الرحلة إلى المجهول

الفصل 4 — الرجل في الكهف

بقلم نور الدين

الفصل 4 — الرجل في الكهف

جمدت فاطمة وليلى في مكانهما، لا تستطيعان التصديق ما تريانه. لم يكن الرجل المسن يبدو كأي شخصٍ قد يتوقعان العثور عليه في هذا المكان النائي. كان وجهه مليئاً بالتجاعيد، ولحيته بيضاء طويلة. كانت عيناه تتلألآن ببريقٍ غامض، وكأنهما تحملان أسراراً قديمة.

"نحن... نحن نبحث عن شخصٍ ما." تمتمت فاطمة بتردد، وهي تحاول استجماع شجاعتها. "هل رأيت رجلاً يمر من هنا؟ اسمه أحمد."

نظر الرجل إليهما بعمق، وكأنه يرى ما وراء كلماتهما. "أنتم تبحثون عن أحمد؟ المهندس؟"

دهشت ليلى. كيف يعرف هذا الرجل اسم والدها؟ وكيف عرف أنه مهندس؟

"نعم! أنت تعرفه؟" سألت ليلى بحماس، متقدمةً خطوةً إلى الأمام.

أومأ الرجل برأسه ببطء. "أعرفه. لقد مر من هنا منذ بضعة أيام. بدا ضائعاً، ولكنه كان مصمماً على الوصول إلى هذا المكان."

"هل هو بخير؟" سألت فاطمة، والدموع تترقرق في عينيها. "هل أنت تعرف أين هو الآن؟"

ابتسم الرجل ابتسامةً حزينة. "لقد وصل إلى ما كان يبحث عنه. ولكن الأمر لم يكن سهلاً."

"ماذا تقصد؟" سألت ليلى، وشعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها. "ماذا حدث له؟"

"كان أحمد يبحث عن شيءٍ تركه هنا منذ زمنٍ طويل. شيءٌ يتعلق بماضيه، بماضي 'مشروع الظل'." قال الرجل. "هذا الوادي يحمل أسراراً كثيرة، وأحمد كان جزءاً من هذه الأسرار."

"مشروع الظل؟" تذكرت ليلى الملاحظات. "أبي كان يبحث عن شيءٍ يتعلق بهذا المشروع؟"

"نعم. لقد كان هذا المشروع أكبر مما ظن. كانت هناك أشياءٌ مخفيةٌ هنا، أشياءٌ لم يكن يتوقع أحدٌ اكتشافها." أوضح الرجل.

"ولكن، من أنت؟ وكيف تعرف كل هذا؟" سألت فاطمة، وهي لا تزال تشعر بالذهول.

"أنا حارس هذا المكان. لقد عشت هنا منذ زمنٍ طويل. رأيت الكثير من الأشياء، وسمعت الكثير من القصص. أحمد كان زائراً غير متوقع، ولكنه لم يكن غريباً تماماً. لقد كان لديه صلةٌ بهذا الوادي." قال الرجل.

"هل يمكنك أن تخبرنا المزيد؟" سألت ليلى. "نحن قلقون جداً عليه. اختفى منذ أيام."

"لقد علمت بذلك." قال الرجل. "لقد اختفى، نعم. ولكنه ليس مفقوداً بالمعنى الذي تفكران فيه. لقد وجد ما كان يبحث عنه، ولكنه الآن في مكانٍ آخر."

"في مكانٍ آخر؟ أين؟" سألت فاطمة.

"في عالمٍ آخر، ربما." أجاب الرجل بغموض. "هذا الوادي له قوى خاصة. يمكن أن يكشف عن كنوزٍ مدفونة، ولكنه يمكن أيضاً أن يأخذ الأشياء بعيداً."

بدا الأمر كأنه قصةٌ خيالية، ولكن نظرة الرجل الصادقة، ومعرفته بتفاصيل دقيقة، جعلتهما تشعران بأن هناك حقيقةً ما وراء كلماته.

