الوصية الأخيرة
الفصل 5 — رياح الشك والحذر
بقلم سلمى الجابري
الفصل 5 — رياح الشك والحذر
عاد أحمد إلى غرفته، وبدأ يراجع الوثائق التي وجدها في خزانة برج الساعة. كانت عبارةً عن مستنداتٍ رسمية، وسجلاتٍ تجارية، ورسائلَ متبادلةٍ بين جدّه وزاهر. كانت الأدلة دامغةً، تثبت تورط زاهر في سرقة أموال العائلة. لكنها لم تقدم أي معلوماتٍ عن مكان وجوده الحالي.
"إذن، والدي كان يحاول استعادة حق العائلة"، قال أحمد لنفسه. "لكنه لم يتمكن من ذلك قبل وفاته".
في غضون ذلك، بدأت الأخبار تنتشر في القصر عن نشاطات أحمد. حسن، الشقيق الأصغر لوالده، كان يراقب تحركاته عن كثب. كان يشعر بأن أحمد يقترب من كشف شيءٍ قد يؤثر على مكانته في العائلة.
في إحدى الأمسيات، وبينما كان أحمد يجلس في مكتبه، طرق الباب. دخل حسن، وبدت على وجهه ابتسامةٌ متكلفة.
"مساء الخير يا أحمد"، قال حسن. "كنت أتساءل كيف حالك. أرى أنك مشغولٌ جداً منذ وفاة والدي".
"مساء النور يا عم حسن"، أجاب أحمد، محاولاً أن يبدو هادئاً. "أنا بخير، وأحاول أن أطمئن قلوب الجميع".
"قلوب الجميع؟" ضحك حسن. "أم قلبك وحدك؟ سمعت أنك قضيت وقتاً طويلاً في برج الساعة. هل وجدت شيئاً ثميناً؟ ربما تركةٌ إضافية؟"
شعر أحمد بالتوتر. "لم أجد شيئاً سوى بعض الأوراق القديمة يا عم حسن. لم يكن هناك شيءٌ ذو قيمةٍ كبيرة".
"أوراق قديمة؟" كرر حسن، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "والدي لم يكن يهتم بالأوراق القديمة إلا إذا كانت تحمل شيئاً مهماً. هل أنت متأكدٌ أنك لم تخفِ شيئاً؟"
"أنا لا أخفي شيئاً يا عم حسن"، قال أحمد بحزم. "أنا فقط أحاول أن أفهم ما تركه لنا والدي. كان لديه أسرارٌ كثيرة".
"أسرار؟" قال حسن، مقترباً من مكتب أحمد. "منذ متى وأنت تخوض في أسرار والدي؟ هل تعتقد أنك أصبحت الآن رب الأسرة؟"
شعر أحمد بالضيق من نبرة حسن. "أنا فقط أحاول أن أفي بما تركه لي والدي".
"وماذا لو كان ما تركه لك يتعارض مع مصلحة العائلة؟" قال حسن، ونظرته أصبحت حادة. "هل ستظل وفياً لوصيته؟ أم ستكون وفياً لعائلتك؟"
"أنا أؤمن بأن الحق هو مصلحة العائلة يا عم حسن"، أجاب أحمد.
"الحق؟" سخر حسن. "الحق هو ما نراه نحن. وليس ما يمليه علينا شخصٌ متوفى. والدك كان رجلاً طيباً، لكنه ربما لم يكن يفكر بمنطقيةٍ في النهاية".
شعر أحمد بأن حسن يحاول استدراجة، أو استفزازه. "أتمنى أن تتوقف هنا يا عم حسن. أنا لا أرغب في الدخول في جدالٍ معك".
"جدال؟" قال حسن، وابتسامته عادت. "لم أكن أدخل في جدال. كنت فقط أبدي رأيي. تذكر يا أحمد، القوة الحقيقية تكمن في الوحدة. ولا تشتت قوتنا بمطاردة الأشباح".
غادر حسن الغرفة، تاركاً وراءه شعوراً بالقلق والشك. أدرك أحمد أن مهمته لن تكون سهلة، وأن هناك من سيحاول عرقلته.
في تلك الليلة، بينما كان أحمد يتأمل قلادة "حجر الزاوية"، شعر بأن هناك شيئاً ناقصاً. كانت القلادة جميلة، والأدلة واضحة. لكن لماذا لم يتم العثور على زاهر؟ ولماذا لم يتم استعادة المال؟
ثم تذكر جزءاً من الرسالة: "لا تدع أحداً يعرف". والده كان يعلم أنه سيكون هناك من يعارض.
فكر في عائلة أبيه. هل كان هناك من يعرف عن هذه القضية؟ هل كان جدّه قد أخبر أحداً؟
عاد إلى مكتب والده، وبدأ يبحث في الأرشيف القديم. وجد صوراً قديمةً لعائلته. صورٌ لجدّه، ووالده الشاب، وبعض الأقارب الذين لم يلتق بهم.
بين الصور، وجد صورةً قديمةً جداً، لجدّه مع رجلٍ آخر. الرجل الآخر كان يبتسم ابتسامةً واسعة، وكان يشبه إلى حدٍ كبيرٍ... حسن.
"هل يمكن أن يكون حسن؟" تساءل أحمد. "هل كان حسن يعرف زاهر؟ هل كان متورطاً؟"
الشبه بين حسن والرجل في الصورة كان قوياً لدرجة أنه لا يمكن إنكاره. لكن هذا يعني أن حسن قد يكون أكبر سناً مما يبدو.
بدأت تتكشف صورةٌ مؤلمة. ربما لم يكن حسن هو شقيق والده الأصغر، بل كان قريباً آخر، واستغل فرصة وفاة والد والده، ليصبح "شقيقاً" صغيراً ويدخل دائرة العائلة.
لكن لماذا؟ ولماذا يسرق المال؟
بدأ أحمد يشعر بأن قضية زاهر هي مجرد قمة جبل الجليد. هناك شيءٌ أكبر، شيءٌ أعمق، يتعلق بتاريخ عائلته نفسه.
نظر إلى القلادة مرةً أخرى. "حجر الزاوية". ربما لم يكن مجرد مفتاح، بل كان رمزاً للحقيقة، رمزاً لأساس العائلة.
قرر أحمد أن يكون أكثر حذراً. لقد كشف عن جزءٍ من الحقيقة، لكنه كان يعلم أن هناك الكثير مما لا يزال مخفياً. كان عليه أن يتصرف بذكاء، وأن يثق بحدسه.
في هذه الأثناء، كانت "سارة" تشعر بقلقٍ متزايدٍ على شقيقها. كانت ترى التغيرات التي تحدث في القصر، والتوتر المتزايد بين أفراد العائلة. كانت تحب والدهما كثيراً، وتشعر بأن هناك أمراً خطيراً قد يحدث.
في ليلةٍ من الليالي، بينما كانت سارة تتمشى في حديقة القصر، سمعت همساً قادماً من جهة الجناح المهجور. اقتربت بحذر، ورأت ظلاً يتحرك خلف النافذة. كان الظل لشخصٍ طويل، يبدو وكأنه يحمل شيئاً.
تراجعت سارة بخوف، وعادت مسرعةً إلى غرفتها. أدركت أن القصر لم يعد آمناً كما كان. وأن أسرار والده قد جلبت معها الخطر.