الخيط الأزرق المفقود
الفصل 17 — رحلة إلى الأصول
بقلم رنا الطاهر
الفصل 17 — رحلة إلى الأصول
كانت الأجواء مشحونة بالتوتر. الرجل الغامض، الذي عرف عن نفسه بأنه "الحارس"، كان يحدق بهما بنظرة باردة، وكأنه يقيّم مدى خطورتهما. ليلى حاولت أن تتذكر أي تفاصيل عن هذا الرجل، أي إشارة في ذاكرة والدها، لكن شيئًا لم يتبادر إلى ذهنها. "الحارس" بدا وكأنه خرج من صفحات رواية بوليسية قديمة، بشخصيته الغامضة وسلوكه المريب.
"أنت لست 'الحارس' الذي نعرفه،" قالت ليلى بثقة متزايدة، وهي تضع يدها على القلادة الزرقاء. "والدي لم يتحدث عن أي 'حارس' هنا. هذا المكان، وهذه المقتنيات، تخص عائلتنا."
ابتسم الرجل بتهكم، ابتسامة لم تصل إلى عينيه. "عائلتك؟ عائلتك كانت مجرد بيادق في لعبة أكبر، يا صغيرتي. جدك، ثم والدك، كلهم كانوا مجرد أدوات للحفاظ على هذا الإرث."
أثارت كلمة "جدك" فضول ليلى. كانت تعرف أن جدها، الشيخ سليمان، كان شخصية مرموقة في بلدتها، تاجرًا ناجحًا، لكنها لم تعرف شيئًا عن تورطه في "لعبة أكبر".
"ماذا تقصد بـ 'لعبة أكبر'؟ وما هو هذا الإرث؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأن الخيط الأزرق المفقود يقودها إلى ماضٍ أكثر غموضًا مما كانت تتخيل.
"هذا الإرث أقدم من عائلتك، وأقدم من هذه البلدة. إنه سر عظيم، والقوة التي تحميه. جدك كان يعلم ذلك، ووالدك كان يعلم ذلك. كانوا يحفظون الأسرار، وينتظرون الوقت المناسب." قال الحارس، وهو يتقدم خطوة نحوهم.
"وما هو الوقت المناسب؟" سأل فهد، وهو يقف بجوار ليلى، مستعدًا للدفاع عنها.
"الوقت المناسب هو عندما تظهر الفتاة التي تحمل بصمة النجوم، الفتاة التي ستقودنا إلى الجوهر." قال الحارس، وهو يحدق في عيني ليلى.
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها. "بصمة النجوم؟ ماذا تعني؟"
"إنها علامة، علامة خاصة لا تظهر إلا لمن يحمل القدر. وهي في عينيكِ، يا ليلى."
كانت الكلمات صادمة. لم تفهم ليلى ما يحدث. هل كانت مجرد أوهام، أم أن هناك حقيقة وراء هذه العبارات الغامضة؟
"هذه مجرد أكاذيب!" صاح فهد. "لقد جئت لسرقة شيء ثمين منا!"
"السرقة؟" ضحك الحارس. "أنا لا أسرق. أنا أحمي. هذه القلادة، وهذا الصندوق، هما مفتاح لبوابة، بوابة عبر الزمن. جدك كان يحرس هذه البوابة، ووالدك استمر في ذلك. والآن، جاء دورك."
"دوري؟" تكررت ليلى الكلمة، وهي تشعر بأنها في وسط حلم غريب. "دور ماذا؟"
"دور الحارس الجديد. دور من سيحمي هذا الإرث." قال الحارس، وهو يمد يده نحو القلادة.
تراجعت ليلى للخلف، وهي تشد القلادة بقوة. "لن أعطيك إياها. هذه ملك لوالدي."
"والدك تركها لكِ. لكنه لم يترك لكِ كامل الحقيقة. لم يخبركِ أن الحماية تأتي مع مسؤولية عظيمة. لم يخبركِ أن هناك من يسعى لامتلاك هذه القوة لأغراض شريرة."
