الفصل 2 / 13

وريث الألغاز

الفصل 2 — ظلال الماضي في قصر الأطياب

بقلم سلمى الجابري

الفصل 2 — ظلال الماضي في قصر الأطياب

في الأيام التالية لوفاة العميد سامي الراوي، فرض جو من الكآبة والحزن على قصر الأطياب. بدت الجدران العريقة وكأنها تبكي، والحدائق التي كانت تزدهر بالحياة، أصبحت كئيبة تحت وطأة الفقد. كانت السيدة أمينة تقضي معظم وقتها في غرفتها، تستغرق في الدعاء لروح ابنها، بينما كان الحاج أحمد يراقب حفيديه، فهد وياسر، محاولاً أن يمنحهما بعضاً من قوته.

كان ياسر، الشاب المندفع، لا يزال يصر على أن وفاة أخيه لم تكن طبيعية. كان يقضي ساعات في مكتبة سامي، يبحث بين أوراقه وملفاته، أملاً في العثور على أي دليل يثبت نظريته. كان يشعر بغضب مكبوت تجاه كل من يروج لتفسير النوبة القلبية، وكأنه يتهم الجميع بالتواطؤ.

"يا أبي،" قال ياسر للحاج أحمد ذات مساء، وهو يمسك بملف قديم، "لقد وجدت هذه الملاحظات. سامي كان يتابع قضية اختفاء أموال من إحدى الجمعيات الخيرية الكبرى. القضية تعود لسنتين، وكان الملف مغلقاً. ولكن سامي كان يعتقد أن هناك من قام بتضخيم الأموال المفقودة لإخفاء اختلاس أكبر."

نظر الحاج أحمد إلى الملف بتفحص. كان يعلم أن سامي كان شغوفاً بالعدالة، وأنه لم يكن ليترك قضية كهذه دون متابعة. "وهل كان يعتقد أن أحداً قد تضرر بسبب هذه القضية؟"

"نعم،" أجاب ياسر بحماس. "لقد ذكر هنا اسم شخص يدعى 'المستثمر الغامض'. هذا الشخص كان يضع أمواله في الجمعية، وبدا أنه كان يعرف شيئاً عن كل هذه الأمور. سامي كان يحاول الوصول إليه، لكنه لم ينجح. أظن أن هذا المستثمر قد يكون هو المفتاح."

كان الحاج أحمد يشعر بأن الألغاز بدأت تتكشف، ولكنها كانت تحمل معها ظلالاً مقلقة. كان قصر الأطياب، الذي كان يشكل واحة من الهدوء، قد أصبح الآن مركزاً لشبكة معقدة من الأسرار.

في هذه الأثناء، كانت سارة تحاول أن تتجاوز حزنها. كانت تعرف أن سامي كان لديه جانب خفي في حياته المهنية، جانب كان يحمله وحده. كان يتحدث أحياناً عن ضغوط العمل، وعن صعوبة موازنة الحياة الشخصية مع متطلبات الواجب. ولكنها لم تتخيل أبداً أن الأمر قد يصل إلى هذا الحد.

في إحدى الليالي، وبينما كانت سارة تنظر إلى صورة زوجها، تذكرت شيئاً. كان سامي قد أعطاها ذات مرة مفتاحاً صغيراً، وقال لها بابتسامة: "هذا مفتاح صندوقي السري. إذا حدث لي أي شيء، وأردتِ أن تعرفي شيئاً عني، فاستخدميه."

لم تفكر سارة في الأمر كثيراً في ذلك الوقت، وظنت أنه مجرد تعبير عن ثقته بها. ولكن الآن، شعرت بأن هذه الكلمات تحمل معنى أعمق. بحثت عن الصندوق، ووجدته مختبئاً في خزانة ملابسه القديمة. كان صندوقاً خشبياً صغيراً، مزخرفاً بنقوش عربية جميلة.

فتحت سارة الصندوق، ووجدت بداخله مجموعة من الأوراق القديمة، ورسائل، وصور. كانت هناك رسائل حب متبادلة بين سامي وخطيبته الأولى، "ليلى". كانت ليلى فتاة جميلة، ولكنها اختفت فجأة من حياة سامي قبل سنوات، ولم يكن أحد يعرف سبب هذا الانفصال المفاجئ. كانت الرسائل مليئة بالشغف، ولكن في نهايتها، بدأت تظهر نبرة حزن وخيبة أمل.