"هل تقصد أن أبي... قد اختفى؟" سألت ليلى، والصوت يرتعش.

"لقد ذهب حيث يجب أن يذهب." قال الرجل. "ولكنه ترك وراءه شيئاً. شيئاً قد تحتاجان إليه."

قام الرجل وتقدم نحو ركنٍ من الكهف. ومن بين بعض الأغراض القديمة، أحضر صندوقاً خشبياً صغيراً. كان يشبه الصندوق الذي وجدته ليلى في خزانة والدها، ولكنه كان أصغر حجماً.

"هذا كان لأحمد." قال الرجل، وهو يناول الصندوق لفاطمة. "لقد تركه هنا ليجد طريقه إليكم. فيه بعض الأشياء التي قد تساعدكما على فهم ما حدث."

أخذت فاطمة الصندوق، ويدها ترتجف. فتحته ببطء. بداخله، وجدت مجموعةً من الأوراق القديمة، وصورةً صغيرةً لأحمد وهو شابٌ صغير، مع امرأةٍ لم تعرفها. كانت هناك أيضاً قلادةٌ فضيةٌ قديمة، تحمل رمزاً غريباً.

"من هي هذه المرأة؟" سألت ليلى، وهي تشير إلى الصورة.

"إنها والدة أحمد." أجاب الرجل. "لقد عاشت هنا لفترةٍ قصيرةٍ قبل أن تختفي هي الأخرى."

"ماتت؟" سألت فاطمة.

"لا. لقد اختفت. مثلما اختفى أحمد الآن." قال الرجل. "هذا الوادي يأخذ من يركز على أسراره بشكلٍ كامل."

شعرت ليلى بشيءٍ من الخوف والغموض. كان الأمر أكثر تعقيداً مما تخيلت.

"ماذا يعني كل هذا؟" سألت فاطمة. "ما الذي كان أبي يبحث عنه؟"

"لقد كان يبحث عن الحقيقة." أجاب الرجل. "الحقيقة حول ماضيه، وحول اختفاء والدته. 'مشروع الظل' لم يكن مجرد مشروعٍ هندسي. لقد كان ستاراً لشيءٍ أكبر. شيءٌ يتعلق بهذه الأرض، وهذه الأسرار القديمة."

"هل يمكنك أن تخبرنا المزيد عن 'مشروع الظل'؟" سألت ليلى.

"كان المشروع يهدف إلى استكشاف هذه المنطقة، واستخراج مواردٍ فريدةٍ من نوعها. ولكن لم يكن الجميع يعرفون طبيعة هذه الموارد. كان هناك من أراد استغلالها لأغراضٍ أخرى. أحمد ووالدته كانا جزءاً من الفريق الأصلي، ولكنهما اكتشفا أن هناك شيئاً خاطئاً. حاولوا كشف الحقيقة، ولكن تم إسكاتهما."

"إسكاتهما؟ هل تعرضا للأذى؟" سألت فاطمة بقلق.

"لقد اختفيا. اختفى الكثيرون في هذا المشروع. ولكن بعض الأسرار تبقى هنا، تنتظر من يكشفها." قال الرجل.

"والقلادة؟" سألت ليلى، وهي تشير إلى القلادة في الصندوق. "ما هو هذا الرمز؟"

"هذه قلادةٌ قديمة. تحمل رمز الحماية، ورمز البحث عن الحقيقة." قال الرجل. "لقد كانت لوالدة أحمد. وهو أخذها معه عندما بدأ يبحث عن الإجابات."

شعرت ليلى بشيءٍ غريبٍ وهي تمسك بالقلادة. شعرت بقوةٍ خفيةٍ تخرج منها.

"إذن، أبي لم يختطف؟" سألت فاطمة. "لقد جاء إلى هنا بمحض إرادته؟"

"نعم. لقد جاء ليبحث عن الحقيقة، وليجد سلاماً. ربما وجده." قال الرجل.

