الخيط الأزرق المفقود

همسات في سوق العطارين

بقلم رنا الطاهر

كانت نسمة المساء تحمل معها عبق التوابل والعود، تداعب وجوه المارة في سوق العطارين المزدحم. بين حشود الباعة وزبائنهم، كانت لينا تسير بخطوات متثاقلة، قلبها يرتجف بين الأمل والقلق. قبل أيام قليلة، تلقت رسالة غامضة، بخط يد لم تتعرف عليه، تحمل كلمات قليلة لكنها هزت كيانها: "الخيط الأزرق لا يزال موجودًا. السوق في المساء. ابحثي عن الرجل ذي العينين المتعبتين." لم تكن الرسالة سوى ومضة أمل في بحر من اليأس، بعد سنوات من البحث المضني عن والدها الذي اختفى دون أثر، تاركًا وراءه ذكريات موجعة ورغبة جامحة في معرفة الحقيقة.

كلما مرّت بجانب بائع أعشاب، كان قلبها يرتجف، متسائلة إن كان هو المقصود. كانت تتذكر والدها، الرجل الهادئ الذي كان يجلس ساعات في مكتبته، يقلب صفحات الكتب القديمة، وعيناه تلمعان بشغف للمعرفة. كان يحمل دائمًا وشاحًا صغيرًا من الحرير الأزرق، كان يصفه بأنه "خيط أمل يربط بين عالمين". لم تفهم يومًا ما كان يقصد، لكنها احتفظت بالوشاح ككنز ثمين، رمزًا لوالدها الغائب.

توقفت أمام دكان صغير يفوح منه عبير الزعفران والهيل. كان صاحبه رجلًا في منتصف العمر، شعره بدأ يغزوه الشيب، وتجاعيد عميقة حفّرت وجهه، تمنحه نظرة حكمة وتعب في آن واحد. كانت عيناه، بلون بني داكن، تتفحصان زبوناتها بنوع من الترقب، وكأنه يبحث عن شيء أو شخص معين. شعرت لينا بأنفاسها تتسارع. هل هو هو؟ هل هذا هو الرجل ذو العينين المتعبتين؟

اقتربت بحذر، وبصوت مرتجف بالكاد تسمعه، قالت: "مساء الخير. أبحث عن... أبحث عن شيء نادر."

رفع الرجل حاجبيه ببطء، ونظر إليها بتفحص. لم يكن في عينيه أي تعبير مفاجئ، بل كان هناك قبول هادئ، وكأنه كان ينتظرها. قال بصوت خفيض، فيه نبرة من الحزن العميق: "كل شيء هنا نادر، يا ابنتي. لكن بعض الأشياء ندرتها تكمن في القصة التي تحملها، لا في ثمنها."

توقعت ردًا مختلفًا، ربما سؤالًا مباشرًا عن الرسالة أو الخيط الأزرق. لكن كلامه بدا أعمق، وكأنه يتحدث عن لغز قديم. ترددت لينا لحظة، ثم استجمعت شجاعتها. "أبحث عن... قطعة قماش. صغيرة. بلون أزرق سماوي. حرير."

تغيرت نظرة الرجل قليلاً، وتحول التعب في عينيه إلى شيء أقرب إلى الاهتمام. أشار بيد مرتعشة إلى رف خلفه، مليء بلفائف القماش القديمة، بعضها بهت لونه بفعل الزمن، وبعضها لا يزال يحتفظ ببريقه. "ربما... ربما ما تبحثين عنه موجود بين هذه الأقمشة. لقد مرّ على هذا المكان الكثير من القصص، والكثير من الذكريات."

بدأت لينا تفرز الأقمشة، تمرر أصابعها عليها، تشعر بنسيجها، وتراقب ألوانها. كان كل قماش يحمل رائحة خاصة، رائحة الماضي. لم تجد شيئًا يماثل وصفها. شعرت بخيبة أمل تتسلل إلى قلبها. هل كانت الرسالة مجرد خدعة؟ هل أضاعت وقتها وجهدها؟

كانت على وشك الاستسلام، عندما لفت انتباهها قطعة قماش صغيرة، مطوية بعناية في زاوية الرف. كانت تبدو مختلفة عن البقية. أزالتها بحذر، وبمجرد أن كشفت عن لونها، شعرت بأن الدم يتجمد في عروقها. كان لونًا أزرق سماويًا، تمامًا كما وصفته. وعندما لمست نسيجه، عرفت على الفور. كان حريرًا ناعمًا، لكنه ليس مجرد حرير عادي. كان هناك شيء غريب في ملمسه، شيء يبعث على الدفء والهدوء.

رفعتها في يديها، وكانت ترتجف. "هذا... هذا هو!" قالت بصوت مختنق.

نظر الرجل إليها، وفي عينيه بريق خافت. "لقد مضى زمن طويل منذ أن رأيت هذه القطعة. إنها تحمل حكاية طويلة، يا ابنتي. حكاية عن الحب، والفقد، والخيانة."

سألته لينا بلهفة: "هل تعرف هذه الحكاية؟ هل تعرف لمن كانت؟"

ابتسم الرجل ابتسامة حزينة. "كل شيء أعرفه، وكل شيء أراه هنا، هو جزء من حكاية أكبر. حكاية هذا المكان، وحكاية الأشخاص الذين مروا به. تفضلي، خذي هذه القطعة. ربما تكون هي المفتاح الذي تبحثين عنه."

أخذت لينا القطعة الزرقاء، وشعرت بثقلها، ليس ثقل القماش، بل ثقل الأسرار التي قد تحملها. أخرجت محفظتها، لكن الرجل هز رأسه. "لا حاجة للمال، يا ابنتي. ما أقدمه لك هو ثمن سنوات من الانتظار. ما أطلبه منك فقط، هو أن تبحثي عن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة."

خرجت لينا من السوق، والقطعة الزرقاء ملفوفة بعناية في منديل، وقلبها يخفق بقوة. لم تعد مجرد قطعة قماش، بل أصبحت رمزًا. رمزًا لوالدها، ورمزًا للغز الذي بدأ يتكشف. كانت تعلم أن هذه مجرد البداية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%