرة الحب الأبدي،" قالت "فاطمة" وهي تتفحص الأوراق. "كان يحب هذه الزهرة كثيراً. لقد زرعها في حديقة منزلنا، وكانت جميلة جداً. ولكن بعد رحيله، ذبلت وماتت. وكأنها ماتت مع حبنا."
بدأت "ليلى" تقلب في الرسائل. كانت الرسائل مليئة بالشوق، والألم، والاعتذار. كان مراد يكتب لأمينة، يطلب منها أن تسامحه، وأن تفهم ظروفه. وفي إحدى الرسائل، كتب: "لقد علمت أن هناك من يريد أن يفصل بيننا. لا تصدقي ما يقولون. حبك هو كل ما أملك. أرجوكِ، لا تدعي أي شخص يفرق بيننا."
"ولكن جدتي لم تستلم هذه الرسالة، أليس كذلك؟" سألت "ليلى".
"لا،" قالت "فاطمة" بحزن. "لقد استلم والدي هذه الرسائل، وكان يخفيها عن أمينة. لقد كان يريدها أن تنسى مراد."
شعرت "ليلى" بالغضب. لم يكن والدها فقط هو السبب، بل والدتها أيضاً، التي كانت تخفي الحقائق.
"ولكن هناك شيء آخر،" قالت "فاطمة" بصوت خافت. "كانت هناك فتاة أخرى، كانت تحب مراد. اسمها 'ليلى' أيضاً. كان مراد يكتب لها أحياناً، ولكن ليس بنفس القدر الذي كتب به لأمينة. كانت هذه الفتاة، 'ليلى' الأخرى، تشعر بالغيرة، وكانت تريد أن تفصل بين مراد وأمينة."
"ليلى أخرى؟" سألت "ليلى" بدهشة. "هل تعرفين اسمها بالكامل؟"
"لا أتذكر اسمها بالكامل. ولكنني أتذكر أنها كانت من عائلة ثرية، وكانت تعيش في المدينة."
شعرت "ليلى" ببعض الارتباك. هل كانت هناك "ليلى" أخرى مرتبطة بحياة جدتها وحبها؟
"ولكن،" قالت "فاطمة" وهي تنظر إلى "ليلى" الحالية بعينين تحملان حزناً عميقاً. "لقد قمتِ أنتِ، يا ليلى، بفتح هذا الصندوق. لقد كنتِ دائماً قريبة من أمينة. ربما هذا هو القدر. ربما أنتِ جئتِ لتعرفي الحقيقة، ولتعيدي الأمل."
شعرت "ليلى" بمسؤولية كبيرة. لقد بدأت تفهم ماضي جدتها، ولكنها شعرت بأن هناك المزيد من الأسرار التي لم تُكشف بعد.
"هل كانت هناك أي أشياء أخرى في الدفتر الغامض؟" سألت "ليلى". "الذي وجدته في منزل جدتي."
"نعم،" قالت "فاطمة". "كانت أمينة تحتفظ بدفتر، كانت تكتب فيه ملاحظاتها، وبعض الأفكار. ربما يكون هو الدفتر الذي تتحدثين عنه. لقد أعطتني إياه لكي أحفظه، ولكنني نسيته في مكان ما."
"أين هو؟" سألت "ليلى" بشغف.
"لا أتذكر بالضبط. ربما يكون في غرفة علوية، في أحد الصناديق القديمة."
بدأت "ليلى" وفاطمة في البحث في الغرفة العلوية. كانت الغرفة مليئة بالغبار، وبقايا الذكريات. وبعد بحث طويل، وجدتا صندوقاً قديماً، بداخله، وجدتا الدفتر.
كان هو نفس الدفتر الذي وجدته "ليلى" في منزل جدتها. بدأت "ليلى" تقلب في الصفحات. كانت هناك ملاحظات عن حياتها، وعن ذكريات الطفولة. ولكن كان هناك أيضاً بعض الصفحات التي كانت مليئة بالرموز، والأسماء، والتواريخ.
"هذا هو الدفتر،" قالت "ليلى". "ولكنني لم أفهم معناه بالكامل."
نظرت "فاطمة" إلى الدفتر. "نعم، كانت أمينة تحب الألغاز. ربما تكون هذه رموزاً تشير إلى شيء ما."
"الفصل 3"