وريث الألغاز
بالتأكيد، إليك الفصول الخمسة الأولى من رواية "وريث الألغاز":
بقلم سلمى الجابري
بالتأكيد، إليك الفصول الخمسة الأولى من رواية "وريث الألغاز":
الفصل 1 — مأساة في قصر الأطياب
كانت نسمات المساء الباردة تتسلل عبر نوافذ قصر الأطياب العتيق، حاملة معها عبق الياسمين الذي تفوح رائحته من الحدائق الغناء. داخل أحد أبهى الغرف، تجمعت أسرة آل الراوي في حالة من الصدمة والحزن العميق. الأب، الحاج أحمد الراوي، رجل تجاوز السبعين عامًا، ذو الهيبة الوقورة والقلب الكبير، كان يحدق في الفراغ، وعيناه غائمتان. بجانبه، جلست زوجته، أمينة، السيدة الفاضلة ذات الوجه الطيب، وهي تمسح دموعها بصمت، تترقرق في عينيها نظرات الحيرة والألم.
الحادث وقع كالصاعقة، بل كالصاعقة التي ضربت في قلب ليلة حالكة. كان العميد سامي الراوي، الابن البكر للحاج أحمد، والضابط المرموق في الشرطة، قد عاد لتوه من مهمة ميدانية شاقة. كان شاباً في أواخر الثلاثينيات، يتمتع بذكاء حاد وشجاعة لا تلين، وكان محبوباً من الجميع لعفوه وكرمه. عاد إلى قصر العائلة، قصر أجداده الذي شهد طفولته وشبابه، ليجد نفسه أمام لغز لم يستطع حتى بمهاراته البوليسية حله.
كانت أخبار وفاته المفاجئة قد انتشرت كالنار في الهشيم. قيل إنها نوبة قلبية حادة، وأن قلبه لم يحتمل ضغط العمل والتوتر. ولكن في أعماق عائلته، كان هناك شعور بأن الأمور ليست بهذه البساطة. العميد سامي كان رجلاً يتمتع بصحة جيدة، ولم يشتكِ من أي أمراض مزمنة. كيف يمكن أن يرحل فجأة هكذا؟
وسط هذا الضباب من الشكوك، كانت هناك شخصية محورية أخرى، وهي سارة، زوجة سامي. شابة في منتصف الثلاثينيات، ذات عينين واسعتين تعكسان حزناً عميقاً وقلقاً متزايداً. كانت تحاول جاهدة أن تكون قوية من أجل والدة زوجها، السيدة أمينة، ولكن دموعها كانت تنهمر بين الحين والآخر، حاملة معها أسئلة لم تجد لها إجابة. كانت علاقتهما قوية، مبنية على الحب والاحترام المتبادل، وكانت سارة تعيش على أمل أن يبدأوا حياتهم معاً بشكل أكثر هدوءاً بعد أن استقر سامي في منصبه.
"لا أصدق أن سامي رحل عنا بهذه السرعة," تمتم الحاج أحمد بصوت متهدج، وكأنه يتحدث إلى نفسه. "كان في عز شبابه، وكان لديه الكثير ليقدمه."
أمسكت به السيدة أمينة يدها، وقالت بصوت مرتجف: "يا أحمد، قدر الله وما شاء فعل. لكن قلبي لا يطمئن. سامي لم يكن مجرد ابن، بل كان سنداً لنا جميعاً."
انتقلت نظرات الحاج أحمد إلى سارة، وقال بحنان أبوي: "اعذريني يا ابنتي، أعرف أن المصاب جلل. سامي كان كابني، بل أكثر. سنقف معكِ في هذه المحنة."
جلست سارة بجانب السيدة أمينة، وعانقتها بحنان. "الله يرحمه، ويصبرنا جميعاً. لكن يا عمي، هل حقاً لا يوجد أي تفسير منطقي؟ سامي كان يتمتع بصحة جيدة، وكان ملتزماً بنظام غذائي صحي، بل وكان يمارس الرياضة بانتظام."
كانت هذه النقطة بالتحديد هي ما يثير الشكوك لدى الجميع. الحاج أحمد، بخبرته الطويلة في الحياة، كان يدرك أن هناك أموراً لا تُقال باللسان، ولكنها تُقرأ بين السطور. هو نفسه لم يكن ليصدق تفسير النوبة القلبية بسهولة.
