الوصية الأخيرة
بالتأكيد، يسعدني أن أقدم لك الفصول من 16 إلى 20 من رواية "الوصية الأخيرة"، ملتزماً بجميع الشروط والمتطلبات.
بقلم سلمى الجابري
بالتأكيد، يسعدني أن أقدم لك الفصول من 16 إلى 20 من رواية "الوصية الأخيرة"، ملتزماً بجميع الشروط والمتطلبات.
الفصل 16 — ظلال الماضي ووشوشات المستقبل
انقشع ضباب الدهشة التي أحاطت بالكشف المفاجئ عن وجود "الصندوق الأسود" ليحل محله شعور متزايد بالمسؤولية، ممزوجاً بخليط من الرهبة والفضول. كانت كلمات الجد الراحل، "علي"، لا تزال ترن في أذني نور، كأنها الهمسة الأخيرة التي تحمل بين طياتها مفاتيح لعالم غامض لم تكن تتوقع أبداً أن تجد نفسها في قلبه. "الصندوق الأسود"، هذا المصطلح الغريب الذي لم تفهمه في البداية، بدأ يتجلى الآن ككيان مادي، ربما كجهاز تسجيل، أو كدفتر ملاحظات سري، يحوي أسراراً ربما تكون قد طويت مع السنوات، أو ربما كانت مجرد أحلام مؤجلة.
جلست نور في مكتب جدها الفسيح، الذي كان يعج بالكتب العتيقة، ورائحة الورق القديم الممزوجة بعبق العود تفوح في المكان. كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة، ترسم خطوطاً ذهبية على الأرضية الخشبية، وتبرز غبار السنين المتناثر. أمسكت بالصندوق الأسود بين يديها، كان معدنه بارداً وناعماً، يبدو قديماً لكنه يحتفظ ببريق غامض. لا توجد عليه أية علامات أو نقوش واضحة، سوى قفل صغير يبدو أنه يحتاج إلى مفتاح خاص.
"كيف أفتحه يا جدي؟" تساءلت بصوت خافت، وهي تتأمل القفل بعينين دامعتين. شعرت وكأنها في حوار صامت مع روح جدها، تحاول أن تستشعر منه الإجابة. تذكرت حديثه المقتضب عن "الوصية الأخيرة" وعن "الكنز الذي لا يقدر بمال". هل هذا الصندوق هو ذلك الكنز؟ أم أنه مجرد مفتاح له؟
دخلت والدتها، السيدة فاطمة، وهي تحمل صينية عليها كوبان من الشاي وبعض البسكويت. وضعت الصينية بهدوء على المكتب، وجلست بجوار نور، تنظر إليها بعينين مليئتين بالحب والقلق. "ماذا تفكرين يا ابنتي؟" سألت بصوت حنون.
نور رفعت رأسها، ابتسمت لوالدتها ابتسامة باهتة. "أفكر في وصية جدي يا أمي. وهذا الصندوق... لا أعرف ما هو، ولا كيف سأتعامل معه."
السيدة فاطمة وضعت يدها على يد ابنتها. "جدك كان رجلاً حكيماً، ولم يكن يفعل شيئاً إلا وله سبب. بالتأكيد، هذا الصندوق يحمل شيئاً مهماً. ربما كان يرغب في أن تكشفيه بنفسك، لتتعلمي وتنمي."
"لكن كيف؟" كررت نور، وشعرت بتزايد الإحباط. "لا يوجد مفتاح، ولا أعرف ما بداخله. هل هو مجرد قطعة معدنية قديمة؟"
"لا تقللي من قدره يا نور. جدك كان جامعاً للكثير من المقتنيات الثمينة، وكان يملك دوماً أسراراً صغيرة. ربما هناك مفتاح مخبأ في مكان ما، أو ربما طريقة معينة لفتحه."
بدأت نور تنظر حولها في المكتب، تتفحص الأرفف المليئة بالكتب، والصناديق الخشبية المزخرفة، والرسومات القديمة المعلقة على الجدران. كل شيء هنا كان يحمل بصمة جدها. هل يمكن أن يكون المفتاح مختبئاً بين صفحات أحد الكتب؟ أو داخل أحد تلك الصناديق؟
"هل رأيتِ جدي يستخدم هذا الصندوق من قبل؟" سألت نور والدتها.
