الوصية الأخيرة

الفصل 2 — الرموز والأثر الأول

بقلم سلمى الجابري

الفصل 2 — الرموز والأثر الأول

استيقظ أحمد مع خيوط الفجر الأولى، واللفافة بين يديه. لم يغمض له جفنٌ طوال الليل. كانت كلمات والده تتردد في أذنيه، والألغاز تتكاثر في ذهنه. "حجر الزاوية"... "المال المسلوب"... "الحق الضائع"... كانت هذه العبارات كشراراتٍ تشعل نار الفضول والقلق في آنٍ واحد.

بعد صلاة الفجر، عاد إلى غرفة والده. المكان لا يزال يحتفظ برائحة الشيخ العطرة، لكنه خالٍ من روحه. جلس على كرسي والده، محاولاً أن يستحضر شيئاً، أي شيءٍ قد يساعده. أمسك بختم والده الشمعي، الذي كان يزين اللفافة، وبدأ يتفحصه. كان الختم عبارة عن شعارٍ قديمٍ لعائلة السقاف، لكن بداخله رسمٌ صغيرٌ لحجرٍ متلألئ. هل هذا هو "حجر الزاوية"؟

أخذ أحمد الصندوق مرةً أخرى، وبحث فيه بعمق. وجد بداخله دفتر ملاحظاتٍ صغيرٍ لوالده، مليءٌ بتدويناتٍ متفرقة. بعضها يتعلق بأعماله التجارية، والبعض الآخر يتحدث عن رحلاتٍ وأشخاصٍ لا يعرفهم. لكن في الصفحات الأخيرة، وجد رسماً مشابهاً لشعار العائلة، مع دائرةٍ حول الحجر المتلألئ، وتحتها كلماتٌ مكتوبةٌ بخطٍ سريع: "عندما يضيء الحجر، يبدأ الطريق".

"عندما يضيء الحجر..." تمتم أحمد. هل يقصد شيئاً مادياً؟ قطعة مجوهرات؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك؟

عاد إلى اللفافة الرئيسية، وبدأ يتفحص الرسومات والخرائط. كانت إحداها خريطةً قديمةً للقصر، مع علاماتٍ غامضةٍ عند بعض الغرف. إحدى هذه العلامات كانت في مكتبة الشيخ، وهي غرفةٌ لم يدخلها أحمد كثيراً، فقد كانت ملاذاً خاصاً لوالده.

قرر أحمد أن يبدأ من مكتبة والده. كان الجو في المكتبة هادئاً، يعبق برائحة الكتب القديمة والجلد. رفوفٌ عاليةٌ ممتلئةٌ بكنوز المعرفة، تتجاوز آلاف العناوين. بدأ أحمد يتفحص الكتب، بحثاً عن أي إشارةٍ، عن أي شيءٍ قد يربطه بـ "حجر الزاوية".

بعد ساعاتٍ من البحث المتواصل، دون جدوى، شعر بالإحباط. جلس على كرسي المكتب، متنهداً. نظر حوله، ثم وقع بصره على لوحةٍ فنيةٍ معلقةٍ على الحائط، كانت عبارة عن رسمٍ لمشهدٍ صحراويٍ قديم، فيه شمسٌ ساطعةٌ وحجرٌ كبيرٌ في الوسط. لم ينتبه أحمد لهذه اللوحة من قبل. اقترب منها، وبدأ يتفحصها. كان هناك شيءٌ غريبٌ في الحجر المرسوم. بدا وكأنه يتوهج.

تذكر كلمات والده: "عندما يضيء الحجر، يبدأ الطريق". هل كان يقصد هذه اللوحة؟

بدأ أحمد يفحص اللوحة عن كثب. وجد أن الحجر المرسوم كان مصنوعاً من حجرٍ حقيقي، مثبتٍ على اللوحة. لمع الحجر في ضوء المصباح. مد أحمد يده ولَمَسَ الحجر. لم يكن مجرد حجرٍ عادي، بل كان فيه تجويفٌ صغيرٌ جداً، بالكاد يمكن رؤيته.

بقلبٍ ينبض بالترقب، أخرج المفتاح الصغير الذي وجده في الصندوق. حاول إدخاله في التجويف. لم يدخل. شعر بخيبة أملٍ للحظة، لكنه لاحظ أن المفتاح له رأسٌ على شكل نجمة، وأن التجويف في الحجر يبدو وكأنه يشبه شكل نجمةٍ مصغرة.