"أتمنى أن تسامحني، يا سامي. لا أستطيع أن أعيش معك في هذا العالم من الأكاذيب. يجب أن أبحث عن طريقي بنفسي." كانت هذه آخر عبارة كتبتها ليلى في إحدى الرسائل.

تساءلت سارة: "ما هي الأكاذيب التي كانت ليلى تقصدها؟ وهل كان لهذا علاقة بما حدث لها؟"

كانت هذه الأسئلة تزيد من تعقيد الأمور. شعرت سارة بأنها تقف على حافة عالم لم تكن تعرف عنه شيئاً.

في اليوم التالي، ذهب الحاج أحمد وسارة إلى قسم الشرطة، للقاء أحد زملاء سامي القدامى، الرائد خالد. كان الرائد خالد رجلاً أميناً، وكان يكن احتراماً كبيراً للعميد سامي.

"أيها الرائد خالد،" قال الحاج أحمد بصوت حازم، "نحن هنا لمعرفة الحقيقة وراء وفاة ابني. الشرطة أعلنت أنها نوبة قلبية، ولكننا نعتقد أن هناك ما هو أكثر من ذلك."

نظر الرائد خالد إليهما بحزن. "الحاج أحمد، أنا أتفهم قلقكم. سامي كان زميلاً وصديقاً عزيزاً. ولكن التحقيقات الأولية لم تظهر أي دليل على وجود شبهة جنائية. كل شيء يشير إلى أسباب طبيعية."

"ولكن سامي كان يتابع قضية اختفاء أموال،" قال ياسر، الذي كان حاضراً معهما. "وقد ذكر فيها اسم 'المستثمر الغامض'. هل لديكم أي معلومات عن هذا الشخص؟"

تردد الرائد خالد قليلاً. "صحيح، كان سامي قد تحدث عن هذه القضية. ولكنها قضية معقدة، وكانت هناك الكثير من الثغرات القانونية. لم نتمكن من إثبات أي شيء."

"ولكن هل تعرفون هوية هذا المستثمر؟" سألت سارة بلهفة.

"لم نتمكن من تحديد هويته بشكل قاطع. كان يستخدم اسماً مستعاراً، وكان يتنقل باستمرار. يبدو أنه كان حذراً جداً."

شعر الحاج أحمد بالإحباط. يبدو أن الطريق لكشف الحقيقة لن يكون سهلاً.

"ولكن،" تابع الرائد خالد، "هناك شيء آخر. سامي كان قد بدأ مؤخراً في التحقيق في قضية قديمة تتعلق ببعض الأوراق الثمينة التي اختفت من متحف المدينة قبل عشر سنوات. لم يتم حل القضية وقتها، ولكن سامي كان يعتقد أن هناك خيوطاً تربطها بقضايا أخرى."

"أوراق ثمينة؟" سأل الحاج أحمد بدهشة. "سامي لم يذكر لي شيئاً عن هذا الأمر."

"ربما لم يرد أن يقلقكم. كانت القضية شائكة، وتتعلق بشخصيات بارزة في المجتمع."

في طريق عودتهم إلى قصر الأطياب، كان الحاج أحمد وسارة وياسر يفكرون ملياً. بدا أن سامي كان يغوص في بحر من الألغاز، وأن موته كان مرتبطاً ببعض هذه الأسرار.

"المستثمر الغامض، اختفاء الأموال، الأوراق الثمينة،" كان ياسر يتمتم. "كل هذه الأمور تبدو مترابطة. يجب أن نجد طريقة لربط هذه الخيوط."

"ولكن كيف؟" سألت سارة. "ليس لدينا أي دليل ملموس."

"لدينا شيء واحد،" قال الحاج أحمد بصوت عميق، "لدينا إرث سامي. وهو إرث ليس فقط من المال أو الممتلكات، بل إرث من الشجاعة والبحث عن الحقيقة. يجب أن نكون ورثة هذا الإرث."

نظروا إلى بعضهم البعض، وشعروا بقوة جديدة تتسلل إلى قلوبهم. لم يعد الأمر مجرد حزن على فقدان عزيز، بل أصبح واجباً عليهم أن يكشفوا الحقيقة، وأن يمنحوا روح سامي الراحة التي يستحقها. قصر الأطياب، الذي كان يوماً رمزاً للعائلة والسعادة، تحول الآن إلى ميدان للبحث عن العدالة، وإلى مخزن لأسرار دفينة تنتظر من يكشفها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%