أشباح الماضي تهمس
الفصل 12 — لقاء تحت المطر
بقلم نور الدين
الفصل 12 — لقاء تحت المطر
كانت السماء تبكي. قطرات المطر الغزيرة تهطل على نوافذ المنزل، وترسم خطوطًا متعرجة على الزجاج، وكأنها دموع السماء تحاكي أحزان الأرض. جلست سارة في صالة المنزل، تحتضن صندوق جدتها الخشبي، وعقلها يسبح في بحر من الأسئلة. الرسائل والصور التي وجدتها في الغرفة المغلقة لم تكن كافية لفك شفرة الماضي، بل زادتها حيرة وتعقيدًا.
"تذكري تلك الأغنية التي كنا نغنيها معًا، تذكري تلك النجمة التي كنا نراقبها سويًا." كانت هذه الكلمات تدور في رأسها باستمرار. أي أغنية؟ أي نجمة؟ جدتها كانت تحب الأغاني الشعبية القديمة، وكانت تحب النظر إلى السماء ليلاً. ولكن هل كان هناك شيء محدد؟
تذكرت فجأة ليالي الصيف الهادئة، عندما كانت طفلة صغيرة، تجلس بجوار جدتها على شرفة المنزل. كانت جدتها غالبًا ما تغني لها أغنية قديمة بصوتها الحنون، أغنية عن الحب والوفاء، وعن فراق الأحبة. كانت تقول إنها أغنية والدتها المفضلة. وبدأت سارة تتذكر لحن الأغنية، وتتذكر بعض كلماتها: "يا نجمة في السماء، دليني على اللي راح..."
نجمة. الأغنية. لم يكن ذلك مجرد تذكر عابر، بل كان إحساسًا عميقًا بأن هذه هي الإشارة التي كانت جدتها تقصدها. لكن أين؟ وأين هذا المكان الآمن الذي تحدثت عنه؟
فجأة، رن جرس الباب. استيقظت سارة من شرودها. من عساهم أن يكونوا في مثل هذا الطقس؟ ذهبت لتفتح الباب، وكانت المفاجأة أكبر مما توقعت. وقف أمامها رجل في منتصف العمر، يبدو عليه الوقار، ويرتدي ملابس أنيقة، لكنها مبتلة بالكامل من المطر. كان وجهه مألوفًا بشكل غريب، وكأنه رأته في إحدى صور جدتها القديمة.
"مساء الخير." قال الرجل بصوت هادئ وعميق. "هل أنتِ سارة؟"
أومأت سارة برأسها، وما زالت تشعر بالدهشة. "نعم، أنا سارة. ومن أنت؟"
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، اختفت خلفها ملامح حزن عميق. "اسمي أحمد. كنت صديقًا لوالدتكِ، وزرت جدتكِ كثيرًا في الماضي. هل تسمحين لي بالدخول؟ يبدو أن المطر لن يتوقف قريبًا."
ترددت سارة قليلاً، لكن شيئًا في عينيه جعلها تشعر بالثقة. كان لديهما قواسم مشتركة، قاسم مشترك يتعلق بتاريخ عائلتها. فتحت الباب على مصراعيه. "تفضل، تفضل بالدخول."
دخل أحمد، وهو ينفض قطرات المطر عن ملابسه. "شكرًا لكِ. لم أكن أتوقع أن ألتقي بكِ بهذه الطريقة. كنت قادمًا لزيارة المكان، ولعلي أجد بعض الذكريات. سمعت أن جدتكِ قد رحلت، رحمها الله."
"نعم، قبل عدة أشهر." قالت سارة، وهي تقوده إلى غرفة المعيشة. "كنت أنا أيضًا أبحث عن بعض الذكريات، وربما عن إجابات."
جلس أحمد على الأريكة، ونظر حوله. "هذا المنزل يحمل الكثير من الذكريات. لقد قضيت فيه أيامًا جميلة مع والدتكِ وجدتكِ. كانت جدتكِ امرأة عظيمة، قوية وصبورة."
"ولكنها كانت تحمل الكثير من الأسرار." قالت سارة، ولم تستطع كبت ما في قلبها. "لقد وجدت بعض الأشياء، رسائل وصور... وشيء كتبته لي عن مكان آمن."
ارتعش وجه أحمد للحظة، ثم استعاد رباطة جأشه. "سر؟ أي سر؟"
بدأت سارة بسرد ما وجدته، عن الصندوق، وعن الرسائل، وعن كلمات جدتها الغامضة. كان أحمد يستمع بانتباه شديد، وعيناه مركزتان عليها. عندما انتهت، صمت لبرهة، ثم قال: "لقد عرفت والدتكِ منذ زمن طويل، وعرفت جدتكِ أيضًا. كانتا امرأتين طيبتين، ولكنهما مرتا بالكثير. ما وجدته هو جزء من ماضٍ معقد، يا سارة."
"ولكن ما هو هذا المكان الآمن؟ وماذا يجب أن أجد فيه؟" سألت سارة بلهفة.
أخذ أحمد نفساً عميقاً. "جدتكِ كانت دائمًا تحب الأماكن الهادئة، الأماكن التي تحمل معنى خاصًا لها. الأماكن التي ارتبطت بذكريات سعيدة. قلتِ لي إنها ذكرت أغنية عن نجمة، ونجمة تراقبونها سويًا. هل تتذكرين مكانًا معينًا كنتم تجلسون فيه لمراقبة النجوم؟"
فكرت سارة مليًا. كانت هناك عدة أماكن. الشرفة، الحديقة الخلفية، وأحيانًا كانت جدتها تأخذها إلى تلة صغيرة خارج المدينة، حيث يكون المنظر أروع. "التلة!" صاحت سارة. "لقد كانت جدتي تحب الذهاب إلى التلة، وتقول إنها أقرب إلى النجوم."
ابتسم أحمد. "أعتقد أن جدتكِ كانت تقصد التلة. لقد كانت مكانًا مفضلًا لوالدتكِ أيضًا. أتذكر أن والدتكِ كانت تحب زراعة بعض الزهور هناك، وكانت دائمًا تقول إنها ستكون تذكارًا جميلًا."
"زهور؟" سألت سارة.
"نعم، أعتقد أنها كانت تزرع زهور اللافندر. كانت رائحتها مميزة، وكانت دائمًا تملأ المكان بالهدوء."
اللافندر. رائحة اللافندر. فجأة، تذكرت سارة رائحة اللافندر التي كانت تفوح من خزانة جدتها، ومن بعض الوسائد القديمة. كانت جدتها تحب هذه الرائحة.
"أظن أننا يجب أن نذهب إلى التلة." قالت سارة بحزم. "الآن."
نظر أحمد إلى الخارج، حيث كان المطر لا يزال يهطل بغزارة. "ولكن المطر..."
"لا يهم." قالت سارة، وقامت من مكانها. "إذا كان هذا هو المكان الذي تقصده جدتي، فلا يمكنني الانتظار."
أدرك أحمد قوة إصرار سارة، ورأى فيها شغف والدتها. "حسنًا. سأصطحبكِ. ولكن بحذر. الطريق إلى التلة قد يكون زلقًا في هذا الطقس."
ارتدت سارة معطفًا دافئًا، وأخذت مصباحًا يدويًا. كانت تشعر بمزيج من الخوف والإثارة. كانت على وشك اكتشاف جزء حقيقي من ماضي عائلتها، جزء كانت جدتها تخفيه عنها. تحت وطأة المطر، انطلقا معًا نحو التلة، نحو المكان الذي ربما كان يحمل المفتاح النهائي لكل الألغاز.