الوصية الأخيرة
الفصل 14 — لقاءات متوقعة وتحديات غير متوقعة
بقلم سلمى الجابري
الفصل 14 — لقاءات متوقعة وتحديات غير متوقعة
بعد فترة وجيزة من اجتماع مجلس الأمناء الأول، بدأت مؤسسة "بصيرة العلم" تتخذ شكلها الرسمي. تم تحديد مقر للمؤسسة في أحد مباني القصر القديمة، تم تجديده وتجهيزه بأحدث التقنيات. كانت ليلى، بفضل حماسها ورؤيتها، تلعب دوراً محورياً في تنظيم كل شيء.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تراجع قوائم الطلاب المحتملين لدعمهم، وصلها اتصال هاتفي. كان المتصل هو الدكتور يوسف النجار.
"آنسة ليلى؟" قال الدكتور النجار بصوت عميق وموثوق. "أتحدث معكِ بصفتي أحد أعضاء مجلس أمناء مؤسسة 'بصيرة العلم'. اعتذر عن التأخير في التواصل، فقد كنت منشغلاً جداً ببعض التجارب الهامة. ولكنني قرأت الوثيقة التي تركها المرحوم الشيخ خالد، وأنا معجب جداً برؤيته."
"أهلاً بك يا دكتور النجار." قالت ليلى، وشعرت بارتياح كبير. "نحن سعداء جداً بتواصلك. كنت أتمنى أن ألتقي بك قريباً."
"وأنا أيضاً. لدي بعض الأفكار التي أعتقد أنها ستكون مفيدة للمؤسسة، خاصة فيما يتعلق بمجال أبحاث الطاقة المتجددة. لقد ذكرت في الوثيقة بعض الأبحاث التي كنت أتابعها عن كثب، وكان للمرحوم اهتمام خاص بها."
"هذا رائع! سأكون سعيدة جداً بسماع أفكارك. هل يمكن أن نحدد موعداً للقاء؟"
"بالتأكيد. سأكون في مدينتكم خلال الأسبوع القادم. هل يمكن أن نلتقي في مقر المؤسسة؟"
"بالطبع. سأكون بانتظارك."
بعد إنهاء المكالمة، شعرت ليلى بجرعة إضافية من الحماس. وجود الدكتور النجار، بعلمه وخبرته، سيضيف قيمة كبيرة للمؤسسة.
في اليوم المحدد، وصل الدكتور النجار. كان رجلاً في أواخر الخمسينيات، ذو هيبة علمية، وعينان ذكيتان. استقبلته ليلى بحرارة، وقدمته إلى والدتها وعمها.
"مرحباً بكم جميعاً." قال الدكتور النجار، وهو يصافحهم. "لقد اطلعت على الوثيقة، وأنا معجب جداً برؤية الشيخ خالد. إنها رؤية طموحة، ولكنها قابلة للتحقيق."
بدأ الدكتور النجار بشرح أفكاره حول مشاريع بحثية يمكن للمؤسسة دعمها. تحدث عن أهمية تطوير مصادر طاقة نظيفة، وعن الحاجة الملحة لإيجاد حلول لمشكلة التلوث.
"لقد ذكر المرحوم في وثيقته اهتمامه ببعض الأبحاث الأولية التي قمت بها في مجال خلايا الوقود الشمسية المتقدمة. أعتقد أن هذه الأبحاث يمكن تطويرها بشكل كبير إذا حصلت على الدعم الكافي." قال الدكتور النجار.
"هذا يبدو واعداً جداً." قال الأستاذ أحمد. "هل تعتقد أن هذه الأبحاث يمكن أن تؤدي إلى نتائج ملموسة في المستقبل القريب؟"
"كل بحث علمي يحتاج إلى وقت وصبر." أجاب الدكتور النجار. "ولكنني متفائل. الشيخ خالد ترك لنا أساساً قوياً، وإذا بنينا عليه بشكل صحيح، يمكننا تحقيق إنجازات كبيرة."
بينما كان النقاش يحتدم، لاحظت ليلى شيئاً غريباً. كان الدكتور النجار ينظر إلى قلادة "البصيرة" التي كانت ترتديها. بدت عيناه تركزان عليها بشكل لافت.
"قلادة جميلة جداً." قال الدكتور النجار فجأة. "هل هي هدية من العائلة؟"
"نعم، إنها من جدي." أجابت ليلى، وهي تشعر ببعض الارتباك. "إنها تحمل نقش عين مفتوحة."
