أشباح الماضي تهمس
بالتأكيد، إليك الفصول من 6 إلى 10 من رواية "أشباح الماضي تهمس"، مع الالتزام بجميع الشروط المطلوبة:
بقلم نور الدين
بالتأكيد، إليك الفصول من 6 إلى 10 من رواية "أشباح الماضي تهمس"، مع الالتزام بجميع الشروط المطلوبة:
الفصل 6 — همسات في أروقة القصر
عاد عبد الرحمن إلى القصر، وقلبه يمتلئ بالأسئلة المتزايدة. كانت كلمات الجدة فاطمة الأخيرة عن "السر المدفون" و"الصدمة التي لا تُحتمل" تلقي بظلالها على تفكيره. لم يكن القصر مجرد بناء حجري قديم، بل أصبح الآن مستودعًا لأسرار دفنت مع الزمن، وأشباح الماضي بدأت تهمس في أروقته، تدعوه لكشف المستور.
عندما دخل، استقبلته هدوء القصر المعتاد، لكنه كان هدوءًا مشوبًا بالتوتر. غرف الجدة فاطمة كانت لا تزال على حالها، وكأنها تنتظر عودتها. توجه نحو مكتبها، حيث بدأ كل شيء. الصندوق الخشبي القديم، الذي بدا بريئًا في البداية، قد فتح أمامه أبوابًا لعالم لم يكن يتوقعه.
وجد عمته أمينة جالسة في الصالة، تحتسي كوبًا من الشاي. كانت تبدو شاردة، وعيناها تحملان مسحة من الحزن.
"هل أنتِ بخير يا عمة؟" سأل عبد الرحمن وهو يجلس مقابلها.
نظرت إليه أمينة، وابتسمت ابتسامة باهتة. "الحمد لله يا بني. مجرد ذكريات قديمة. الجدة فاطمة كانت دائمًا تحتفظ بالكثير منها."
"هل تعرفين شيئًا عن صندوقها؟" سأل عبد الرحمن بحذر، مراقبًا رد فعلها.
ترددت أمينة للحظة، ثم قالت بصوت خفيض: "كانت تحب الاحتفاظ بالأشياء القديمة. صور، رسائل، أشياء تخص والدك ووالدتك. كانت تعتبرها كنزًا."
"لكنها قالت شيئًا عن سر… صدمة… دفنت مع الزمن."
ارتعشت شفتا أمينة قليلًا. "الجدة… كانت تمر بفترات صعبة. خاصة بعد وفاة والدك. ربما كانت تقصد شيئًا يتعلق بالماضي البعيد، شيء مؤلم."
"عالمة؟" سألها، مستخدمًا اللقب الذي أطلقته عليها جدته.
"الجدة كانت قوية، عبد الرحمن. لكن حتى أقوى القلوب تحمل ندوبًا."
شعر عبد الرحمن بأن عمته تخفي شيئًا، أو ربما هي نفسها غارقة في عدم اليقين. انتقل إلى مكتب الجدة مرة أخرى. نظر إلى رف الكتب. كانت هناك كتب قديمة، بعضها لم يمس منذ سنوات. بدأ يقلب الصفحات في أحدها، كتاب عن التاريخ المحلي. فجأة، سقطت منه ورقة صفراء.
كانت ورقة رسمية، عليها ختم باهت. بدت كشهادة ميلاد، لكن الاسم المكتوب كان غريبًا: "ليلى عبد الوهاب". لم يكن هذا اسم والدته. ورقم التسجيل كان قديمًا جدًا. بجانب الاسم، كانت هناك صورة صغيرة لفتاة صغيرة، تشبه إلى حد كبير صور جدته في شبابها.
هل كانت هذه ليلى؟ ولماذا لم يسمع بها من قبل؟
استمر في البحث، ووجد رسالة مطوية بعناية، مكتوبة بخط الجدة. كانت موجهة إلى شخص اسمه "أحمد".
