الرحلة إلى المجهول
الفصل 3 — إلى وادي الغموض
بقلم نور الدين
الفصل 3 — إلى وادي الغموض
بعد أن قدمت ليلى وفاطمة الخريطة والملاحظات القديمة إلى المحقق خالد، بدا عليه الاهتمام. استدعى خبير خرائطٍ لمراجعة الوثائق، وبدأ في استقصاء المعلومات حول "مشروع الظل" والتواريخ المذكورة.
"هذه الوثائق قديمة جداً، ولكنها تبدو ذات صلة." قال المحقق خالد وهو يدرس الخريطة. "وادي الغموض يبدو مكاناً غير مأهول، في منطقةٍ جبليةٍ نائية. من الصعب الوصول إليه."
"هل تعرفون شيئاً عن 'مشروع الظل'؟" سألت ليلى.
"لا شيءٌ محددٌ حتى الآن. يبدو أن الاسم رمزي. سنحاول البحث في الأرشيفات القديمة للشركات والمؤسسات التي قد تكون لها علاقةٌ بمثل هذه المشاريع." أجاب المحقق.
شعرتا ليلى وفاطمة ببعض الأمل. كان التحقيق يأخذ منعطفاً جديداً. ولكن الانتظار كان مرهقاً. كل يومٍ يمر دون أخبارٍ عن أحمد كان يزيد من قلقهما.
في أحد الأيام، اتصل المحقق خالد بهما. "لدينا بعض المعلومات." قال. "يبدو أن 'مشروع الظل' كان مشروعاً سرياً للغاية يعود إلى أواخر التسعينات. كان يتعلق باستكشاف موارد طبيعيةٍ نادرةٍ في مناطقٍ نائية. بعض التقارير تشير إلى وجود مخاطرٍ أمنيةٍ مرتبطةٍ بهذا المشروع، ولذلك تم إيقافه بشكلٍ سري."
"هل تعرفون أي شيءٍ عن 'الظل'؟" سأل خالد.
"لا. لا يزال الاسم غامضاً. ولكن يبدو أن أحمد كان له علاقةٌ به."
"وماذا عن وادي الغموض؟" سألت فاطمة.
"تشير بعض الوثائق القديمة إلى وجود موقعٍ استراتيجيٍ في هذا الوادي، ربما كان مكاناً للاجتماعات السرية أو لتخزين بعض المواد. الموقع غير معروفٌ بدقةٍ، لكن الخريطة التي قدمتموها تساعدنا كثيراً."
"هل سنذهب إلى هناك؟" سألت ليلى بحماس.
"نحن نخطط لإرسال فريقٍ استكشافي. ولكن نظراً لخطورة المنطقة، وربما وجود أخطارٍ متعلقةٍ بالمشروع، سنطلب منكم البقاء في المنزل." قال المحقق.
شعرت ليلى بخيبة أملٍ. أرادت أن تكون جزءاً من البحث، أن تشارك في العثور على والدها. ولكنها فهمت أن سلامتها هي الأهم.
مرت أيامٌ أخرى. كانت ليلى وفاطمة تعيشان على أعصابهما، تنتظران أي خبر. في إحدى الليالي، وبينما كانت ليلى تتصفح كتاباً قديماً لوالدها، وجدت ملاحظةً صغيرةً مخبأةً بين الصفحات. كانت تبدو وكأنها مكتوبةٌ على عجل.
"الموقع: وادي الغموض. الإحداثيات: 34.567 N, 37.123 E. الوصف: المدخل عند الصخرة الشبيهة بالنسر. أرجو أن تصل هذه الرسالة."
"أمي!" نادت ليلى والدتها. "لقد وجدت شيئاً!"
أرتها الورقة. لم تكن تعرف الإحداثيات، ولكن وصف "الصخرة الشبيهة بالنسر" جعلها تشعر بأنهم يقتربون من الحقيقة.
"ماذا نفعل بهذا؟" سألت فاطمة.
"أعتقد أن هذا وصفٌ للمدخل. ربما كان أبي يخطط للذهاب إلى هناك." قالت ليلى. "ماذا لو ذهبنا إلى هناك؟"
نظرت فاطمة إلى ابنتها، وترددت. "ولكن الشرطة... قالوا إن المنطقة خطرة."
"ولكن يا أمي، أبي قد يكون هناك! ولا يمكننا الانتظار. أعتقد أن هذه الإحداثيات هي مفتاح كل شيء." قالت ليلى، وعيناها تلمعان بالإصرار.
بعد نقاشٍ طويل، وافقت فاطمة. كان حبها لزوجها أقوى من أي خوف. قررت أن تقود بنفسها إلى وادي الغموض، وأن تأخذ ليلى معها.
في صباح اليوم التالي، استأجرت فاطمة سيارة دفع رباعي قوية، وجهزت حقيبةً تحتوي على الماء والطعام والإسعافات الأولية. أعطت ليلى الإحداثيات لتكتبها على ورقةٍ منفصلة.
