سر النجم الساطع
الفصل 4 — النداء من المجهول
بقلم سلمى الجابري
الفصل 4 — النداء من المجهول
ازداد الحجر في يد أحمد توهجًا. لم يعد توهجًا عاديًا، بل أصبح وكأنه ينبض بالطاقة، ويرسل إشارات خفية. في إحدى الليالي، بينما كان أحمد يتأمل النجوم من نافذة غرفته، شعر بأن الحجر يسحبه بقوة. رفعه، فرأى ضوءًا قويًا ينبعث منه، يسقط على جزء معين من السماء.
"أمي، انظري!" نادى أحمد.
جاءت السيدة عائشة مسرعة، ومعها السيد خالد والحاج محمود. نظروا إلى السماء، فرأوا أن الحجر يسلط ضوءه على نجم معين، نجم بدا لامعًا بشكل خاص، وكأنه يستجيب لضوء الحجر.
"إنه يشير إلى مكان ما." قال الحاج محمود بتأكيد. "هذا هو النداء الذي تحدثنا عنه. حان وقت الرحيل يا أحمد."
شعر أحمد بمزيج من الإثارة والخوف. رحلة؟ إلى أين؟ وماذا سيجد هناك؟
"لكن كيف سأذهب؟ أنا طفل صغير." قال أحمد بصوت متردد.
"القوة التي بداخلك، والقوة التي في هذا الحجر، ستقودك. ولن تكون وحدك." قال الحاج محمود. نظر إلى السيدة عائشة والسيد خالد. "نحن سنكون مرشديه الأوائل. وبعد ذلك، سيلتقي بشخص آخر، شخص سيساعده في رحلته."
كانت السيدة عائشة تحاول كبح دموعها. كان قلبها يتمزق لفراق ابنها، لكنها كانت تعلم أن هذا هو مصيره.
"سأكون بخير يا أمي. أعدك." قال أحمد وهو يحتضنها.
"أعلم يا حبيبي. فقط كن قويًا، وكن حذرًا." قالت عائشة بصوت مخنوق.
في تلك الليلة، لم ينم أحمد كثيرًا. كان يشعر بأن شيئًا عظيمًا على وشك الحدوث. كان الحجر في يده، يمنحه شعورًا بالدفء والأمان.
في الصباح الباكر، قبل أن تشرق الشمس، تجمعوا خارج المنزل. كان الحاج محمود قد أعد حقيبة صغيرة لأحمد، وضع فيها بعض الطعام، وبعض الملابس، وكتابًا صغيرًا مليئًا بالرموز.
"هذا الكتاب سيساعدك على فهم ما ستراه." قال الحاج محمود.
"وأين سأذهب؟" سأل أحمد.
"اتبع الضوء. الضوء من الحجر. سيقودك إلى مكان آمن، إلى مكان يجب أن تكون فيه." أجاب الحاج محمود.
قبل أحمد رأس والديه، ثم احتضنهما بقوة. "وداعًا."
"وداعًا يا بني. الله معك." قال خالد بصوت متأثر.
بدأ أحمد في السير، والحجر في يده يشع نورًا قويًا. كان الضوء يتجه نحو الغابة المجاورة للقرية. تبع أحمد الضوء، تاركًا وراءه والديه والحاج محمود يقفون على أهبة الاستعداد، وقلوبهم معلقة بأمل عودته.
كلما توغل أحمد في الغابة، كلما زاد ضوء الحجر. كانت الأشجار تبدو أكبر وأقدم. كان يشعر بهواء مختلف، هواء يحمل رائحة غريبة، مزيجًا من التراب والأزهار البرية.
فجأة، توقف الضوء. وجد أحمد نفسه واقفًا أمام شجرة عملاقة، لم يرَ مثلها من قبل. كانت جذوعها ضخمة، وأغصانها تمتد إلى السماء. وعند جذع الشجرة، كان هناك باب خشبي قديم، مغطى بالطحالب.
"هل هذا هو المكان؟" تساءل أحمد.
لم يكن هناك رد. شعر بالتردد. لكنه تذكر كلام الحاج محمود. "اتبع الضوء."
تقدم أحمد نحو الباب، ووضع يده على مقبضه الخشبي. كان باردًا، ولكنه شعر بنبض خافت فيه. فتح الباب ببطء، فكشف عن ممر مظلم.
"حان الوقت." سمع نفس الصوت الأثيري يتردد في أذنيه.
دخل أحمد الممر، وأغلق الباب خلفه. كان الممر مظلمًا، لكن الحجر في يده بدأ يضيء، يكشف عن جدران صخرية قديمة، منحوتة عليها رموز غريبة. كانت الرموز تشبه تلك التي في الكتاب الذي أعطاه له الحاج محمود.
بدأ أحمد في استكشاف الممر. كان يمشي بحذر، وكل خطوة كان يشعر بأنها تقوده إلى عالم جديد. بعد فترة، وصل إلى قاعة واسعة. في وسط القاعة، كان هناك منصة حجرية، وعليها شيء لامع.