"يا أحمد، لا أستطيع أن أخبرك بالحقيقة كاملة. الخوف يسيطر علي. لكن يجب أن تعرف أن هذه الطفلة، ليلى، هي نور عيننا. لقد وضعت في هذا العالم في ظروف صعبة، وعلينا حمايتها. أتمنى أن يغفر لي الله ما أفعله، لكن هذا هو الطريق الوحيد. لا تدع أحدًا يعرف. أبقِ الأمر سرًا. زوجتك المخلصة، فاطمة."
شعر عبد الرحمن بقلبه ينبض بقوة. ليلى؟ نور عيننا؟ من هي هذه الطفلة؟ ولماذا كانت الجدة تخفي أمرها؟ ومن هو أحمد؟ هل كان جده؟
تذكر الجد عبد الوهاب، الذي توفي قبل أن يراه. هل كان هذا هو أحمد؟
بدأ يتذكر أحاديث الجدة عن أشقاء والدته. كان لديها شقيق توفي شابًا. هل كان هذا هو أحمد؟
انتقل إلى صندوق الصور القديمة مرة أخرى. بدأ يبحث عن صور قديمة تعود إلى فترة شباب الجدة. وجد صورة لجده وزوجته، الجدة فاطمة، في حفل عائلي. كانت فاطمة تبدو سعيدة، ولكن في الخلفية، رأى وجهًا غريبًا. فتاة شابة، تبدو حزينة، تقف بعيدًا قليلاً. كانت تشبه كثيرًا الفتاة في صورة شهادة الميلاد.
شعر عبد الرحمن بأن طبقات من الأسرار تتكشف أمامه. لم يكن الأمر يتعلق فقط بوالدته. كان هناك سر أعمق، يتعلق بتكوين العائلة نفسها.
عاد إلى عمته أمينة، وهي لا تزال في الصالة. "عمة، هل كان لدى جدي عبد الوهاب شقيق اسمه أحمد؟"
نظرت إليه أمينة باستغراب. "أحمد؟ لا أذكر ذلك. جدي كان له شقيق واحد، اسمه محمود. توفي في حادث مبكر."
"وهل كان جدي عبد الوهاب متزوجًا قبل جدتي فاطمة؟"
هذه المرة، تزايد قلق أمينة. "لا، يا بني. جدتي فاطمة هي زوجته الأولى والأخيرة. لماذا تسأل كل هذه الأسئلة؟"
"وجدت شيئًا في مكتب الجدة. ورقة… ورسالة… تتحدث عن طفلة اسمها ليلى."
تغير لون وجه أمينة. بدت وكأنها قد رأت شبحًا. "ليلى؟ لا… هذا مستحيل."
"ومن هي هذه الطفلة يا عمة؟ ولماذا كانت الجدة تخفي أمرها؟"
نظرت أمينة حولها، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد. قالت بصوت يرتجف: "عبد الرحمن، هذه قصة معقدة… قصة حزينة جدًا. قصة لا ينبغي لأحد أن يعرفها."
"لكنني اكتشفتها. ولا يمكنني تجاهلها. من هي ليلى؟"
تنهدت أمينة بعمق. "ليلى… كانت أخت جدتك فاطمة. لكنها… لم تكن أختها بالدم. كانت ابنة عم لهم، عاشت معهم في الصغر. حدث شيء… شيء سيء جدًا، ولم يعد بالإمكان البقاء مع عائلتها. اعتنت بها الجدة فاطمة كابنتها. لكن الظروف… كانت قاسية. حملت ليلى في سن مبكرة جدًا. والأسرة… لم تتقبل الأمر. خاصة والدها… كان صارمًا جدًا."
"ومن هو والد الطفلة؟"
"لم يعرف أحد. حتى ليلى نفسها. كانت صغيرة جدًا. قررت الجدة فاطمة، خوفًا على مستقبل الطفلة وسمعة العائلة، أن تخفي الأمر. قالت إنها ابنتها. لكن بعد فترة، اختفت ليلى. اختفت تمامًا. لم يعرف أحد ماذا حدث لها. اعتقد البعض أنها تزوجت في بلد آخر، والبعض الآخر… اعتقد ما هو أسوأ. لكن الجدة فاطمة لم تتحدث عن الأمر أبدًا بعد ذلك. حتى مع جدك عبد الوهاب… كانت تكتفي بالصمت. أعتقد أن هذه الرسالة… هي دليل على أنها كانت تحمل همًا ثقيلاً طوال حياتها."
