وريث الألغاز
الفصل 22 — رموز على جلد الغزال
بقلم سلمى الجابري
الفصل 22 — رموز على جلد الغزال
كانت الخريطة تتكشف أمامنا ببطء، كل رمز عليها يبدو وكأنه مفتاح لجزء من الماضي، أو دليل لمكان مخفي. كانت مرسومة بدقة متناهية على جلد غزال قديم، يبدو أنه احتفظ بنضارته رغم مرور السنين. الرموز لم تكن عربية، ولا لاتينية، بل كانت أشبه برسوم تخطيطية لأشكال هندسية ونجمية، تتداخل مع بعضها البعض بطريقة معقدة.
قضيتُ وقتًا طويلاً مع والدي ونحن نتأمل الخريطة. كان والدي، بخبرته الواسعة في تاريخ العائلة وأسرار القصر، يحاول ربط بعض الرموز بالقصص التي سمعها عن أجداده. قال: "هذا الرمز يشبه نجمة سليمان، لطالما ارتبطت بحماية الأماكن المقدسة. وهذه الدوائر المتداخلة قد تكون إشارة إلى دورات زمنية أو أماكن مرتبطة بالماء."
أخذتُ قلمًا وبدأتُ أرسم الرموز في دفتري الخاص، أحاول أن أفهم بنيتها. شعرتُ بأن جدتي، بطريقتها الخاصة، كانت تترك لنا إرثًا يتجاوز الثروات المادية. كانت ترثنا حكمة، وتحديًا، ودعوة لاكتشاف الذات.
في المساء، بينما كنا نتناول العشاء، سألتُ أمي عن جدتي ووشاحها. نظرت إليّ نظرة حزينة وقالت: "يا بني، جدتك كانت تحب هذا الوشاح جدًا. كانت تقول إنه يذكرها بجدك الأكبر، الذي كان رحالةً كبيرًا. كانت تضعه فقط في المناسبات التي تحمل معنى خاصًا للعائلة. اختفاؤه كان صدمة لنا جميعًا."
بعد العشاء، عدتُ إلى مكتب والدي. كنتُ أشعر بضرورة ربط هذه الخريطة بشيء ملموس. تذكرتُ المكتبة القديمة في جناح جدتي. كانت مليئة بالكتب التي لم يمسها أحد منذ عقود. ربما أجد هناك تفسيرًا لهذه الرموز.
صعدتُ الدرج الذي يؤدي إلى جناح جدتي، وقلبي ممتلئ بشعور غامض. فتحتُ باب المكتبة، وانبعث منها غبار كثيف ممزوج برائحة الكتب القديمة. كانت رفوفها ممتلئة بالكتب الجلدية الضخمة، بعضها باللغة العربية الفصحى، وبعضها بلغات أجنبية لا أعرفها. بدأتُ أتفحص عناوين الكتب، بحثًا عن أي شيء قد يتعلق بالخريطة أو الرموز.
بعد ساعات من البحث المضني، وبينما كنتُ على وشك الاستسلام، وقع بصري على كتاب صغير، غلافه أسود، ومكتوب عليه بالخط الذهبي: "أسرار الحكمة القديمة." فتحته، فوجدتُ بداخله رسومًا ورموزًا شبيهة بتلك الموجودة على الخريطة. كان الكتاب يتحدث عن لغة الرموز المستخدمة في الحضارات القديمة، وكيف كانت تستخدم في تشفير الرسائل وحفظ الأسرار.
شعرتُ بحماس شديد. بدأتُ أطابق الرموز الموجودة على الخريطة مع تلك الموجودة في الكتاب. كان الأمر يتطلب تركيزًا هائلاً، ولكن كل رمز أتمكن من فك شفرته كان يمنحني دفعة قوية. وجدتُ أن نجمة سليمان كانت رمزًا للحماية والوصول إلى المعرفة. والدوائر المتداخلة كانت تشير إلى مسارات رحلات طويلة، ربما رحلات تجارية أو استكشافية.
وبين صفحات الكتاب، وجدتُ ورقة مطوية بعناية. كانت ورقة تحمل وصفًا لقطعة مجوهرات قديمة، خاتم ذهبي، نقش عليه نفس الرمز الذي رأيته في أعلى الخريطة. وكان الوصف يقول إن هذا الخاتم كان هدية من زعيم قبيلة قديمة إلى أحد أجدادنا، وكان يحمل قوى غريبة، ويقال إنه يفتح أبوابًا مخفية.
نظرتُ إلى والدي مرة أخرى، وقلت له: "أبي، أعتقد أن الخريطة ليست مجرد خريطة. إنها دليل لمكان ما، ومفتاح لشيء ما. وهذا الخاتم الموصوف هنا، قد يكون هو المفتاح السري."
قال والدي وهو يتأمل الوصف: "هذا الخاتم… سمعتُ عنه في حكايات جدتي. كانت تقول إنه مفقود منذ زمن طويل، وأن البحث عنه كان هدف جدك الأكبر. ربما جدتك هي من خبأته، ووضعت الخريطة في صندوقها لتوجيهنا إليه."
عاد الحماس يملأني. لم يعد الأمر مجرد وشاح مفقود، بل أصبح رحلة بحث عن كنز عائلي، عن قطعة من تاريخنا، وعن سر قديم. بدأتُ أتخيل كيف سيكون شكل هذا الخاتم، وأين يمكن أن يكون مخبأً. كانت الرموز على الخريطة تشير إلى أماكن مختلفة داخل القصر، وربما خارجه أيضًا.
في تلك الليلة، لم أستطع النوم. ظللتُ أفكر في الخريطة، في الرموز، وفي الخاتم. كانت جدتي قد تركت لنا تحديًا كبيرًا، ولكنه تحدٍ يبعث في نفسي شعورًا غريبًا بالارتباط بتاريخ عائلتي، وبالرغبة في كشف ماضيهم. شعرتُ أنني أقف على عتبة عالم جديد، عالم من الأسرار والغوامض التي تنتظر من يكتشفها.