في تلك الليلة، وبينما كانت المدينة تغط في نوم عميق، لم يغمض لسارة جفن. كانت تتذكر آخر محادثة لها مع سامي. كان متعباً، ولكنه كان متحمساً لمشروعه الجديد في قسم التحقيقات. كان يتحدث عن قضية غامضة شغلت باله كثيراً، قضية تتعلق بصفقات مشبوهة في إحدى الشركات الكبرى. كان قد أشار إلى أنه قد يكون على وشك كشف خيوط مهمة، وأن بعض الأشخاص ذوي النفوذ قد لا يرغبون في الكشف عن أسرارهم.
"هل يمكن أن يكون لهذا علاقة؟" تساءلت بصوت خافت، وهي تنظر إلى صورة زوجها المعلقة على الجدار. صورة ابتسامته الواسعة، وعينيه اللامعتين بالذكاء.
في صباح اليوم التالي، اجتمع أفراد العائلة في صالون القصر الفخم. كان الجو ثقيلاً، والوجوه تعلوها علامات الأسى. كان هناك أيضاً شقيق سامي الأصغر، ياسر، شاب في منتصف العشرينات، لا يزال في مرحلة الدراسة الجامعية. كان ياسر يحب أخاه الأكبر كثيراً، وكان يتطلع إليه كقدوة. كان وجهه شاحباً، وعيناه حمراوان من البكاء.
"يا أبي، يا أمي،" بدأ ياسر بصوت متقطع، "لا بد أن نتحقق من الأمر. سامي لم يكن ليموت هكذا. كان لديه أعداء، بسبب طبيعة عمله. قد يكون أحدهم قد... تخلص منه."
نظر الحاج أحمد إلى حفيده الصغير، فهد، ابن سامي وسارة، ذي الثماني سنوات. كان فهد يجلس على أريكة، يلعب بدميته، ويبدو غافلاً عن حجم المصيبة. كان سامي يحب فهد كثيراً، وكان يخطط له مستقبلاً مشرقاً.
"يا بني،" قال الحاج أحمد بيأس، "من الصعب أن نفكر بهذه الطريقة. الشرطة تقول إنها نوبة قلبية."
"لكن الشرطة هي نفسها التي كان سامي يعمل فيها!" صرخ ياسر بصوت أعلى. "ربما هناك من تستر على الأمر. سامي كان سيقدم استقالته قريباً، بعد أن يكشف عن هذه القضية. لقد أخبرني بذلك."
صمت الحاج أحمد. كانت هذه المعلومة جديدة عليه. سامي، الابن المثالي، الذي كان يفتخر به، كان على وشك اتخاذ قرار كبير.
"لماذا لم يخبرني؟" سأل الحاج أحمد بأسى.
"ربما لم يرد أن يقلقكم، يا أبي. كان دائماً يحاول حماية عائلته." أجاب ياسر.
نظرت سارة إلى الحاج أحمد، وقالت بحزم: "عمي، أنا مع ياسر. يجب أن نكتشف الحقيقة. سامي يستحق ذلك. حياته لم تكن مجرد قصة عابرة، بل كانت سلسلة من الألغاز التي كان يحاول حلها. والآن، يبدو أن لغزه الأخير هو لغز موته."
قرر الحاج أحمد، رغم تقدمه في السن، أن يتحرك. لم يكن هذا ليقف مكتوف الأيدي وهو يرى عائلته تنهار. كان يعلم أن سامي لم يكن مجرد ضابط شرطة، بل كان رجلاً يبحث عن العدالة، وكان لديه حس قوي بالمسؤولية.
"حسناً يا أبنائي،" قال الحاج أحمد بصوت ثابت، "سوف نبحث عن الحقيقة. ولكن بحذر. لا نريد أن نثير مشاكل لا داعي لها. سامي كان يعرف كيف يتعامل مع الأمور. يجب أن نسير على خطاه."
بدأت رحلة البحث عن الحقيقة، رحلة ستكشف عن أسرار دفينة، وعن أشخاص لم تكن العائلة تتوقع وجودهم في حياة سامي. قصر الأطياب، الذي كان رمزاً للسلام والوئام، أصبح الآن مسرحاً لجريمة غامضة، ولغزاً يحتاج إلى وريث قادر على فك خيوطه.