"لكن… شهادة الميلاد… الاسم… ليلى عبد الوهاب."
"نعم، هذا ما فعلته الجدة. لكي تحميها. لكي تعطيها اسمًا. أعتقد أنها منحتها هوية. لكن بعد اختفائها… ظلت ذكرى هذه الطفلة تلاحق الجدة. ربما كانت تقصد بهذا السر، أن هناك شيئًا لم يُكشف عن اختفاء ليلى. شيء لم تستطع هي نفسها كشفه."
شعر عبد الرحمن بأن رأسه يدور. ليلى كانت أخته غير الشقيقة؟ أو ابنة خالته؟ الأمر كان معقدًا. كلما ظن أنه اقترب من الحقيقة، كلما وجد نفسه أمام المزيد من الألغاز.
"والآن… ماذا عن والدتي؟ لماذا كانت الجدة تذكر والدتي في رسالتها؟"
نظرت أمينة إليه بتعجب. "والدتك؟ لم تذكر الجدة والدتك في أي شيء يتعلق بليلى."
"لكن الرسالة كانت موجهة إلى أحمد… زوجها… وتقول 'يجب أن تعرف أن هذه الطفلة، ليلى، هي نور عيننا'."
"لا يا بني. الجدة كانت تقصد أن ليلى هي نور عينها هي. لم تكن تقصد والدتك."
شعر عبد الرحمن بخيبة أمل. ربما كان يربط الأمور ببعضها البعض بطريقة خاطئة. لكن شيئًا في داخله كان يقول له إن هناك المزيد.
"لكن الاسم… ليلى عبد الوهاب. هل هذا يعني أن جدي عبد الوهاب كان والدها؟"
"مستحيل يا بني. الجدة فاطمة لم تكن متزوجة من جدي عندما ولدت ليلى. كانت ليلى ابنة عمهم، كما قلت لك. ولكن الجدة فاطمة اعتنت بها. ربما… ربما أرادت أن تمنحها اسم العائلة كنوع من الدعم. ولكن أن تكون والدتها؟ لا، هذا غير صحيح."
"إذًا، من هو والد ليلى؟"
"لا أحد يعرف. ربما شخص من عائلتها، لكنه لم يكن يرغب في الاعتراف بها. أو ربما شيء آخر تمامًا. الجدة فاطمة لم تكشف عن كل شيء. ربما لم تكن تعرف هي نفسها كل شيء."
نظر عبد الرحمن إلى الصورة القديمة التي تحمل صورة ليلى. كانت عيناها تحملان حزنًا عميقًا. شعر بقرب غريب منها. كأنها تناديه من الماضي.
"وهل والدتي… هل هي قريبة من ليلى؟"
"نعم. والدتك كانت ابنة عم والدتك. كانت عائلة واحدة. لكن هناك فجوة كبيرة بين الأجيال. ربما جدتك فاطمة كانت قريبة من ليلى، وعاملتها كأخت. ولكن علاقتها بوالدتك… لم تكن وثيقة بهذا الشكل."
شعر عبد الرحمن بصدع جديد في فهمه للواقع. كل ما كان يعتقده عن عائلته، بدأ يتشوه. أصبح القصر مكانًا غريبًا، مليئًا بالأصداء والأشباح.
"شكرًا لك يا عمة. أعتقد أنني بحاجة إلى بعض الوقت لأفكر."
وقفت أمينة، ووضعت يدها على كتفه. "كن حذرًا يا بني. بعض الأسرار، تظل مدفونة لأسباب. ربما لم تكن الجدة ترغب في أن تُكشف هذه القصة. ربما كانت حمايتها لها."
غادر عبد الرحمن الصالة، وقلبه مثقل. كان يعلم أن رحلته لكشف الأسرار لم تنته بعد. بل بدأت للتو. صندوق الذكريات لم يكن مجرد صندوق، بل بوابة لعالم من الأسرار التي لم تكن جدته ترغب في أن يكتشفها أحد.