الرحلة إلى المجهول
بالتأكيد، يسعدني أن أبدأ في كتابة فصول رواية "الرحلة إلى المجهول" بالأسلوب المطلوب.
بقلم نور الدين
بالتأكيد، يسعدني أن أبدأ في كتابة فصول رواية "الرحلة إلى المجهول" بالأسلوب المطلوب.
الفصل 1 — غيابٌ يزرع الشك
كانت الشمس تنسج خيوطها الذهبية على أسطح المنازل في حي "النخيل" الهادئ، بينما كانت نسائم الصباح تحمل معها عبق الياسمين ورائحة القهوة الطازجة. في منزلٍ صغيرٍ يكتنفه دفء العائلة، استيقظت "ليلى" على صوت رنين المنبه المعتاد، ولكن شيئاً ما كان مختلفاً هذا الصباح. لم تسمع صوت خطوات والدها "أحمد" في المطبخ، ولم تشم رائحة القهوة التي كان يعدها كل صباح بشغف. شعرت بوخزة قلقٍ خفيفةٍ تسري في عروقها، فوالدها، الرجل المنضبط والمواعيد، لم يكن ليغيب عن روتينه الصباحي أبداً.
"أمي، أين أبي؟" سألت ليلى والدتها "فاطمة" وهي تدخل المطبخ، واضعةً صينية الفطور المزينة بالزهور التي قطفتها من حديقة المنزل.
رفعت فاطمة رأسها عن إبريق الشاي، وفي عينيها بريقٌ من القلق الخفي الذي حاولت إخفاءه. "لم يعد إلى المنزل الليلة الماضية يا ابنتي. قال لي إنه سيذهب في رحلة عملٍ مفاجئةٍ ويتصل بنا عند وصوله."
عقدت ليلى حاجبيها. "رحلة عمل؟ لم يذكر لي شيئاً عن ذلك. هل هو متأكد؟"
"هذا ما قاله لي. ربما كان الأمر طارئاً." أجابت فاطمة بابتسامةٍ باهتة، تحاول أن تطمئن ابنتها، ولكن القلق كان بادياً على وجهها. كانت تعرف أن زوجها، المهندس المعماري المبدع، نادراً ما كان يقوم برحلات عمل مفاجئة. كان يفضل التخطيط المسبق لكل شيء، وكان دائماً يشاركها تفاصيل عمله.
مرت ساعات النهار ثقيلةً على ليلى. جلست قرب النافذة، تراقب الأطفال يلعبون في الشارع، وتستمع إلى أصوات الحياة اليومية التي كانت تبدو لها الآن بعيدةً وغريبة. في كل مرةٍ كان هاتف المنزل يرن، كان قلبها يقفز في صدرها، ثم يعود ليهبط بخيبة أمل. تساءلت عن طبيعة هذه الرحلة الطارئة، وعن سبب عدم إخبارها هي وشقيقها الأصغر "خالد" بذلك.
"هل أنتِ متأكدة أن كل شيء على ما يرام يا أمي؟" سألت ليلى مجدداً في المساء، عندما جلست العائلة حول مائدة العشاء.
أومأت فاطمة برأسها. "لا تقلقي يا ابنتي. سيصلنا اتصالٌ منه قريباً. ربما فاته الوقت لتحديد موعد."
خالد، الشاب الجامعي الهادئ، بدا قلقاً هو الآخر. كان ينظر إلى والدته ثم إلى أخته، محاولاً قراءة ما يدور في أذهانهما. "أبي كان يبدو طبيعياً بالأمس. هل قال شيئاً غير عادي؟"
هزت فاطمة رأسها. "لا يا خالد. كان كعادته. قضى المساء يقرأ في كتابه المفضل، ثم قال لي إنه سينام مبكراً ليستيقظ نشيطاً."
تذكرت ليلى شيئاً. "لكنه كان يتحدث مع أحدهم على الهاتف لوقتٍ طويلٍ بعد أن قلت له تصبح على خير. سمعته يهمس، ولكني لم أفهم شيئاً."
نظرت فاطمة إلى ليلى بعينين واسعتين. "هل أنتِ متأكدة؟ لم ألاحظ ذلك."
"نعم، كنت أستمع إلى الموسيقى بهدوء في غرفتي، وسمعت صوته من الممر. كان صوته خافتاً، ولكنه كان يتحدث."
بدأت فاطمة تشعر ببرودةٍ تزحف في عروقها. لم يكن زوجها من النوع الذي يتحدث في الهاتف طويلاً بعد منتصف الليل، خاصةً بصوتٍ خافت. بدأ الشك يتسلل إلى قلبها، يتحول ببطءٍ إلى خوفٍ حقيقي.
في اليوم التالي، لم يصل أي اتصال. حاولت فاطمة الاتصال بهاتف عمله، ولكنه كان مغلقاً. شعرت ليلى بأن الوضع يتجاوز مجرد رحلة عمل. تساءلت إذا كان هناك ما يؤذي والدها، أو إذا كان قد تعرض لمشكلة.
