الخيط الأزرق المفقود

همس في غياهب الليل

بقلم رنا الطاهر

تحركت نسمة باردة خفيفة عبر نافذة الغرفة المفتوحة، تحمل معها رائحة التراب المبلل وأزهار الياسمين التي تتسلق جدار القصر القديم. كان الظلام قد اكتمل، ولم يكسره سوى ضوء الشموع الخافت الذي كان يرقص على جدران المكتبة، مضيئًا رفوف الكتب العتيقة والغبار الذي استقر عليها عبر السنين. جلست لينا على الكرسي الوثير، وعيناها مثبتتان على مخطوطة قديمة بين يديها، تتفحصها بتركيز شديد. كانت المخطوطة بلغة غريبة، حروفها متعرجة وغير مألوفة، لكن شيئًا ما فيها كان يجذبها، يشدها نحو معانٍ غامضة تنتظر أن تنكشف. مرت أصابعها برفق على الورق المصفر، متلمسة النقوش الدقيقة التي بدت وكأنها تحمل أسرارًا لا حصر لها. كانت تشعر بوجود تاريخ طويل وعميق خلف هذه السطور، تاريخ قد يكون هو المفتاح لفك لغز "الخيط الأزرق المفقود" الذي أرهق تفكيرها.

كانت قد أمضت الأيام القليلة الماضية في هذا المكان، محاطة بالهدوء والغموض. بعد وصولها إلى القصر، شعرت بأنها قد خطت خطوة إلى الوراء في الزمن، إلى عصر كانت فيه الأساطير والحقائق تتشابك دونما فاصل واضح. كانت كل زاوية في القصر تحكي قصة، وكل قطعة أثرية تبدو وكأنها تحمل شهادة على أحداث مرت. لكن شيئًا واحدًا كان يسيطر على ذهنها، وهو البحث عن أي دليل يشير إلى ذلك الخيط الأسطوري، الخيط الذي نسجت حوله جدتها العديد من الحكايات في صغرها. حكايات عن قوة خارقة، عن حماية، وعن حب أبدي.

تنهدت لينا بعمق، محاولة استجماع أفكارها. كلما اقتربت من فهم شيء، شعرت بأنها تبتعد عنه أكثر. كانت تشعر بأنها تسير في متاهة، حيث تتغير الجدران وتتحرك الممرات مع كل خطوة تخطوها. حاولت أن تتذكر تفاصيل أكثر من أحاديث جدتها، لكن الذاكرة كانت تخونها، أو ربما كانت جدتها قد تعمدت إخفاء بعض التفاصيل، لتحميها من شر قد يتربص بها.

فجأة، سمعت صوتًا خفيفًا من خارج الغرفة، صوت خطوات تقترب ببطء. رفعت رأسها، وقلبها يخفق بسرعة. هل هو أحد حراس القصر؟ أم شخص آخر؟ كانت قد التقت ببعض الخدم، لكنهم كانوا قليلين، ومعظمهم يبدون كأنهم جزء من هذا المكان العتيق، صامتون ومتحفظون. لم تكن تعرف الكثير عن سكان هذا القصر، سوى أنه ملك لعائلة قديمة، وأنها حصلت على الإذن بالبقاء فيه لفترة، بفضل تدخل شخص غامض لم تعرف هويته بعد.

توقفت الخطوات أمام باب المكتبة. سمعت صوت طرق خفيف، متردد. رفعت صوتها قائلة: "من هناك؟" جاء الرد بصوت هادئ، رجولي، يحمل نبرة من الاحترام ممزوجة بشيء آخر لم تستطع تحديده. "آسف على الإزعاج يا سيدتي. لقد رأيت الضوء في المكتبة، وأردت التأكد من أنك بخير."

نهضت لينا، ووضعت المخطوطة جانبًا بحذر. شعرت بفضول ممزوج بالحذر. من هذا الشخص الذي يهتم بأمرها في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ فتحت الباب ببطء، لتجد أمامها شابًا نحيلًا، يرتدي ملابس بسيطة، وعلى وجهه علامات الإرهاق. كانت عيناه داكنتان، تشعان بذكاء حذر.

"أنا بخير، شكرًا لك," قالت لينا، محاولة أن تبدو واثقة. "كنت أبحث في بعض الكتب القديمة." ابتسم الشاب ابتسامة خفيفة. "هذه المكتبة مليئة بالأسرار. هل تبحثين عن شيء معين؟" كان سؤاله مباشرًا، مفاجئًا. شعرت لينا بأنها يجب أن تكون حذرة في إجابتها. "مجرد فضول أكاديمي، لا أكثر." "الفضول هو بداية كل اكتشاف," قال الشاب، ونبرته بدت وكأنها تحمل معنى أعمق. "اسمي أيمن. أنا أعمل هنا في القصر. كنت أرعى الحديقة في المساء."

قدمت لينا نفسها، وشعرت بارتياح طفيف. ربما كان مجرد خادم مهتم. "إذا احتجتِ أي شيء، فلا تترددي في المناداة," قال أيمن. "القصر كبير، وقد يكون مربكًا في الليل." "شكرًا لك أيمن," ردت لينا. "سأفعل." أومأ أيمن برأسه، واستدار ليبتعد. لكن قبل أن يختفي في الظلام، التفت مرة أخرى. "المخطوطات القديمة قد تكون خادعة," قال بصوت خافت. "بعضها يحمل إرثًا لا يجب العبث به."

نظرت لينا إلى أيمن بذهول. كيف عرف أنها كانت تبحث في المخطوطات؟ هل كان يراقبها؟ أم أن كلماته كانت مجرد تحذير عام؟ شعرت بأن الهواء من حولها أصبح أثقل، وأن همسات الليل أصبحت تحمل معانٍ جديدة، مليئة بالغموض والترقب. أغلقت الباب ببطء، وعادت إلى المخطوطة، لكن كلماته كانت تدور في رأسها، تزيد من قلقها وتشعل فضولها في آن واحد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%