"العين المفتوحة... رمز البصيرة. لقد رأيت هذا النقش من قبل." قال الدكتور النجار، وعلامات تفكير عميقة على وجهه. "هل يمكنني رؤيتها عن قرب؟"
أخرجت ليلى القلادة من عنقها، وقدمتها إلى الدكتور النجار. أخذها في يده، وفحصها بعناية.
"هذا النقش... إنه ليس مجرد نقش. إنه يحمل تفاصيل دقيقة. يبدو وكأنه مفتاح لشيء ما." قال الدكتور النجار، وهو يتأمل النقش.
"لقد وجدناها في صندوق تركه جدي. وكلمة السر لفتحه كانت 'بصيرة الحقيقة'." قالت ليلى.
"بصيرة الحقيقة..." تمتم الدكتور النجار. "اسم رائع. ولكن هل تعتقدون أن القلادة نفسها تحمل سراً؟"
"لقد وجدنا وثيقة أخرى مخفية في أوراق جدي، عليها رموز غريبة. هل يمكن أن تكون مرتبطة بالقلادة؟" سألت ليلى.
"رموز غريبة؟ هل يمكنني رؤيتها؟" طلب الدكتور النجار.
أحضرت ليلى الصفحة التي تحمل الرموز. تفحصها الدكتور النجار بعناية، وعيناه تتسع قليلاً.
"هذه الرموز... إنها ليست لغة حديثة. تبدو وكأنها رموز قديمة جداً، ربما مرتبطة بحضارات سابقة." قال الدكتور النجار. "وبالتأكيد، هناك علاقة بينها وبين القلادة. يبدو أن النقش على القلادة هو المفتاح لفك هذه الرموز."
"إذاً، لدينا لغزان الآن." قالت السيدة فاطمة. "لغز الرموز، ولغز هذه القلادة."
"ربما يكون هذا جزءاً آخر من خطة المرحوم." قال الأستاذ أحمد. "لم يكن يريد منا أن نعتمد فقط على الوثيقة، بل أن نستمر في البحث والتنقيب."
"وأنا على استعداد للمساعدة في هذا البحث." قال الدكتور النجار. "لدي بعض المعرفة باللغات القديمة، وقد أتمكن من فك هذه الرموز بمساعدة القلادة."
شعر الجميع بتزايد الغموض، ولكن أيضاً بتزايد الأمل. كان جدهم يترك لهم رحلة استكشاف مدهشة، رحلة تكشف عن ماضٍ بعيد، وعن رؤية للمستقبل.
وبينما هم يناقشون هذه الرموز، وصلتهم أخبار غير سارة. لقد واجهت المؤسسة أول تحدٍ لها. أحد الطلاب الذين كانوا مرشحين للحصول على منحة، ويدعى "خالد"، واجه مشكلة عائلية مفاجئة، مما جعله على وشك فقدان فرصة الدراسة.
"يا إلهي!" قالت ليلى. "هذا الطالب هو الذي كان جدي يتحدث عنه في إحدى مذكراته. كان يرى فيه مستقبلاً واعداً."
"يجب أن نساعده." قالت السيدة فاطمة بحزم. "هذا هو جوهر ما أسسه جدي."
"بالتأكيد. علينا تجاوز هذه العقبة." قال الأستاذ أحمد. "ولكن علينا أيضاً أن نفكر في كيفية معالجة هذه الحالات بشكل منهجي في المستقبل. ربما نحتاج إلى لجنة خاصة لدراسة طلبات المنح بشكل أعمق."
"أوافق." قال السيد فؤاد. "ولكن في الوقت الحالي، يجب أن نركز على مساعدة خالد. سأقوم بتحويل مبلغ من حسابي الخاص لتغطية تكاليفه مؤقتاً، حتى نتمكن من معالجة الأمر بشكل رسمي."
"شكراً لك يا سيد فؤاد." قالت ليلى، وقد غمرتها مشاعر الامتنان. "هذه هي روح 'بصيرة العلم'."
في تلك الليلة، وبعد مغادرة الجميع، جلست ليلى وحدها في مكتبة جدها. نظرت إلى القلادة في يدها، ثم إلى الرموز الغريبة على الورقة. شعرت بأنها على وشك كشف سر أعمق.
"جدي العزيز." همست ليلى. "لقد بدأت رحلتك. وأنا سأكملها. أينما كان هذا المسار سيأخذنا."
كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً. كانت هناك تحديات مالية، وتحديات إدارية، ولغز جديد ظهر فجأة. ولكنها كانت مستعدة. كانت مستعدة لمواجهة كل شيء، من أجل تحقيق حلم جدها، ومن أجل بناء مستقبل مشرق للآخرين.