اقترب أحمد، ورأى سيفًا قديمًا، سيفًا يبدو وكأنه مصنوع من ضوء النجوم. كان السيف يضيء بنور خافت، وينبعث منه هالة من القوة.
"ما هذا؟" تساءل أحمد.
"هذا هو السيف النجمي. إنه سلاح قديم، يحمل قوة عظيمة." سمع صوتًا خلفه.
التفت أحمد بسرعة، فرأى امرأة تقف خلفه. كانت ترتدي ثيابًا فضية، وشعرها طويل، ينسدل على كتفيها. كانت عيناها تلمعان ببريق غامض.
"من أنتِ؟" سأل أحمد.
"أنا حارسة هذا المكان. وقد كنت أنتظرك." قالت المرأة.
"أنتِ المرأة التي رأيتها في رؤياي؟" سأل أحمد.
"نعم. لقد رأيتني لأن هذا هو قدرك. أنت تحمل سر النجم الساتع، وهذا السيف هو جزء من هذا السر." قالت المرأة.
"ولماذا أحتاج هذا السيف؟" سأل أحمد.
"هناك قوى تحاول أن تستغل طاقة النجم الساطع. أنت من سيحميه. أنت من سيمنع الشر من الاستيلاء عليه." قالت المرأة.
شعر أحمد بالخوف، ولكنه شعر أيضًا بالقوة. كان يعلم أن رحلته ليست مجرد استكشاف، بل هي مهمة.
"كيف سأفعل ذلك؟ أنا طفل." قال أحمد.
"أنت لست طفلًا عاديًا يا أحمد. أنت تحمل بداخلِك نورًا عظيمًا. والحجر الذي معك، وهذا السيف، سيساعدانك على إطلاق هذا النور." قالت المرأة.
علمت المرأة أحمد كيف يمسك بالسيف، وكيف يشعر بطاقته. عندما لمس السيف، شعر وكأن تيارات من الطاقة تسري في جسده. بدأ السيف يضيء بقوة أكبر، وتناثرت حوله ذرات من الضوء.
"هذا هو السيف النجمي. إنه يتجاوب مع نورك. ولكن كن حذرًا، فقدرته عظيمة، ولا يجب استخدامه إلا للخير." قالت المرأة.
قضى أحمد وقتًا طويلًا في هذا المكان الغامض، يتعلم من المرأة الحارسة. تعلم عن تاريخ النجم الساطع، وعن القوى التي تسعى إلى السيطرة عليه. تعلم عن التوازن بين النور والظلام، وعن أهمية حماية الأماكن المقدسة.
في هذه الأثناء، كانت السيدة عائشة والسيد خالد في قلق دائم. لم يكن لديهما أي أخبار عن ابنهما. لكنهما كانا يتشبثان بالأمل، ويتذكران وعده بالعودة.
"متى سيأتي يا أمي؟" سألت عائشة خالد ذات يوم.
"لا أعرف يا عائشة. لكنني أثق به. وأثق في الحاج محمود." أجاب خالد.
كان الحاج محمود يزورهم بشكل منتظم، يطمئنهم، ويخبرهم أن كل شيء يسير وفق الخطة.
"ابنكم في المكان الصحيح. يتعلم ما يجب أن يتعلمه. لا تقلقوا." قال الحاج محمود.
بعد فترة، شعر أحمد بأن الوقت قد حان للعودة. شكر المرأة الحارسة، وأخذ السيف النجمي معه. خرج من الممر، وعاد إلى الغابة.
عندما وصل إلى حافة الغابة، رأى والديه والحاج محمود يقفون في انتظاره. ركض نحوهم، وقلبه مليء بالفرح.
"أحمد! لقد عدت!" صرخت عائشة وهي تعانقه بقوة.
"كنت أعلم أنه سيعود." قال خالد وهو يضم ابنه.
"لقد كنت بخير يا أمي. لقد تعلمت الكثير." قال أحمد.
نظرت عائشة إلى ابنها، فرأت فيه تغييرًا. لم يعد الطفل الصغير الذي غادر. كان هناك نضج في عينيه، وقوة في وقفته.
"ماذا تعلمت يا بني؟" سألت عائشة.
"لقد تعلمت أن العالم أكبر مما نعتقد. وأن هناك أسرارًا عظيمة. وأنني جزء من سر كبير." قال أحمد.
أخرج أحمد السيف النجمي من حقيبته. كان لا يزال يضيء بنور خافت.
"هذا السيف… إنه لي. إنه جزء من قوتي." قال أحمد.
نظر الحاج محمود إلى السيف، ثم إلى أحمد. شعر بالرضا. كانت المهمة الأولى قد اكتملت بنجاح.
"لقد أثبت أنك أهل لهذه الأمانة يا أحمد. لكن الرحلة لم تنتهِ بعد. بل هي في بدايتها." قال الحاج محمود.
عاد أحمد إلى منزله، لكنه لم يعد الطفل الذي يعرفه الجميع. كان يحمل في قلبه أسرارًا عظيمة، وفي يده سيفًا نجميًا، وفي عينيه نورًا جديدًا. كان النداء من المجهول قد لبى، وبدأت رحلة البحث عن الحقيقة.