شفرة المكتبة القديمة

الفصل 22 — رحلةٌ إلى قلب الحديقة وسرّ النافورة القديمة

بقلم رنا الطاهر

الفصل 22 — رحلةٌ إلى قلب الحديقة وسرّ النافورة القديمة

بعد أن أمضت ليلى ساعاتٍ طويلة تتأمل المخطوطة الباهتة، شعرت بحاجةٍ ماسةٍ إلى بعض الهواء النقي. كانت أفكارها تتسابق في رأسها، ورسومات المخطوطة لا تفارق خيالها. قررت أن تخرج إلى الحديقة، علّ النسيم العليل يساعدها على ترتيب أفكارها.

تبعها رامي، وقلبه يملؤه القلق والفضول. كان يرى في عيني ليلى وهجًا جديدًا، مزيجًا من الحيرة والإصرار. كان يعلم أن هذه المخطوطة قد فتحت بابًا لم يكن أحدٌ يتوقعه.

تجاوزا الباب الخلفي للمكتبة، ووصلا إلى الحديقة. كانت الحديقة أشبه بكنزٍ مهمل، مليئةً بالأشجار العتيقة، والشجيرات المتشابكة، وزهورٌ بريةٌ لم تُزرع يدويًا، بل نمت بحريةٍ عبر السنين. كانت هناك مساراتٌ ضيقةٌ بالكاد تُرى تحت وطأة الأعشاب، تقود إلى أماكن لم تطأها الأقدام منذ زمنٍ طويل.

"المخطوطة تحدثت عن 'النجوم المرشدة' و'الصوت الخفي'"، قالت ليلى وهي تمشي بجوار رامي، وأصابعها تلامس بتلات زهرةٍ بريةٍ ذات لونٍ بنفسجيٍّ غامق. "ماذا لو كان 'الصوت الخفي' هو صوت المياه؟"

توقف رامي، ونظر حوله. "هنا؟ في هذه الحديقة؟"

"ربما. جدتي كانت دائمًا تقول إن للمياه لغةً خاصة. كانت تحب الاستماع إلى صوت المطر، وإلى همس البحر. ربما هنا، في مكانٍ ما، هناك مصدرٌ للمياه يحمل معنىً."

بدآ يتجولان في الحديقة، يبحثان عن أي أثرٍ للمياه. كانت الحديقة واسعة، وقد طغت عليها الطبيعة البرية. بعد فترةٍ من البحث، سمعا صوتًا خافتًا، صوت قطرات ماءٍ تتساقط. كان الصوت ضعيفًا، لكنه كان مسموعًا وسط صمت الطبيعة.

اتبع الصوت، فوجدا نفسيهما أمام بناءٍ حجريٍّ قديم، نصفه مدفونٌ تحت الأرض. كان هناك قوسٌ حجريٌّ مكسوٌّ بالطحالب، وتحته نافورةٌ قديمة، قد جفّ ماؤها منذ زمنٍ بعيد. كانت النافورة منحوتةً ببراعة، تحمل رسوماتٍ لطيورٍ وأزهارٍ، لكن الزمن قد محا الكثير من تفاصيلها.

"هذه النافورة…" قالت ليلى، وعيناها تتفحصان النقوش. "أشعر وكأنني رأيتها من قبل. في رسومات المخطوطة."

اقترب رامي، وهو يمسح الغبار عن أحد النقوش. "بالفعل. هذا الرمز… إنه يشبه الرمز الذي رأيناه في المخطوطة."

أشارت ليلى إلى حجرٍ في وسط النافورة، كان يبدو مختلفًا عن بقية الأحجار. كان أملس، ولامعًا، وكأنما لا يزال يحتفظ برطوبةٍ ما. "ما هذا الحجر؟"

حاول رامي أن يحركه، لكنه كان ثابتًا. "إنه ثقيلٌ جدًا. وكأنه جزءٌ من تصميمٍ أكبر."

أخذت ليلى تتفحص النافورة بدقةٍ أكبر. رأت أن هناك قناةً صغيرةً، متعرجة، تبدأ من أسفل النافورة وتمتد إلى خارجها، مغطاةً بالأعشاب. "انظر، رامي. هناك قناةٌ هنا. ربما كان هذا المكان يتدفق منه الماء في وقتٍ ما."

"ولكن من أين يأتي الماء؟" تساءل رامي. "لا يوجد أي مصدرٍ واضحٍ هنا."

تذكرت ليلى مقطعًا من المخطوطة كان يتحدث عن "الماء الذي لا ينبع من الأرض، بل من السماء". بدأت تبحث في النقوش حول النافورة. لاحظت نقشًا لسحابةٍ، ومنها ينزل خيطٌ رفيعٌ يصل إلى سطح النافورة.