"من؟" سأل فهد.
"هناك قوى تسعى للسيطرة على العالم، قوى لا تعرف الرحمة. وهذه القلادة هي مفتاح إيقافهم. لكنها أيضًا مفتاح لإطلاقهم إذا وقعت في الأيدي الخطأ."
بدأت ليلى تشعر بأن عقلها يدور. كل كلمة كانت تزيد من تعقيد الأمور. بدأت تشك في كل شيء، في كل ما عرفته عن عائلتها، عن ماضيها.
"إذا كنت تقول الحقيقة، فلماذا تركت والدنا وأبوه يحرسون هذه الأسرار كل هذه السنوات؟" سألت ليلى، وهي تحاول استيعاب كل هذه المعلومات.
"لأنهم كانوا موثوقين. ولأنهم لم يكونوا يعرفون الأسرار الكاملة. هم فقط كانوا يحفظون الأبواب. أما المفتاح الحقيقي، فهو الآن معك."
"إذن، أنت تريد مني أن آخذ هذا العبء؟ أن أكون 'حارسة'؟"
"نعم. لقد اختاركِ القدر، أو ربما اختاركِ جدكِ في وصيته. هذه القلادة، وهذه الأسرار، يجب أن تنتقل إليكِ. لكن عليكِ أن تتعلمي كيف تحميه."
"وكيف أتعلم؟"
"ستجدين الإجابات في المكان الذي بدأ منه كل شيء. في القرية القديمة، حيث بدأ جدك رحلته."
"القرية القديمة؟" سأل فهد.
"نعم. هناك، ستجدين خيوطًا أخرى تربط الماضي بالحاضر. ستجدين الأشخاص الذين يعرفون الحقيقة كاملة."
شعر فهد بالخوف على أخته. "لكن هذه القرية بعيدة جدًا، ومليئة بالمخاطر."
"المخاطر موجودة في كل مكان، يا فتى. لكن حماية الإرث أهم."
نظرت ليلى إلى القلادة في يدها. شعرت بثقلها، ليس فقط ثقل الذهب والفضة، بل ثقل المسؤولية. هل كانت مستعدة لهذا؟ هل كانت تستطيع تحمل هذا العبء؟
"وماذا عنك؟" سألت ليلى الحارس. "ما دورك؟"
"دوري هو الإرشاد. سأرافقكِ، وأساعدكِ في رحلتك. أنا مجرد ظل، ظل قديم يحمي الماضي. لكنكِ أنتِ المستقبل."
كانت فكرة رحلة إلى قرية قديمة، برفقة رجل غامض، تحمل الكثير من المخاطر. لكن ليلى شعرت بأنها لا تملك خيارًا آخر. كان عليها أن تعرف الحقيقة. كان عليها أن تفهم معنى "الخيط الأزرق المفقود".
"حسنًا،" قالت ليلى، وهي تشد قبضتها على القلادة. "سنذهب. سنذهب إلى القرية القديمة."
ابتسم الحارس ابتسامة خفيفة. "قرار حكيم. الآن، لنستعد. الرحلة لن تكون سهلة."
بينما كانا يستعدان لمغادرة العلية، التفتت ليلى إلى فهد. "ستأتي معي، أليس كذلك؟"
نظر فهد إلى أخته، ثم إلى الرجل الغامض، وقال بعزم: "بالطبع. لن أترككِ وحدكِ."
شعرت ليلى ببعض الراحة. وجود فهد بجانبها سيمنحها القوة.
غادروا العلية، تاركين وراءهم صندوقًا مفتوحًا، وأسرارًا بدأت تتكشف. كانت الشمس قد بدأت تغرب، مرسلة أشعتها الذهبية عبر نوافذ المنزل. شعرت ليلى بأنها تقف على عتبة فصل جديد في حياتها، فصل مليء بالمغامرات، وبالغموض، وبالبحث عن الحقيقة.