فكرت السيدة فاطمة قليلاً. "أتذكر أنه كان لديه صندوق مشابه، لكنني لم أنتبه لتفاصيله. كان دائماً يغلق أبواب مكتبه، ويقضي ساعات طويلة هنا. كان يحب خصوصيته."
"ربما كان يحتفظ بأوراق مهمة فيه، أو ذكريات." قالت نور.
"أو ربما، كما قال في وصيته، شيئاً سيساعدك في بناء مستقبلك." أضافت السيدة فاطمة، بنبرة تبعث على الأمل.
في تلك اللحظة، استرعى انتباه نور كتاب جلدي قديم، يبدو مختلفاً عن بقية الكتب. كان غلافه بلون داكن، ومزخرف بنقوش فضية باهتة. رفعت نور الكتاب، وشعرت بخفة مفاجئة. فتحت الكتاب، فوجدت صفحاته فارغة تقريباً، باستثناء صفحة واحدة في المنتصف، كتب عليها بخط يد جدها الجميل، ولكن بحبر يكاد يكون شفافاً: "المفتاح ليس مادة، بل معرفة. والباب لا يفتح إلا لمن يبحث بقلب صادق."
شعرت نور بوخزة من الإلهام. "المفتاح ليس مادة، بل معرفة..." همست. "يبدو أن جدي كان يقصد شيئاً رمزياً."
"ماذا تقصدين؟" سألت السيدة فاطمة بفضول.
"لا أعرف بالضبط بعد، أمي. لكنني أعتقد أن جدي لم يكن ليضع صندوقاً مغلقاً دون أن يترك لنا دليلاً. ربما يجب أن نبحث عن معلومات، عن رموز، عن شيء مرتبط بهذا الصندوق أو بكلمات جدنا."
قررت نور أن تبدأ رحلة البحث في مكتب جدها. بدأت بتمحيص الكتب، وقراءة العناوين، وتصفح الأوراق القديمة. كانت كل صفحة تقلبها، وكل كتاب تتفحصه، تشعر وكأنها تقترب خطوة من فهم أعمق لوالد جدها، وللأسرار التي كان يحملها.
في غضون ذلك، اتصلت بها صديقتها المقربة، سارة، للسؤال عن أحوالها بعد وفاة جدها. روت لها نور باختصار عن الوصية والصندوق، وشعرت بسارة متعاطفة ومهتمة. وعدتها نور بأن تخبرها بكل جديد.
قضت نور بقية اليوم في المكتب، تتنقل بين الكتب والمذكرات. وجدت في أحد الصناديق الخشبية الصغيرة رسائل قديمة، بعضها بخط يد جدها، وبعضها الآخر من أشخاص لا تعرفهم. كانت الرسائل تتحدث عن "مشروع الوعد"، و"الأمانة"، و"التحدي القادم". كلمات غامضة، زادت من تعقيد اللغز.
قبل غروب الشمس، وبينما كانت تراجع أحد كتب التاريخ القديم، سقطت منها ورقة صغيرة مطوية. لم تكن ورقة عادية، بل كانت أشبه بقطعة قماشية قديمة، عليها رسم غريب لشكل هندسي معقد، وبعض الرموز غير المفهومة. شعرت نور بأنها تقترب أكثر. أمسكت بالورقة، ونظرت إلى الصندوق الأسود. هل هذا الرسم هو جزء من المفتاح؟
"أمي، تعالي انظري!" نادت نور والدتها.
جاءت السيدة فاطمة، ونظرت إلى الرسم. "لم أر شيئاً كهذا من قبل. هل هو رمز؟"
"ربما. انظري إلى هذه الرموز هنا. إنها تشبه بعض الرموز التي رأيتها في أحد كتب جدك عن الحضارات القديمة."
بدأت نور تشعر بشعور قوي بالهدف. لم يعد الأمر مجرد حزن على جدها، بل أصبح مهمة. مهمة لكشف أسراره، وفهم ما كان يريده حقاً. كانت تعلم أن الطريق سيكون طويلاً ومليئاً بالتحديات، لكنها كانت مستعدة. ظلال الماضي كانت تتكشف ببطء، ووشوشات المستقبل كانت تهمس لها بضرورة الاستمرار.