الوصية الأخيرة
همسات الماضي وصخب الحاضر
بقلم سلمى الجابري
كانت السماء تتوشح بوشاح الليل الداكن، تتلألأ فيه نجوم كحبات الماس المتناثرة على قماش مخملي، بينما كان القمر بدرًا يلقي بضوئه الفضي على حدائق قصر آل الحاج. في إحدى الغرف الفسيحة، التي تزين جدرانها لوحات فنية قديمة تروي قصص أجيال مضت، جلست ليلى، وريثة ثروة آل الحاج، تتأمل انعكاسها الباهت في مرآة عتيقة. كان وجهها يحمل آثار قلق عميق، وعيناها الواسعتان، التي لطالما لمعت ببريق الحياة، تبدوان اليوم غائمتين، مثقلتين بهموم لا قبل لها بها. منذ وفاة جدها، الرجل الذي كان بمثابة عمودها الفقري وسندها، شعرت بأنها أصبحت وحيدة في هذا العالم الواسع. لقد تركت وصيته الأخيرة فراغًا هائلاً في حياتها، ليس فقط بسبب فقدانه، بل بسبب الغموض الذي أحاط بتفاصيلها. وصية لم تكن مجرد توزيع ممتلكات، بل كانت كشفًا لأسرار دفينة، وإلقاءً لظلال الشك على أقرب الناس إليها.
كانت ليلى قد أمضت الأيام القليلة الماضية في محاولة استيعاب ما حدث. جدها، الشيخ أحمد، الرجل الوقور ذو الحكمة التي لا تنضب، قد فاجأ الجميع بوصيته. لم يقتصر الأمر على توزيع ثروته الهائلة، بل ضمن بنودًا غريبة، بنودًا تتطلب منها القيام بأفعال محددة، رحلات إلى أماكن غامضة، البحث عن أشياء مفقودة، والتواصل مع شخصيات لم تسمع بها من قبل. بدا الأمر وكأنه لغز كبير، ومهمة مستحيلة، وربما تكون مصيدة. الشكوك بدأت تتسلل إلى قلبها، تتغذى على همسات الحاشية، ونظرات الاستغراب المتبادلة بين الأقارب، والأهم من ذلك، على التغيير المفاجئ في سلوك عمها، السيد فؤاد، الرجل الذي كان يتظاهر بالود والاهتمام، ولكنه الآن يبدو متربصًا، يراقبها بعين لا تخلو من طمع.
كانت ليلى تتذكر حديثها الأخير مع جدها. كان ضعيفًا، بالكاد يستطيع الكلام، ولكن عينيه كانتا تحملان لمعانًا خاصًا، وكأنه يرى شيئًا لا يراه الآخرون. لقد أمسك بيدها الباردة، وضغط عليها برفق، وقال بصوت خافت، ولكن مليء بالعزم: "يا بنيتي، الحياة ليست دائمًا كما تبدو. الأسرار تختبئ في الظلال، والحقيقة غالبًا ما تكون مؤلمة. ثقي بقلبك، واستمعي لصوت الحكمة بداخلك. هناك طريق يجب عليكِ أن تسلكيه، طريق سيغير كل شيء. لا تخافي، فأنا معك، حتى لو لم تريني." كانت كلماته حينها تبدو غامضة، ولكنها الآن اكتسبت معنى جديدًا، معنى أثقل كاهلها.
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كانت الأفكار تتصارع في رأسها. هل كان جدها يريد حمايتها من خطر ما؟ أم كان يحاول إبعادها عن شيء ما؟ ولماذا اختار هذه الطريقة المعقدة لإيصال رسالته؟ كانت وصيته أشبه بلعبة شطرنج، كل حركة محسوبة، وكل خطوة لها تبعاتها. كان عليها أن تقابل المحامي الخاص بالعائلة، الأستاذ رضوان، في صباح اليوم التالي، لمناقشة تفاصيل الوصية. كانت تعلم أن الأستاذ رضوان رجل نزيه، ولكنه أيضًا رجل قوانين، ولن يتجاوز ما هو مدون في الوصية.
خرجت ليلى إلى الشرفة، تتنفس هواء الليل المنعش. كانت الأضواء البعيدة للمدينة تبدو كأنها تائهة في الظلام. شعرت بوحدة قاتلة، ولكنها في الوقت نفسه، شعرت بشيء من الإصرار يتسلل إلى روحها. لن تستسلم. جدها لم يكن ليضعها في موقف صعب دون سبب. كان هناك شيء كبير خلف هذه الوصية، شيء يستحق الكشف عنه. رفعت رأسها إلى السماء، وكأنها تتحدث إلى روح جدها. "سأفعل ما طلبت مني، يا جدي. سأكشف عن الأسرار، وسأجد الحقيقة، مهما كان الثمن." كان ذلك وعدًا قطعته على نفسها، وعدًا حملته في قلبها، ووعدًا سيغير مجرى حياتها إلى الأبد. صخب الحاضر، الذي فرضته مفاجأة الوصية، بدأ يتلاشى ليحل محله صوت همسات الماضي، التي بدأت تناديها من أعماق الزمن.