"يجب أن نفعل شيئاً يا أمي." قالت ليلى بحزمٍ وهي تجلس في غرفة المعيشة، تراقب الشارع المزدحم بأشعة الشمس. "لا يمكننا الانتظار هكذا. ربما يجب أن نتصل بأصدقائه أو زملائه في العمل."
"لقد فكرت في ذلك يا ابنتي. ولكن ما الذي أقوله لهم؟ أن زوجي غائبٌ دون تفسير؟ قد يظنون أنني أبالغ." قالت فاطمة بقلق.
"ولكن يا أمي، اختفاؤه ليس طبيعياً. والدي لا يتصرف هكذا. هناك شيءٌ خاطئ." أصرت ليلى.
في تلك الليلة، لم ينم أحدٌ في المنزل. كل صوتٍ كان يصدر من الخارج كان يجعلهم يقفزون، وكل رنينٍ للهاتف كان يأتي مصحوباً بأملٍ سرعان ما يتحول إلى خيبة. كانت ليلى تبحث في هاتفه القديم، محاولةً العثور على أي شيءٍ قد يدل على وجهته أو سبب غيابه. وجدت بعض الأرقام غير المسجلة، وبعض الرسائل الغامضة التي لم تفهمها.
"انظري يا أمي." قالت ليلى وهي تري والدتها رسالةً قصيرةً على هاتف والدها. "هذه الرسالة وصلت بالأمس قبل أن يغادر. مكتوب فيها: 'أتيت. لا تقلق. كل شيءٍ سيكون على ما يرام. سأتصل بك عند وصولي.'"
نظرت فاطمة إلى الرسالة، ثم إلى ليلى. "من يكون هذا الشخص؟ ومن يتصل به؟"
"لا أعرف. ولكن هذا يؤكد أن هناك شيئاً ما. هذه ليست رحلة عمل عادية." قالت ليلى، وقلبها يخفق بشدة.
في صباح اليوم الثالث، وبعد أن أصبحت حالة القلق لا تطاق، قررت فاطمة أن تتصل بزوجة زميله المقرب "سالم"، السيدة "نورة".
"مرحباً يا نورة، أنا فاطمة، زوجة أحمد." قالت فاطمة بصوتٍ مرتعش. "هل رأيتِ أحمد مؤخراً؟ لم يعد إلى المنزل منذ ليلتين."
ساد صمتٌ قصيرٌ على الطرف الآخر من الخط، ثم أجابت نورة بصوتٍ قلق: "لا يا فاطمة. لم أره. سالم أيضاً قلقٌ جداً. تحدث أحمد معه بالأمس، وقال له إنه سيذهب في رحلةٍ عملٍ مفاجئةٍ إلى مدينةٍ بعيدةٍ، ولكنه لم يذكر التفاصيل. سالم حاول الاتصال به لاحقاً، ولكن هاتفه كان مغلقاً."
"مدينةٌ بعيدة؟" تساءلت فاطمة. "لم يذكر لي المدينة. هل قال سالم أي تفاصيل؟"
"لا. فقط قال إنها رحلةٌ مهمةٌ تتعلق بمشروعٍ جديدٍ. ولكنه بدا قلقاً بعض الشيء عندما تحدث معه. قال إن أحمد بدا متوتراً."
شعرت فاطمة بأن الدنيا تدور بها. اختفاءٌ غامض، رسالةٌ مشفرة، رحلةٌ مفاجئةٌ إلى مدينةٍ غير معروفة، وتوترٌ غير مبرر. كل هذه الخيوط بدأت تتشابك لتشكل لغزاً مرعباً.
"شكراً لكِ يا نورة. سأتصل بكِ إذا علمتُ شيئاً." قالت فاطمة، وأنهت المكالمة وقلبها مثقلٌ بهمٍ لا يوصف.
نظرت ليلى إلى والدتها، ورأت في عينيها نفس الخوف الذي كان يملأ قلبها. "أمي، يجب أن نذهب إلى الشرطة."
ترددت فاطمة للحظة. لم تكن ترغب في إحداث ضجةٍ أو إثارة قلقٍ زائد، ولكن اختفاء زوجها أصبح حقيقةً لا يمكن إنكارها. "حسناً يا ابنتي. سنذهب. ولكن يجب أن نكون هادئتين وأن نروي لهم كل الحقائق."
كانت هذه بداية رحلةٍ جديدةٍ، رحلةٌ إلى المجهول، رحلةٌ ستكشف عن ألغازٍ لم تكن ليلى أو عائلتها ليتخيلوا وجودها. كان غياب أحمد مجرد الشرارة الأولى التي أشعلت سلسلةً من الأحداث الغامضة، وألقت بظلالٍ من الشك والقلق على حياتهم الهادئة.