بإصرارٍ أكبر، حاول أحمد توجيه المفتاح بزاويةٍ معينة. وفجأة، سمع صوتاً خفيفاً، أشبه بصوتِ نقرة. بدا أن المفتاح قد استقر في مكانه. ضغط أحمد على المفتاح برفق.

حدث ما لم يكن يتوقعه. لم تفتح اللوحة، بل انبعث منها ضوءٌ خافتٌ من تجويف الحجر، ثم بدأت تتغير الألوان على اللوحة. ظهرت رموزٌ جديدةٌ، كانت مختبئةً خلف الطبقة الخارجية للصورة. كانت الرموز تشبه تلك التي رأها في لفافة والده، لكنها كانت أكثر وضوحاً.

أخرج أحمد هاتفه وبدأ بتصوير الرموز. ثم عاد إلى لفافة والده، وبدأ يقارن. وجد أن هناك تشابهاً كبيراً. الرموز في اللوحة كانت تمثل مراحل، أو أدلة.

وسط هذه الرموز، وجد رمزاً واحداً كان مختلفاً. كان يشبه حرف "ع" باللغة العربية، وبجانبه رقم "7".

"ع 7..." تمتم أحمد. ماذا يعني هذا؟ هل هو حرفٌ ورقم؟ أم أنها إشارةٌ إلى مكانٍ ما؟

عاد إلى دفتر ملاحظات والده، وبدأ يبحث عن أي شيءٍ يتعلق بحرف "ع" أو الرقم "7". لم يجد شيئاً محدداً.

في هذه الأثناء، كان "حسن" يراقب تحركات أحمد. كان يشعر بأن أخاه يخفي شيئاً، وأن لديه هدفاً خاصاً. لم يكن يثق بأحمد تماماً، وكان يخشى أن يكون إبراهيم قد ترك له شيئاً يهدد مكانه أو نفوذه.

في المساء، وبعد أن أنهى أحمد تحقيقاته في المكتبة، شعر بالإرهاق. لكنه كان يشعر أيضاً بوجود خيطٍ رفيعٍ يربطه بالحقيقة. "ع 7"... هل هي خزانةٌ معينة؟ رقم غرفة؟ أم اسم؟

نظر إلى الخريطة القديمة للقصر مرةً أخرى. كان هناك العديد من الغرف والأماكن. هل يمكن أن تكون "ع" تشير إلى "عين"؟ أو "عتبة"؟

قرر أحمد أن يحلل الرموز التي وجدها في اللوحة. كانت هناك رموزٌ تمثل الأبواب، ورموزٌ تمثل النوافذ، ورموزٌ أخرى تشبه المفاتيح. يبدو أن والده قد وضع نظاماً شفرةً خاصاً به.

بعد تفكيرٍ عميق، توصل أحمد إلى فرضية. ربما تكون "ع" هي أول حرفٍ من اسم مكانٍ معين في القصر، والرقم "7" يشير إلى رقم الغرفة أو الطابق.

بدأ يتجول في القصر، بعينٍ فاحصة، يبحث عن أي مكانٍ يبدأ بحرف "ع". كان هناك "العنبر"، و"العريش"، لكن لم يكن هناك أي شيءٍ يحمل الرقم "7" بشكلٍ واضح.

عاد إلى مكتبة والده، وأخذ يرتب الكتب بعناية، كما لو كان والده يقوم بذلك. وبينما كان يرتب أحد الرفوف العالية، شعر بشيءٍ يسقط من خلف كتابٍ قديم. كانت قطعةً ورقيةً صغيرة، مكتوبٌ عليها بخطٍ متقطع: "عندما تستدير الشمس... في المطبخ... ابحث عن السباعي".

" السباعي"؟ هل يقصد سبعة؟ و"عندما تستدير الشمس في المطبخ"... هذه عبارةٌ غريبة.

فهم أحمد أخيراً. المطبخ كان في الجهة الشرقية من القصر. عندما "تستدير الشمس"، أي في فترة الظهيرة، فإن ضوء الشمس يدخل من النوافذ الشرقية.

شعر أحمد بأن الخطى تقترب، وأن لغز والده بدأ يتكشف. لكنه كان يعلم أن هذه ليست سوى البداية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%