"ربما… ربما كان الماء يتجمع هنا من المطر؟" اقترحت ليلى. "وهذا الحجر في الوسط… هل هو مفتاحٌ لشيءٍ ما؟"

شعرت ليلى بأنها تقترب من الحقيقة. بدأت تتذكر قصص جدتها عن "أسرار الطبيعة" وكيف أن كل شيءٍ فيها له معنى. كانت جدتها تؤمن بأن الماء يمتلك ذاكرةً، وأن الأصوات التي يصدرها يمكن أن تحمل رسائل.

"الصوت الخفي…" كررت ليلى. "ماذا لو كان الصوت ليس صوت الماء المتدفق، بل صوتٌ آخر؟ صوتٌ مرتبطٌ بهذا المكان؟"

جلست ليلى بجوار النافورة، وأغمضت عينيها، محاولةً الاستماع. حاولت أن تسمع ما وراء صوت الرياح وأوراق الشجر. ركزت انتباهها على صوت القطرات الخافتة التي لا تزال تتساقط من مكانٍ ما غير مرئي.

وفجأة، سمعت شيئًا. لم يكن صوت ماءٍ قويًا، بل كان أشبه بـ "طنينٍ" خافت، أو "ذبذبة" عميقة. كان الصوت قادمًا من الحجر الأملس في وسط النافورة.

"رامي!" نادت ليلى بصوتٍ متحمس. "هذا هو الصوت! إنه قادمٌ من هذا الحجر!"

اقترب رامي، ووضع أذنه بالقرب من الحجر. "أنا أسمع شيئًا… إنه غريبٌ جدًا. كأن شيئًا بداخله يهتز."

"المخطوطة تحدثت عن 'الباب الذي يفتح بالصدق'"، قالت ليلى. "ورمز جدتي… هل هذا الحجر يحتاج إلى شيءٍ معين لكي يفتح؟"

نظرت ليلى إلى قلادتها، ثم إلى الحجر. شعرت بأن هناك ارتباطًا. كان لديها فضولٌ قويٌّ لاختبار ما إذا كانت قلادة جدتها يمكن أن تكون المفتاح.

بحذر، رفعت ليلى قلادتها، واقتربت بها من الحجر. عندما لامست القلادة سطح الحجر الأملس، شعرت برجةٍ خفيفة، واهتز الحجر بشكلٍ ملحوظ. ثم، حدث شيءٌ لم تتوقعه.

بدأ الحجر بالدوران ببطء، وكأن له آليةً داخلية. مع كل دورة، كان الصوت يزداد قوةً ووضوحًا. ثم، مع آخر دورة، انفتح الحجر من وسطه، كاشفًا عن تجويفٍ صغيرٍ بداخله.

داخل التجويف، كان هناك شيءٌ لامع. كان عبارة عن حجرٍ صغير، كريستالي، يشع بضوءٍ أزرقٍ خافت. كان الحجر باردًا عند لمسه، لكنه كان ينبض بطاقةٍ غريبة.

"ما هذا؟" سأل رامي بدهشة.

"لا أعرف"، أجابت ليلى، وهي تأخذ الحجر الكريستالي بيدها. "لكنني أشعر بأنه مهمٌ جدًا. ربما هو جزءٌ من الشفرة؟"

بمجرد أن أمسكت ليلى بالحجر، شعرت بأن الصوت في الحجر قد توقف. عادت النافورة إلى صمتها، وبدا الحجر الأملس وكأنه لم ينفتح أبدًا.

"هذا مذهلٌ حقًا"، قال رامي. "كأن هذا المكان كان ينتظر هذه القلادة وهذا الحجر لكي يكشف عن سره."

نظرت ليلى إلى الحجر الكريستالي بين يديها. كان له لونٌ السماء الصافية، وكأنه يحتفظ ببعضٍ من سحرها. "المخطوطة ذكرت 'عين الحكمة' و'منارة المعرفة'. هل يمكن أن يكون هذا الحجر هو 'عين الحكمة'؟"

"من المحتمل جدًا"، قال رامي. "لقد وجدنا أول دليلٍ ماديٍّ للشفرة. الآن، نحتاج إلى معرفة ما يجب أن نفعله بهذا الحجر."

شعر كلاهما بأن اكتشافهما هذا هو خطوةٌ كبيرةٌ إلى الأمام. كانت الحديقة، التي بدت مهملةً في البداية، قد كشفت عن أحد أسرارها العميقة. النافورة القديمة، التي كانت تبدو صامتةً، قد تحدثت إليهما بلغةٍ لم يفهمها إلا من خلال البحث والتركيز.

بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، ملقيةً بظلالٍ طويلةٍ على الحديقة، قررت ليلى ورامي العودة إلى المكتبة. كانت ليلى تحمل الحجر الكريستالي بعنايةٍ فائقة، وكأنها تحمل أغلى كنزٍ في العالم. كانت تعلم أن هذه الرحلة لم تنتهِ بعد، وأن الألغاز لا تزال تتوالى، لكنها كانت تشعر بالأمل، وبقوةٍ متزايدةٍ تدفعها إلى الأمام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%