"ولكن، هل يمكن أن نراه مرةً أخرى؟" سألت ليلى، بصوتٍ يملؤه الأمل.

تنهد الرجل. "ربما. إذا كانت الأقدار تسمح. ولكن عليكم أن تتذكروا، هذا الوادي يحمل أسراراً عميقة. ليس كل ما يظهر هو ما هو عليه حقاً."

"هل تقصد أن هناك خطراً؟" سألت فاطمة.

"دائماً ما يكون هناك خطرٌ عندما تلعب مع الأسرار القديمة." قال الرجل. "ولكن أيضاً، هناك نورٌ في نهاية الطريق. أحمد لم يذهب ليختفي. لقد ذهب ليكتشف. وهذا الاكتشاف قد يكون له علاقةٌ بكم أيضاً."

"بنا؟" سألت ليلى. "كيف؟"

"كل شيءٍ مترابط. ماضيه، وحاضركم. لقد ترك لكم دليلاً. عليكم أن تفهموا ما يعنيه." قال الرجل، وهو يشير إلى الأوراق في الصندوق.

"هل يمكنك أن تساعدنا على فهمه؟" سألت فاطمة.

"سأقدم لكم ما أستطيع. ولكن الباقي يعود إليكم. عليكم أن تقررن ما إذا كنتم تريدن مواصلة البحث، أو العودة إلى حياتكن الطبيعية." قال الرجل.

بعد ذلك، أمضت ليلى وفاطمة وقتاً طويلاً مع الرجل في الكهف. بدأتا بقراءة الأوراق التي وجدنها في الصندوق. كانت بعضها رسائلٌ من والدة أحمد، تتحدث عن مخاوفها وشكوكها حول المشروع. وبعضها الآخر كان ملاحظاتٍ هندسيةً قديمة، مع رموزٍ غريبة، تشبه تلك التي وجدتها ليلى في دفتر والدها.

وبين الأوراق، وجدت ليلى خريطةً أخرى. كانت هذه الخريطة أكثر تفصيلاً، وتظهر طريقاً سرياً داخل الوادي، يؤدي إلى كهفٍ آخر. وكان بجانب المدخل، رسمٌ لنفس الرمز الموجود على القلادة.

"انظري يا أمي!" قالت ليلى. "هذا هو الطريق!"

نظرت فاطمة إلى الخريطة، ثم إلى الرجل. "هل هذا هو المكان الذي ذهب إليه أحمد؟"

"ربما. أو ربما هو المكان الذي بدأت منه الرحلة." قال الرجل. "هذا المكان له أبوابٌ كثيرة. ليس كل من يدخل يخرج بنفس الطريقة."

شعرت ليلى بأنها تقف على حافة اكتشافٍ كبير. كان اختفاء والدها قد فتح لها باباً إلى عالمٍ من الأسرار، عالمٍ لم تكن لتتخيل وجوده.

"سنذهب." قالت ليلى بحزم. "يجب أن نعرف الحقيقة. ويجب أن نعرف ما حدث لأبي."

وافقت فاطمة، على الرغم من خوفها. كان حبها لزوجها، وحرصها على فهم ما حدث، أقوى من أي خوف.

"شكراً لك أيها الرجل العظيم." قالت فاطمة. "لقد ساعدتنا كثيراً."

"المساعدة تأتي لمن يبحث عنها بصدق." قال الرجل. "الآن، اذهبن. ولكن احذرن. الأسرار القديمة ليست سهلة المنال."

غادرتا الكهف، تحملان الصندوق، والقلادة، والخريطة الجديدة. كان الظلام قد بدأ يحل، ولكن النور الذي وجدنه في الكهف، أضاء لهن الطريق. رحلة البحث عن أحمد تحولت إلى رحلةٍ للبحث عن الحقيقة، رحلةٌ ستكشف عن ماضٍ مظلم، وعن أسرارٍ لا يزال صداها يتردد في هذا الوادي الغامض.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%