"سنذهب فقط لنتأكد. إذا وجدنا شيئاً، سنعود فوراً ونبلغ الشرطة." قالت فاطمة لابنتها، محاولةً أن تطمئن نفسها قبل كل شيء.
انطلقتا في رحلتهما. بعد ساعاتٍ من القيادة على طرقٍ وعرة، بدأت المناظر الطبيعية تتغير. أصبحت الجبال أكثر وعورة، والوديان أعمق. كان الهواء نقياً ومنعشاً، ولكن الشعور بالعزلة كان يزداد.
"هل نحن على الطريق الصحيح؟" سألت ليلى وهي تنظر إلى شاشة الهاتف التي تعرض الخريطة.
"أعتقد ذلك. الإحداثيات تقودنا إلى هذه المنطقة." أجابت فاطمة، وهي تقود بمهارةٍ عبر التضاريس الصعبة.
وصلتا أخيراً إلى منطقةٍ بدت كمدخلٍ لوادٍ واسع. كانت الصخور العملاقة تحيط به، والسماء صافيةٌ فوقهما. بحثتا عن "الصخرة الشبيهة بالنسر". وبعد دقائق من البحث، وجدتها. كانت صخرةً ضخمةً تتشكل بشكلٍ طبيعيٍ ليبدو كنسرٍ ينظر إلى الوادي.
"إنها هي!" صاحت ليلى. "الصخرة الشبيهة بالنسر!"
توقفت فاطمة بالسيارة. كانتا الآن عند مدخل الوادي. لم تكن هناك أي علاماتٍ تدل على وجود بشر. فقط الهدوء والصمت.
"ماذا نفعل الآن؟" سألت فاطمة.
"أعتقد أن علينا أن ندخل سيراً على الأقدام. ربما نجد أي شيءٍ يدل على وجوده." قالت ليلى.
أخذتا حقيبة الماء والطعام، وتركتان السيارة في مكانٍ آمن. بدأتا السير في الوادي. كانت المساحة واسعةً، والجبال شاهقة. كان كل شيءٍ يبدو طبيعياً، ولكن هناك شعورٌ غريبٌ بالترقب يحيط بهما.
"هل تعتقدين أن أبي كان هنا؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق بقوة.
"لا أعرف يا ابنتي. ولكننا سنعرف قريباً." أجابت فاطمة، وهي تمسك بيد ابنتها بقوة.
بعد حوالي ساعةٍ من المشي، لاحظت ليلى شيئاً غريباً. على جانب الوادي، كانت هناك علاماتٌ غير طبيعيةٍ على الصخور. بدت وكأنها قد نُحتت يدوياً.
"أمي، انظري!" قالت ليلى.
اقتربت فاطمة. كانت العلامات عبارة عن رموزٍ غريبة، لم ترها من قبل. بدت وكأنها لغةٌ قديمة.
"ما هذا؟" تساءلت فاطمة.
"لا أعرف. ولكنها تبدو كعلاماتٍ تدل على شيءٍ ما. ربما تكون هذه هي بداية الطريق." قالت ليلى، وهي تحاول تذكر أي شيءٍ قرأته عن لغاتٍ قديمة.
استمرتا في السير، تتبعان العلامات التي كانت تظهر على الصخور بشكلٍ متقطع. بدأ الوادي يضيق، وبدأت الصخور تصبح أكثر تشابهاً، مما جعل من الصعب تحديد أي علاماتٍ جديدة.
"هل ضللنا الطريق؟" سألت فاطمة، وبدأت تشعر بالإرهاق.
"لا أعتقد ذلك. يجب أن نكون قريبتين." قالت ليلى، وهي تنظر حولها بترقب.
فجأةً، سمعت ليلى صوتاً. صوتٌ خافتٌ، يشبه الهمس.
"هل سمعتِ شيئاً؟" سألت ليلى.
"لا. ربما كان الريح." أجابت فاطمة.
ولكن ليلى كانت متأكدةً من أنها سمعت صوتاً. صوتٌ بشري.
"ربما هناك شخصٌ آخر هنا." قالت ليلى.
بدأتا بالتحرك بحذرٍ أكبر، تراقب كل زاوية. وفي لحظةٍ ما، رأتا ضوءاً خافتاً قادماً من خلف كومةٍ من الصخور.
"هناك ضوء!" همست ليلى.
اقتربتتا بحذرٍ شديد، وتسللتا خلف الصخور. وما رأتاه جعلهما تتجمدان في مكانهما.
في مساحةٍ صغيرةٍ خلف الصخور، كان هناك كهفٌ صغيرٌ، وفي داخله، كان هناك رجلٌ يجلس. كان رجلاً مسناً، يرتدي ملابس بسيطة. كان يمسك في يده مصباحاً زيتياً، وكان ينظر إليهما بعينين غريبتين، مليئتين بالحكمة والغموض.
"من أنتما؟" سأل الرجل بصوتٍ هادئٍ ورخيم.
كانت هذه هي بداية لقائهما بالرجل الغامض الذي سيغير مسار بحثهما عن أحمد.